مع كل صافرة تعلن نهاية موسم جديد من منافسات الهواة، يعود المشهد نفسه إلى الواجهة: لاعبون ومدربون يغادرون الملاعب بعد أشهر من التداريب والمباريات والسفر، بينما تظل رواتب ومنح مالية عالقة دون موعد واضح لصرفها.
وتتكرر شكاوى بشأن تأخر المستحقات داخل عدد من أندية القسم الوطني للهواة والقسمين الأول والثاني هواة، في ظل هشاشة مالية تجعل بعض الفرق عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه اللاعبين والأطر التقنية.
وبمجرد انتهاء آخر مباراة، تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً بالنسبة إلى المتضررين، إذ يجد بعضهم صعوبة في التواصل مع مسؤولي الأندية، بينما تتوقف الوعود التي كانت تتكرر طوال الموسم عن تقديم أي أجوبة واضحة.
رواتب متأخرة ومنح توقيع لم تُصرف
لا ترتبط الأزمة بتأخر راتب شهر واحد فقط، إذ يتحدث فاعلون في أقسام الهواة عن مستحقات قد تمتد إلى عدة أشهر، فضلاً عن منح توقيع أو تحفيز لم يتسلمها أصحابها رغم انتهاء الموسم.
ويتحول انتظار المستحقات بالنسبة إلى اللاعب من نزاع رياضي إلى أزمة اجتماعية حقيقية، خصوصاً أن عدداً كبيراً من لاعبي الهواة يعتمدون على مداخيل كرة القدم لتغطية تكاليف السكن والتنقل وإعالة أسرهم.
كما يجد المدربون والمعدون البدنيون وأطر الطواقم التقنية أنفسهم أمام الوضع نفسه، بعدما يواصلون العمل طوال الموسم اعتماداً على وعود بتسوية المستحقات عند توصل النادي بالمنح أو الدعم العمومي.
«المنحة لم تصل بعد».. جواب يتكرر كل موسم
عندما يطالب اللاعبون والمدربون بحقوقهم المالية، يتكرر داخل عدد من الأندية جواب واحد: منحة الجامعة أو الجماعة الترابية لم تصل بعد.
وتعتمد أندية الهواة بصورة كبيرة على الدعم المقدم من المؤسسات الرياضية والجماعات الترابية، في ظل محدودية مداخيل التذاكر والإشهار والاستثمار الخاص.
لكن تأخر الدعم، مهما كانت أسبابه، لا يلغي الالتزامات التي تعاقدت عليها المكاتب المسيرة، ولا يعفيها من ضرورة توضيح الوضع المالي للاعبين قبل بداية الموسم وأثناءه.
فالعقود والوعود لا ينبغي أن تبنى على موارد غير مؤكدة أو على منح لم يحدد تاريخ صرفها، لأن الطرف الأضعف في النهاية يظل هو اللاعب أو المدرب الذي قدم خدماته فعلياً.
بعد آخر مباراة تبدأ مرحلة الاختفاء
لا تتوقف المشكلة عند تأخر الأداء، إذ تبدأ لدى بعض الأندية، بعد نهاية الموسم، مرحلة الغياب عن التواصل.
فأرقام بعض المسيرين تصبح خارج التغطية، وأخرى لا تتلقى الاتصالات، بينما تغلق مقرات أندية أو تتوقف عن استقبال اللاعبين الراغبين في معرفة مصير مستحقاتهم.
ويجد اللاعب نفسه أمام حلقة مغلقة: المكتب المسير يربط الأداء بوصول الدعم، والجهة المانحة لا تتعامل مباشرة مع اللاعب، بينما لا توجد آلية سريعة تضمن تنفيذ الالتزام أو تحديد المسؤول عنه.
وتزيد هذه الممارسات من فقدان الثقة داخل كرة القدم الوطنية للهواة، وتدفع عدداً من اللاعبين إلى تغيير الأندية باستمرار أو مغادرة المنافسات دون الحصول على كامل حقوقهم.
المسيرون يتحدثون عن العجز المالي
في المقابل، يؤكد عدد من مسؤولي أندية الهواة أن تدبير موسم رياضي كامل يتطلب إمكانيات مالية تفوق بكثير الموارد المتاحة.
ويشير هؤلاء إلى أنهم يضطرون أحياناً إلى ضخ أموالهم الخاصة لتغطية تكاليف التنقل والإقامة والتجهيزات والتحكيم والأجور، في انتظار صرف المنح المخصصة للنادي.
كما يعتبرون أن تأخر دعم الجماعات والمؤسسات الرياضية يضع المكاتب المسيرة أمام التزامات لا تستطيع الوفاء بها في الآجال المتفق عليها.
ولا يمكن تجاهل الصعوبات المالية التي تواجهها الأندية، لكن الاعتراف بها لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم لتأجيل مستحقات اللاعبين والمدربين أو قطع التواصل معهم بعد نهاية الموسم.
اللاعب ليس ممولاً للنادي
عندما يواصل اللاعب التداريب وخوض المباريات لعدة أشهر دون راتب، فإنه يتحول عملياً إلى ممول غير مباشر للنادي.
فهو يقدم خدماته الرياضية، ويتحمل تكاليف معيشته وتنقله، وينتظر مقابلاً مالياً قد لا يتوصل به إلا بعد أشهر، أو قد يضطر إلى التنازل عن جزء منه للحصول على الباقي.
