لم تكن القنوات الجزائرية، ليلة الانقطاع الكهربائي الكبير، في حاجة إلى البحث طويلا داخل الصفحات المغربية عن فيديو يصلح لإعادة التدوير.
لم تكن مضطرة إلى قص الشعار الأصلي، ولا إلى تغيير العنوان، ولا إلى استدعاء «خبير استراتيجي» يشرح للمشاهد كيف يمثل انقطاع الكهرباء في المغرب دليلا جديدا على اقتراب انهيار المملكة.
هذه المرة، كان الخبر جزائريا خالصا، والصورة محلية، والظلام منتجا وطنيا لا يحتاج إلى مونتاج.
عطب تقني بمنشأة سيدي عقبة في ولاية بسكرة كان كافيا لإرباك الشبكة الكهربائية وقطع التيار عن عدة ولايات، قالت مصادر إعلامية جزائرية إن عددها بلغ 16 ولاية، معظمها بشرق البلاد.
وبينما قضى مواطنون ساعات وسط الحر والظلام، وجدت القنوات التي اعتادت تقديم الجزائر باعتبارها قوة طاقية لا تُقهر نفسها أمام سؤال بسيط وصعب: كيف تستطيع الدولة التي تستعد لإنارة أوروبا أن تعجز عن إبقاء ولاياتها مضاءة طوال ليلة صيفية؟
حتى التيار لم يحترم الخط التحريري
لم يسأل العطب عن القناة التي تمدح الحكومة أكثر.
لم يميز بين مذيع يصف الجزائر بـ«القوة الضاربة»، ومحلل يقضي نصف الحلقة في تفسير المؤامرة المغربية، وصحفي يتعامل مع كل مشروع مغربي باعتباره خدعة صنعتها أجهزة الدعاية.
التيار الكهربائي، على الأقل، لم يتلق تعليمات البروباغاندا.
لم تصله لائحة القنوات التي ينبغي استثناؤها، ولم يُطلب منه الحفاظ على الإنارة داخل الاستوديوهات حتى تستمر البرامج المخصصة لاتهام المغرب بكل شيء، من الجفاف إلى غلاء البطاطس، مرورا بأي عطب يقع على سطح الأرض.
وحين وقع الخلل، أظلمت المناطق المتضررة بالتساوي، دون مراعاة للمقامات ولا لخطوط التحرير.
هذه المرة لا يمكن إخفاء «اللوغو»
اعتاد متابعون مغاربة رصد مقاطع وصور منشورة على مواقع وصفحات مغربية، قبل أن تظهر لاحقا في بعض المنابر الجزائرية بعد اجتزائها أو إخفاء شعارات مصادرها وتقديمها داخل سرديات مختلفة.
وفي بعض الحالات، يتحول فيديو عادي من شارع مغربي إلى «انتفاضة شعبية»، وتصير أشغال تهيئة طريق «انهيارا للبنية التحتية»، بينما يقدم تأخر حافلة أو ازدحام مروري باعتباره مؤشرا على أزمة دولة كاملة.
لكن انقطاع ليلة سيدي عقبة لم يكن قابلا لإعادة التغليف.
لا يمكن إخفاء شعار الظلام، ولا استبدال مصدره، ولا الادعاء بأن الصور التقطت في الدار البيضاء أو أكادير.
كان يكفي أن ينظر المواطن من نافذته ليتأكد أن الخبر حقيقي، وأن الانقطاع لا يحتاج إلى تعليق صوتي حماسي كي يصبح واقعا.
16 ولاية بدل «جميع الجزائر»
الدقة تقتضي التأكيد أن الكهرباء لم تنقطع عن جميع مدن الجزائر، كما روجت بعض المنشورات الساخرة.
المصادر الرسمية تحدثت عن عدة ولايات بشرق البلاد، بينما حددت تقارير جزائرية نطاق الانقطاع في 16 ولاية، مع تسجيل اضطرابات في مناطق أخرى.
لكن حتى بهذا التصحيح، يبقى حجم الحادث كبيرا، لأن عطل منشأة واحدة تسبب في اضطراب واسع استمر نحو ست ساعات في عدد من المناطق، من قرابة العاشرة ليلا إلى الرابعة صباحا.
رئيس الحكومة يتابع «معركة الضوء»
فرض الحادث تحركا ليليا لرئيس الحكومة الجزائرية ووزير الطاقة ومسؤولي «سونلغاز»، الذين انتقلوا إلى مركز مراقبة الشبكة لمتابعة عمليات إعادة الكهرباء.
