تحل اليوم الخميس 23 يوليوز 2026 الذكرى السابعة والعشرون لوفاة الملك الراحل الحسن الثاني، الذي أسلم الروح يوم الجمعة 23 يوليوز 1999، عن عمر ناهز 70 سنة، بعدما حكم المغرب قرابة ثمانية وثلاثين عاماً.
سبعة وعشرون عاماً مرت، لكن صورة ذلك اليوم ما تزال حاضرة في ذاكرة ملايين المغاربة: خبر ثقيل نزل فجأة، حزن عم المدن والقرى، وشعب وجد نفسه أمام نهاية عهد طويل ارتبط فيه اسم الملك الحسن الثاني بأدق تفاصيل الدولة المغربية وبأصعب لحظاتها.
لم يكن يوم 23 يوليوز 1999 يوماً عادياً في تاريخ المغرب. كان نهاية مرحلة سياسية كاملة، وبداية انتقال سلس للمُلك إلى ولي العهد آنذاك، الملك محمد السادس. وفي اليوم نفسه، تمت مبايعة الملك الجديد، قبل أن يلقي أول خطاب للعرش يوم 30 يوليوز 1999، وهو التاريخ الذي أصبح منذ ذلك الحين موعداً رسمياً للاحتفال بعيد العرش، وفق البوابة الرسمية للمملكة المغربية.
أمير نشأ في قلب معركة الاستقلال
ولد الملك الحسن الثاني، واسمه آنذاك الأمير مولاي الحسن، يوم 9 يوليوز 1929 بمدينة الرباط. نشأ داخل المؤسسة الملكية في مرحلة شديدة الحساسية، كانت فيها الحركة الوطنية تخوض معركة التحرر من نظام الحماية، وكان والده الملك محمد الخامس يتحول تدريجياً إلى رمز لوحدة العرش والشعب.
تلقى الأمير تعليمه بالمدرسة المولوية، وجمع تكوينه بين العلوم الدينية واللغة العربية والتاريخ والتكوين القانوني والسياسي. لكنه لم يتعلم شؤون الحكم من الكتب وحدها؛ فقد عاش بالقرب من والده تفاصيل الصراع مع سلطات الحماية، وحضر مبكراً عدداً من اللقاءات والمحطات التي كان المغرب يرسم من خلالها طريقه نحو الاستقلال.
رافق والده في مراحل حاسمة، وكان شاهداً على خطاب طنجة التاريخي سنة 1947، الذي أكد فيه محمد الخامس وحدة المغرب وتطلعه إلى الحرية والاستقلال. كما عاش تجربة نفي الأسرة الملكية سنة 1953، أولاً إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر.
ساهم نفي الملك محمد الخامس وأسرته في تقوية المقاومة وفي توحيد قطاعات واسعة من المغاربة حول مطلب عودة السلطان الشرعي وإنهاء الحماية. وعندما عاد محمد الخامس إلى المغرب في نونبر 1955، كان الأمير مولاي الحسن حاضراً في لحظة شكلت مقدمة مباشرة لاستقلال البلاد سنة 1956.
من ولاية العهد إلى قيادة المغرب
أُعلن الأمير مولاي الحسن ولياً للعهد سنة 1957. وخلال السنوات الأولى للاستقلال، تولى مسؤوليات عسكرية وسياسية متزايدة، في وقت كان فيه المغرب يعمل على توحيد مؤسساته وبناء إدارته وجيشه واستكمال سيادته.
بعد وفاة الملك محمد الخامس يوم 26 فبراير 1961، انتقل العرش إلى ولي عهده، ليصبح ملكاً على المغرب باسم الحسن الثاني. ومنذ الأيام الأولى لحكمه، ظهر أن الملك الجديد يملك تصوراً قوياً ومركزياً لممارسة السلطة وإدارة الدولة.
كانت البلاد حديثة العهد بالاستقلال، ومؤسساتها ما تزال في طور البناء، فيما كانت الساحة السياسية تعيش تنافساً حاداً بين القصر والأحزاب الوطنية والقوى النقابية واليسارية. وفي هذا السياق بدأت مرحلة طويلة ومعقدة، اختلط فيها تثبيت الدولة بالصراع حول توزيع السلطة وحدود المشاركة السياسية.
أول دستور وبداية الحياة المؤسساتية
شهد عهد الحسن الثاني اعتماد أول دستور للمملكة سنة 1962. وقد وضع ذلك الدستور الأساس القانوني لنظام الملكية الدستورية وأقر مؤسسات تمثيلية وحياة حزبية تعددية، لكنه منح المؤسسة الملكية في الوقت نفسه صلاحيات واسعة ومركزية.