ولا يملك جميع اللاعبين القدرة على الانتظار، خصوصاً في أقسام لا توفر أجوراً مرتفعة أو مصادر دخل إضافية.
لهذا، فإن الحديث عن أزمة أندية الهواة يجب ألا يخفي الأزمة الاجتماعية للاعبين والأطر الذين يجدون أنفسهم دون حماية مالية أو تعاقدية فعالة.
عقود لا توفر دائماً الحماية المطلوبة
تزداد صعوبة المطالبة بالمستحقات عندما تكون العلاقة بين النادي واللاعب قائمة على اتفاقات غير دقيقة، أو عقود لا تتضمن تفاصيل واضحة بشأن الرواتب والمنح وآجال الأداء.
وقد يلتحق لاعب بنادٍ بناءً على وعود شفهية، أو يوقع وثيقة لا يحصل على نسخة منها، ثم يكتشف عند وقوع الخلاف صعوبة إثبات كامل المبالغ المتفق عليها.
ويفترض أن يكون كل عقد موثقاً لدى الجهة الرياضية المختصة، وأن يتوصل اللاعب والمدرب بنسخة منه، مع تحديد الأجر ومنحة التوقيع والتعويضات وآجال الأداء بصورة دقيقة.
الحاجة إلى مراقبة مالية قبل انطلاق الموسم
لا يمكن معالجة الأزمة في نهاية الموسم فقط، لأن جذورها تبدأ منذ مرحلة تسجيل الأندية واللاعبين.
فمن الضروري التأكد قبل منح الاعتماد من قدرة النادي على تمويل التزاماته الأساسية، بدل السماح له بتوقيع عقود تفوق موارده المتوقعة.
كما يمكن ربط مشاركة النادي بتقديم ميزانية واضحة للموسم، تتضمن مصادر التمويل المتاحة وحجم الرواتب والمنح ومصاريف التنقل والتجهيز.
ولا تعني المراقبة المالية التضييق على الأندية، بل حمايتها من تراكم الديون وضمان عدم بناء المنافسة على التزامات يستحيل تنفيذها.
صرف الدعم على دفعات مرتبطة بالالتزامات
من بين المقترحات المطروحة لمعالجة الظاهرة صرف المنح المخصصة للأندية على دفعات منتظمة خلال الموسم، بدل انتظار نهايته أو تأخر الإجراءات إلى مرحلة تصبح فيها الديون متراكمة.
ويمكن تخصيص جزء من هذه المنح مباشرة لتغطية أجور اللاعبين والأطر التقنية، وفق لوائح وعقود مصادق عليها.
كما يمكن مطالبة النادي بإثبات أداء مستحقات فترة معينة قبل الاستفادة من الدفعة المالية الموالية، بما يضمن توجيه الدعم نحو الالتزامات الرياضية والاجتماعية الأساسية.
آلية سريعة لحماية الحقوق
تحتاج كرة القدم في أقسام الهواة إلى آلية واضحة وسريعة لتلقي شكاوى اللاعبين والمدربين والبت فيها، دون إجبارهم على الدخول في مساطر طويلة قد تنتهي بعد مرور عدة مواسم.
وينبغي أن تتوفر هذه الآلية على العقود الموثقة، ومحاضر المباريات، ولوائح اللاعبين، والبيانات المالية المرتبطة بالمنح، بما يسهل التحقق من المستحقات.
كما يجب أن ترافقها جزاءات تدريجية بحق الأندية التي تكرر عدم أداء التزاماتها، مع حماية الفرق من قرارات قد تهدد وجودها، وحماية اللاعبين في الوقت نفسه من ضياع حقوقهم.
المسؤولية مشتركة
لا تقع مسؤولية الأزمة على المكاتب المسيرة وحدها، إذ تتحمل الجهات المانحة والهيئات المشرفة والسلطات الرياضية جزءاً من مسؤولية ضمان انتظام التمويل ومراقبة استعماله.
كما أن الأندية مطالبة بعدم التعاقد مع لاعبين ومدربين بأرقام مالية لا تستطيع تغطيتها، وعدم بناء ميزانياتها على وعود أو مداخيل غير مؤكدة.
وفي المقابل، يحتاج اللاعبون إلى مزيد من الوعي بأهمية العقود المكتوبة والحصول على نسخ منها، وتوثيق كل ما يتعلق بالأجور والمنح قبل بدء المنافسات.
موسم يبدأ بالأحلام وينتهي بالمطالبات
تنطلق مواسم الهواة عادة بأجواء من الحماس، مع وعود بالصعود وتحقيق النتائج وبناء فرق تنافسية.
لكن الحماس يتراجع عندما تبدأ الرواتب في التأخر، قبل أن تتحول نهاية الموسم إلى فترة للمطالبات والاتصالات والبحث عن مسؤول يقدم جواباً واضحاً.
وبدون إصلاح حقيقي لنظام التعاقد والتمويل والمراقبة، سيظل المشهد يتكرر: بداية بالأحلام، ثم أشهر من الانتظار، ونهاية بالديون والهواتف المغلقة.
فكرة القدم في أقسام الهواة لا يمكن أن تتطور بالنتائج الرياضية وحدها، بل تحتاج إلى حماية من يصنعون تلك النتائج داخل الملعب وخارجه.