وفي بلد طبيعي، كان يمكن أن يقدم الأمر باعتباره تدخلا تقنيا وواجبا حكوميا لإنهاء أزمة أضرت بالمواطنين.
لكن الخطاب الرسمي وجد، كالعادة، طريقة لتحويل إصلاح العطب إلى ملحمة وطنية.
فبعد عودة الكهرباء، اعتُبرت سرعة استرجاع الشبكة «مفخرة للصناعة الكهربائية الجزائرية».
هكذا، لم يعد السؤال لماذا انطفأت 16 ولاية، بل أصبح الإنجاز هو أنها لم تبق في الظلام إلى الأبد.
وبالمنطق نفسه، يمكن مستقبلا اعتبار إطفاء الحريق بعد احتراق نصف المنزل إنجازا عظيما، أو تقديم إصلاح أنبوب مكسور باعتباره دليلا على الريادة العالمية في صناعة الماء.
«مفخرة» إصلاح العطب أم فضيحة وقوعه؟
لا أحد ينكر مجهودات التقنيين والعمال الذين تدخلوا لإعادة التيار، فهؤلاء أدوا واجبهم وسط ظروف صعبة وحرارة مرتفعة.
لكن شكر التقنيين شيء، وتحويل العطب نفسه إلى قصة بطولة شيء آخر.
فالشبكة القوية لا تقاس فقط بسرعة إعادة تشغيلها بعد الانهيار، بل بقدرتها على منع عطل واحد من الانتقال إلى ولايات متعددة.
والسؤال الذي لم تجب عنه الرواية الرسمية هو: كيف تسبب خلل داخل منشأة واحدة في اضطراب بهذا الحجم؟
ما طبيعة العطب؟ وهل كانت أنظمة الحماية والبدائل جاهزة؟ وهل خضعت المنشأة للصيانة اللازمة؟ وما الذي سيمنع تكرار السيناريو خلال موجة حر جديدة؟
هذه أسئلة تقنية لا تجيب عنها صور المسؤولين داخل مركز المراقبة، ولا تكفي معها عبارات «التحكم في الوضع» و«التدخل في زمن قياسي».
أوروبا تنتظر.. لكن الولايات أولا
تزداد السخرية عندما نتذكر أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سبق أن تحدث عن استعداد بلاده لتصدير فائض الكهرباء نحو أوروبا، من خلال مشاريع ربط مع إيطاليا.
من حق الجزائر أن تطمح إلى تصدير الكهرباء، ومن حقها استثمار مواردها وقدراتها في مشاريع إقليمية كبيرة.
لكن من حق المواطن الجزائري أيضا أن يطلب تشغيل مكيف منزله قبل تشغيل المصانع الأوروبية، وأن يرى إنارة شارعه قبل أن يسمع عن كابل سيعبر البحر الأبيض المتوسط.
فالطاقة لا تُقاس فقط بعدد الميغاواطات المنتجة، بل بقدرة الشبكة على إيصالها بأمان واستقرار إلى السكان.
وقبل مد كابل نحو أوروبا، يبدو أن هناك بعض الأسلاك داخل البلاد تحتاج أولا إلى قليل من الاهتمام.
1850 ميغاواط جديدة.. وعطب واحد يكفي
كانت «سونلغاز» قد أعلنت تعزيز قدرات الإنتاج بأكثر من 1850 ميغاواط استعدادا لصيف 2026 وارتفاع استهلاك أجهزة التبريد.
لكن حادث سيدي عقبة أظهر أن وفرة الإنتاج لا تحل جميع المشكلات إذا كانت شبكة النقل والتوزيع معرضة لتأثير متسلسل.
يمكن أن تمتلك الدولة محطات تنتج كميات ضخمة من الكهرباء، لكن ذلك لا يفيد المواطن كثيرا إذا توقف التيار بسبب خلل في نقطة حساسة من الشبكة.
المشكلة، إذن، ليست دائما في غياب الطاقة، بل في المسافة بين الخطاب الذي يرفع الأرقام إلى السماء، والواقع الذي قد يطفئها في لحظة.
إعلام يرى العتمة في المغرب فقط
منذ سنوات، تخصص قنوات وبرامج جزائرية مساحات واسعة للمغرب، لا باعتباره بلدا جارا ينبغي تغطية أخباره بمهنية، بل باعتباره مادة دائمة لصناعة روايات الانهيار.