وتعاقبت بعد ذلك مراجعات دستورية متعددة، رافقت التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب. وظل الملك الحسن الثاني فاعلاً رئيسياً في رسم قواعد المشهد السياسي وإدارة التوازن بين الأحزاب والإدارة ومؤسسات الدولة.
كانت العلاقة بين الحكم والمعارضة صعبة، خصوصاً خلال الستينيات والسبعينيات. وعرفت البلاد احتجاجات وأزمات سياسية وحالة استثناء امتدت سنوات، كما واجهت الدولة صداماً قاسياً مع جزء من المعارضة اليسارية.
لذلك لا يمكن قراءة هذه المرحلة من زاوية بناء المؤسسات وحدها؛ فقد شهدت أيضاً اعتقالات سياسية ومحاكمات واختفاءات قسرية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وهي الملفات التي ستصبح بعد سنة 1999 جزءاً من ورش وطني للعدالة الانتقالية والمصالحة.
ويؤكد المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن الاختصاص الزمني لهيئة الإنصاف والمصالحة شمل الانتهاكات الجسيمة التي وقعت بين سنتي 1956 و1999، وهي مدة بلغت 43 سنة. وقد اشتغلت الهيئة على كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا واقتراح إصلاحات تمنع تكرار الانتهاكات.
ملك نجا من محاولتين انقلابيتين
شكّلت بداية سبعينيات القرن الماضي واحدة من أخطر مراحل حكم الحسن الثاني. ففي 10 يوليوز 1971، تعرض القصر الملكي بالصخيرات لهجوم مسلح أثناء احتفال بعيد ميلاد الملك، في محاولة انقلابية خلفت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى.
وبعد أكثر من سنة بقليل، وتحديداً في 16 غشت 1972، تعرضت الطائرة الملكية لهجوم في الجو أثناء عودتها إلى المغرب. نجا الملك من المحاولة الثانية كما نجا من الأولى، لكن الحدثين تركا أثراً عميقاً في طبيعة الحكم وفي علاقة القصر بالمؤسسة العسكرية وبمراكز القوة داخل الدولة.
وتؤكد وثائق مكتب المؤرخ بوزارة الخارجية الأمريكية وقوع محاولة انقلاب الصخيرات أثناء احتفال الملك بعيد ميلاده الثاني والأربعين.
كان من نتائج تلك المرحلة إحكام السيطرة على المؤسسة العسكرية وتقوية مركزية القرار. كما رسخت المحاولتان لدى الملك قناعة بأن استقرار الدولة يحتاج، من وجهة نظره، إلى سلطة قوية قادرة على منع الانقسامات والانقلابات.
المسيرة الخضراء.. المحطة الأكثر رسوخاً في الذاكرة
إذا كان هناك حدث ارتبط باسم الحسن الثاني في الذاكرة الجماعية المغربية أكثر من غيره، فهو المسيرة الخضراء.
في 16 أكتوبر 1975، أعلن الملك تنظيم مسيرة سلمية نحو الأقاليم الصحراوية، قبل انطلاقها في 6 نونبر من السنة نفسها بمشاركة نحو 350 ألف مغربي ومغربية حملوا المصاحف والأعلام الوطنية.
لم تكن المسيرة مجرد تحرك جماهيري، بل عملية سياسية ودبلوماسية وإعلامية دقيقة، استطاع من خلالها المغرب نقل قضية الصحراء من المفاوضات المغلقة إلى تعبئة وطنية واسعة. وقد أصبحت المسيرة الخضراء منذ ذلك التاريخ جزءاً أساسياً من السردية الوطنية ومن رمزية استكمال الوحدة الترابية.
أظهرت تلك المحطة واحدة من أبرز خصائص الحسن الثاني السياسية: القدرة على الجمع بين التعبئة الشعبية والمفاوضات الدبلوماسية واستثمار موازين القوى الدولية.
غير أن قضية الصحراء دخلت بعد ذلك مرحلة طويلة من النزاع الإقليمي، وأصبحت الملف الأكثر حضوراً في السياسة الخارجية المغربية. وظلت الوحدة الترابية خلال بقية عهد الحسن الثاني أولوية مطلقة، استُنفرت من أجلها الدبلوماسية والمؤسسة العسكرية والموارد الوطنية.
