أن تبني مرأباً تحت أرضي بطابقين في قلب مدينة مثل أكادير لتخفيف الضغط المروري فتلك خطوة تُحسب في ظاهرها لصالح التدبير المحلي..
لكن أن يتحول هذا المرفق بقدرة قادر وفي غفلة من الجميع إلى سوق مفتوح لبيع السيارات المستعملة ومستودع دائم لسيارات الخدمات والمجهولة فهذا استثناء أكاديريّ بامتياز يُكثف حجم الفوضى والعشوائية التي تلتهم المبادرات التنموية.
نزلتُ إلى مربد ساحة المعرض أدفعتني إلى ذلك اتصالات متواترة من مواطنين ضاقوا ذرعاً بهذا الوضع حرّكوا فيً فضول صحفي لا يستكين.
طفتُ بسيارتي دورة بعد أخرى في ذلك النفق المضيء. أرقام السيارات القادمة من مختلف المدن تكشف أن زوار المدينة يلفون مثلي في حلقة مفرغة يفتشون عن متر مربع واحد لركن سياراتهم فلا يجدون ليغادروا منكسرين.
لم أغادر.. أعدتُ الطواف ليرتفع الستار عن المشهد الحقيقي:
عشرات السيارات المركونة بعناية أُلصقت عليها إعلانات البيع بل ورصدتُ بعيني شخصين يوقعان عقداً فوق سطح سيارة في واضحة النهار.. وكأننا أمام مكتب توثيق عشوائي أسفل الأرض
الأدهى من كل هذا أن هناك سيارات استوطنت المكان منذ يوم افتتاحه قبل أزيد من سنة ونصف وفي هذا تحديداً يطرح التحدي الأمني نفسه ببالغ الخطورة كيف لسيارات معمرة ومجهولة الغايات أن تظل رابضة في العتمة التحت-أرضية دون رقيب
إن الجماعة الحضرية لأكادير وإن كانت قد بادرت مشكورة إلى فتح هذه المرابد وبشكل مجانيّ استباقاً لتعقيدات البيروقراطية ولتقديم خدمة عمومية فإنها لم تتسلم لحد الساعة هذه المنشأة رسمياً من الشركة المشرفة على أجرأة هذا المشروع الملكي. وهنا تُصبح المسؤولية المباشرة والمباشرة فقط مطروحة على طاولة السيد والي الجهة.
إنّ هذه النية الطيبة والمجانية غير المؤطرة أدّى إلى خلق “فراقشية المرابد” وريع جديد يستغل الفضاء العمومي بلا حسيب.
هذا الوضع المشين والمسئ للمشروع الملكي واهدافه النبيلة يقتضي من السيد الوالي التحرّك وبلسان السلطة والإنفاذ.. عبر اتخاذ قرارات مؤقتة تُسقف زمن الركن مجاناً وتضع حداً لهذا الاحتلال البشع.
نحن على أبواب فصل الصيف.. وأكادير لا تستحق أن تسوق لضيوفها صورة سوق سري تحت الأرض بل تحتاج قراراً شجاعاً يحرر مرفقاً عمومياً أُسيء استغلاله جهاراً نهاراً.
إن المراهنة على صمت السلطة أمام هذا الشطط مجازفة بسمعة مدينة تُهيأ لتكون قطباً سياحياً عالمياً. والوالي اليوم ليس مطالباً مجرد إصدار تعليمات روتينية بل بإطلاق (عملية تحرير شاملة) تعيد للهيبة المعنى وللمرفق العمومي حرمته. فإما أن تُفرض دولة القانون أسفل الأرض كما هي فوقها وإما أن نعلن رسمياً عن افتتاح أكبر سوق سري للسيارات تحت الرعاية الكاملة للبيروقراطية..!
يوسف غريب كاتب صحفي