دبلوماسية الحسن الثاني
امتلك الحسن الثاني حضوراً دولياً لافتاً، وتوفرت لديه قدرة واضحة على مخاطبة زعماء ينتمون إلى معسكرات سياسية متعارضة. أقام علاقات وثيقة مع فرنسا والولايات المتحدة، وحافظ في الوقت نفسه على حضور المغرب داخل العالمين العربي والإسلامي وفي القارة الإفريقية.
زار الولايات المتحدة مرات متعددة والتقى رؤساء أمريكيين متعاقبين، من بينهم جون كينيدي وجيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون، بحسب أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية.
كما ارتبط اسمه بعدد من مساعي الوساطة في الشرق الأوسط، وبمحاولة إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين أطراف متنازعة. وترأس لجنة القدس، وظلت القضية الفلسطينية حاضرة في خطابه وتحركاته الدبلوماسية.
كان المغرب في عهده محسوباً على المعسكر الغربي، لكنه حرص على هامش من الاستقلالية وعلى بناء صورة البلد القادر على الحوار مع الجميع. وتجلت هذه السياسة في استضافة قمم عربية وإسلامية ودولية، وفي الانخراط في ملفات إقليمية حساسة.
وفي إفريقيا، اتخذ المغرب سنة 1984 قرار الانسحاب من منظمة الوحدة الإفريقية احتجاجاً على قبول عضوية ما يسمى بـ“الجمهورية الصحراوية”. كان القرار مكلفاً دبلوماسياً على المدى الطويل، لكنه عبّر في حينه عن المكانة المركزية التي منحها الحسن الثاني لقضية الصحراء.
سياسة السدود وبناء ركائز الاقتصاد
داخلياً، ارتبط اسم الملك الحسن الثاني بسياسة السدود، التي جعلها خياراً استراتيجياً لمواجهة توالي سنوات الجفاف، وتأمين مياه الشرب والري، وتوسيع المساحات الزراعية المسقية.
كان الرهان على الفلاحة مفهوماً في بلد ما تزال غالبية كبيرة من سكانه، خلال العقود الأولى للاستقلال، تعيش في القرى وترتبط مواردها بالأرض والمطر. وأسهمت المنشآت المائية الكبرى في دعم الإنتاج الفلاحي وتوفير احتياطات مائية، وأصبحت سياسة السدود من أبرز عناصر الإرث التنموي لعهد الحسن الثاني.
لكن الاقتصاد المغربي واجه في المقابل صعوبات ثقيلة، خصوصاً خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين ارتفعت المديونية واضطرت البلاد إلى تطبيق برنامج للتقويم الهيكلي. انعكست تلك السياسات على الإنفاق الاجتماعي والقدرة الشرائية والخدمات العمومية، وعمقت شعور فئات واسعة بالتفاوت بين المدن والقرى وبين الطبقات الاجتماعية.
شهد المغرب كذلك توسعاً عمرانياً ونمواً في البنيات الإدارية والاقتصادية، غير أن الفقر والأمية والبطالة ظلت تحديات قائمة. وهذا يعني أن الحصيلة الاقتصادية لم تكن خطاً واحداً من الإنجازات أو الإخفاقات، بل مساراً جمع بين بناء التجهيزات الأساسية واستمرار اختلالات اجتماعية عميقة.
إمارة المؤمنين وإدارة التوازن الديني
أولى الحسن الثاني أهمية كبيرة للبعد الديني في ممارسة الحكم. واستند إلى صفة أمير المؤمنين في حماية الثوابت الدينية وضمان استمرارية المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني.
ظهر هذا الاهتمام في الدروس الحسنية الرمضانية، وفي العناية بالمؤسسات الدينية والعلماء والمساجد. كما أراد أن يقدم المغرب باعتباره بلداً يجمع بين الشرعية الدينية والدولة الحديثة، وبين العمق الإسلامي والانفتاح على العالم.
ويمثل مسجد الحسن الثاني بمدينة الدار البيضاء أحد أبرز المعالم المرتبطة باسمه. فقد تحول المسجد، بما يحمله من قيمة دينية ومعمارية، إلى أحد أشهر رموز المغرب في الخارج وإلى معلمة تستقطب الزوار من مختلف دول العالم.
سنوات المواجهة والانفتاح المتأخر
لا تكتمل قراءة عهد الحسن الثاني من دون التوقف عند ما اصطلح عليه بـ“سنوات الرصاص”. فقد شهدت عقود من حكمه تضييقاً على معارضين واعتقالات سياسية واختفاءات قسرية ومحاكمات أثارت انتقادات حقوقية داخل المغرب وخارجه.
إن استحضار هذه الوقائع لا ينتقص من قيمة الذكرى، كما أن الاعتراف بإنجازات الدولة لا يبرر تجاهل معاناة الضحايا. التاريخ الناضج لا يُكتب بمنطق التقديس الكامل ولا بمنطق الإدانة المطلقة، بل بوضع الوقائع في سياقها، والاستماع إلى مختلف الذاكرات، والاحتكام إلى الوثائق.
وقد اختار المغرب لاحقاً معالجة هذا الماضي من خلال تجربة العدالة الانتقالية. وتوضح الصفحة الرسمية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان أن هيئة الإنصاف والمصالحة أُحدثت لتسوية ملفات الانتهاكات الجسيمة التي شهدها المغرب ما بين 1956 و1999، وكشف الحقيقة وجبر الأضرار وصياغة توصيات للإصلاح المؤسسي والقانوني.
وفي السنوات الأخيرة من حكم الحسن الثاني، بدأت مؤشرات انفراج سياسي وحقوقي في الظهور. أُفرج عن عدد من المعتقلين السياسيين وعاد بعض المنفيين، كما شهدت البلاد انفتاحاً تدريجياً على المعارضة.
وتوج هذا المسار سنة 1998 بتعيين عبد الرحمان اليوسفي، أحد أبرز قادة المعارضة الاتحادية، وزيراً أول على رأس حكومة التناوب التوافقي. كانت الخطوة ذات دلالة كبيرة: الملك الذي عاش عقوداً من الصراع مع المعارضة قرر أن يسلمها مسؤولية قيادة الحكومة في إطار المؤسسات القائمة.
لقد مهد هذا الانفتاح المتأخر لانتقال أكثر هدوءاً، وساعد على خلق مناخ سياسي استقبل به المغرب العهد الجديد سنة 1999.
الجمعة 23 يوليوز 1999.. اليوم الذي توقف فيه الزمن
في ذلك اليوم الصيفي، تلقى المغاربة الخبر الذي لم يكن كثيرون مستعدين لسماعه. رحل الحسن الثاني في الرباط، بعد أسابيع قليلة من إتمام عامه السبعين.
كانت قوة الصدمة مرتبطة أيضاً بطول مدة حكمه. أجيال كاملة من المغاربة لم تعرف ملكاً غيره، وكانت صورته حاضرة في الإدارات والمدارس والمؤسسات، وصوته مألوفاً في الخطب والمناسبات، واسمه مرتبطاً بالقرارات الكبرى وبالحياة السياسية اليومية.
خرج المواطنون إلى الشوارع، وتابعوا تفاصيل الجنازة في حالة من الذهول والحزن. وفي 25 يوليوز 1999، ووري جثمانه الثرى بضريح محمد الخامس في الرباط، بجوار والده الملك محمد الخامس وشقيقه الأمير مولاي عبد الله، وسط حضور رسمي دولي وشعبي كبير.
كان موكب الجنازة لحظة إنسانية نادرة التقت فيها الدولة بالشعب في الشارع، واجتمع فيها قادة من دول متعارضة حول نعش ملك لعب، على امتداد عقود، أدواراً متعددة في العلاقات العربية والإفريقية والدولية.
انتقال العرش واستمرار الدولة
رغم ضخامة الحدث، جرى انتقال العرش في هدوء واستمرارية مؤسساتية. ففي اليوم نفسه، بويع ولي العهد ملكاً على المغرب باسم محمد السادس.
كان ذلك الانتقال اختباراً حقيقياً للدولة المغربية. فوفاة ملك حكم البلاد قرابة أربعة عقود كان يمكن أن تفتح باباً للارتباك، لكن القواعد الدستورية وتقاليد البيعة ضمنت استمرارية الدولة.
دخل المغرب عهداً جديداً محملاً بإرث الحسن الثاني: قضية الصحراء، المؤسسات المركزية، شبكة العلاقات الدولية، الأوراش الاقتصادية، التفاوتات الاجتماعية، وانتظارات المصالحة والإصلاح.
ولم يبدأ حكم محمد السادس من فراغ؛ فقد ورث دولة حافظت على استقرارها ووحدتها، لكنه ورث أيضاً ملفات حقوقية واجتماعية وسياسية تطلبت مقاربات جديدة.
إرث لا يمكن اختزاله في حكم واحد
بعد 27 سنة على وفاته، يبدو الحسن الثاني شخصية تاريخية عصية على الاختزال. يراه كثير من المغاربة ملك المسيرة الخضراء، وباني الدولة الحديثة، وصاحب سياسة السدود، والدبلوماسي الذي منح المغرب حضوراً يفوق إمكاناته الجغرافية والاقتصادية.
ويرى آخرون أن عهده شهد تركيزاً شديداً للسلطة، وصراعات قاسية مع المعارضة، وانتهاكات جسيمة تركت جروحاً في حياة أفراد وعائلات ومناطق. وبين القراءتين مساحة واسعة لفهم التاريخ بعيداً عن التبسيط.
كان الحسن الثاني رجل دولة شديد الحضور، واسع الثقافة، قوي الخطابة، سريع البديهة، ومتمرساً في التفاوض وإدارة التوازنات. لكنه كان أيضاً حاكماً لمرحلة مضطربة، استخدمت فيها الدولة أدوات قاسية لمواجهة خصومها، ودُفع خلالها ثمن إنساني وسياسي اعترف المغرب نفسه بضرورة معالجته.
والإنصاف التاريخي يقتضي تسجيل الوجهين معاً. فلا المسيرة الخضراء وسياسة السدود وبناء المؤسسات تُمحى بسبب الانتهاكات، ولا معاناة الضحايا تصبح هامشاً يمكن القفز عليه بسبب الإنجازات الوطنية.
الحسن الثاني في ذاكرة الأجيال الجديدة
هناك اليوم جيل مغربي كامل وُلد بعد وفاة الحسن الثاني. يعرفه من الصور القديمة، والأشرطة الوثائقية، وخطبه التي يعاد تداول مقاطع منها، ومن روايات الآباء والأجداد.
بالنسبة إلى هذا الجيل، لم يعد الحسن الثاني حاكماً حاضراً، بل أصبح موضوعاً تاريخياً يحتاج إلى البحث والتحليل. وهنا تظهر مسؤولية الإعلام والمدرسة والجامعة ومؤسسات الأرشيف: تقديم المرحلة بكل تعقيداتها، من دون تزييف أو انتقائية.
إن الأمم القوية لا تخاف من تاريخها، ولا تحوله إلى مديح دائم أو محاكمة دائمة. إنها تحفظ الإنجازات، وتعترف بالأخطاء، وتنصف الضحايا، وتستخلص الدروس.
وفي حالة الحسن الثاني، لا يتعلق الأمر بسيرة ملك فقط، بل بتاريخ دولة ومجتمع انتقلا من زمن الحماية إلى الاستقلال، ومن هشاشة المؤسسات إلى ترسيخها، ومن الصدامات السياسية الحادة إلى بدايات التناوب والمصالحة.
27 سنة بعد الرحيل
في مثل هذا اليوم قبل 27 عاماً، انطوت صفحة الحسن الثاني، لكن آثارها لم تنته. فما تزال قضية الوحدة الترابية في قلب الإجماع الوطني، وما تزال السدود التي شيدت في عهده جزءاً من الأمن المائي للمملكة، وما يزال مسجد الحسن الثاني يطل على المحيط شاهداً على مرحلة كاملة.
كما أن ورش المصالحة والعدالة الانتقالية، وإصلاح المؤسسات، وتوسيع مجال الحقوق والحريات، لا يمكن فهمه من دون العودة إلى أسئلة ذلك العهد وتجربة المغاربة خلاله.
لقد كان الحسن الثاني واحداً من أبرز صناع تاريخ المغرب في القرن العشرين. حكم في زمن الانقلابات والحرب الباردة والصراعات الإيديولوجية، وقاد بلداً حديث الاستقلال وسط محيط إقليمي شديد الاضطراب. اتخذ قرارات حاسمة، وحقق إنجازات راسخة، وترك أيضاً ملفات وجراحاً وأسئلة استمرت بعد رحيله.
وفي الذكرى السابعة والعشرين لوفاته، يبقى أفضل وفاء للتاريخ هو قراءته بصدق: احترام ذكرى الملك الراحل، الاعتزاز بما تحقق للمغرب، الاعتراف بما عاناه المغاربة، وتقديم التجربة للأجيال الجديدة باعتبارها مدرسة في بناء الدولة وفي أهمية صيانة الحقوق والكرامة.
رحم الله الملك الحسن الثاني، وحفظ المغرب، ملكاً وشعباً، وجعل استحضار تاريخه مناسبة لفهم الماضي وبناء المستقبل، لا للبقاء أسرى الأحكام الجاهزة أو القراءات الأحادية.