إذا افتُتح طريق، قيل إنه مشروع للاستعراض.
إذا شُيد ملعب، جرى البحث عن شق صغير في جدار جانبي.
إذا أطلقت محطة قطار، ظهر من يشرح أنها واجهة لإخفاء الفقر.
وإذا نُظم حدث عالمي، تبدأ حملة كاملة لإقناع المشاهد بأن الحدث فشل قبل أن يبدأ.
لكن حين يقع عطب داخلي، تتغير القواعد فجأة.
لا يظهر «الخبير الاستراتيجي» الذي يربط الحادث بسوء الحكامة، ولا تُفتح الحلقة بالسؤال: هل دخلت الجزائر مرحلة الانهيار الكهربائي؟
بدل ذلك، يتحول انقطاع دام ساعات إلى فرصة للحديث عن كفاءة الاستجابة، ويصبح إصلاح الخلل أهم من مناقشة أسباب وقوعه.
لو وقع الانقطاع في المغرب
يمكن تخيل ما كانت ستفعله بعض القنوات الجزائرية لو تسبب عطب واحد في انقطاع الكهرباء عن 16 إقليما مغربيا.
ستظهر الخريطة باللون الأحمر.
وسيُكتب أسفل الشاشة: «المغرب يغرق في الظلام».
وسيشرح محلل أن الشبكة انهارت بسبب «الديون الخانقة»، بينما يؤكد ضيف آخر أن السكان خرجوا إلى الشوارع، حتى إن لم يخرج أحد.
وستبحث غرفة الأخبار عن فيديو لمواطن غاضب، ولو كان المقطع قديما أو مصورا في دولة أخرى، ثم يُحذف شعاره الأصلي ويقدم باعتباره «مشاهد حصرية».
أما حين وقع الحادث في الجزائر، فقد صار مجرد «عطب تقني استثنائي» انتهى بـ«مفخرة وطنية».
إنها ليست ازدواجية في التيار الكهربائي، بل ازدواجية في المعايير.
المواطن الجزائري ليس مادة للسخرية
رغم النبرة الساخرة، يبقى ضروريا التمييز بين المواطن الجزائري وبين الخطاب الرسمي والإعلامي.
المواطن الذي قضى ليلة حارة دون كهرباء ليس مسؤولا عن حديث تصدير الطاقة إلى أوروبا، ولا عن نشرات الأخبار التي تعيش على مهاجمة المغرب، ولا عن المحللين الذين يرون اليد المغربية في كل أزمة.
بل إن المواطن الجزائري هو المتضرر الأول من هذا الخطاب، لأنه يحتاج إعلاما يسأل عن جودة الخدمات والصيانة والاستثمار والشفافية، لا إعلاما يقضي يومه في مراقبة أرصفة المدن المغربية.
من حقه أن يعرف لماذا انقطعت الكهرباء، لا أن يسمع فقط كيف أعادتها الحكومة.
ومن حقه أن تُوجه الكاميرات نحو مشكلاته، لا أن تظل العدسات مشغولة بالبحث عن حفرة في شارع مغربي.
البروباغاندا لا تشغل المصابيح
يمكن للإعلام أن يغير عنوان الفيديو، وأن يخفي الشعار، وأن يستدعي محللا يقول ما تريده غرفة الأخبار.
يمكنه أن يحول التأخر إلى انتصار، والعطب إلى مؤامرة، والإصلاح العادي إلى مفخرة وطنية.
لكنه لا يستطيع تشغيل مصباح انقطعت عنه الكهرباء.
ولا يستطيع الخطاب الحماسي تبريد منزل توقف فيه المكيف، أو تشغيل مصعد، أو إعادة الخدمة إلى متجر أو مرفق صحي.
لهذا كان انقطاع سيدي عقبة أكثر بلاغة من ساعات طويلة من النقاش التلفزيوني.
لقد قال، من دون مقدمات ولا ضيوف:
قبل أن تضيئوا عيوب الآخرين كل ليلة، تأكدوا أولا من أن مصابيحكم تعمل.
حتى الظلام كان عادلا
في النهاية، ربما كان التيار الكهربائي المؤسسة الأكثر حيادا في تلك الليلة.
لم يفرق بين المسؤول والمواطن، ولا بين المذيع والمشاهد، ولا بين من يصدق البروباغاندا ومن يسخر منها.
لم يطلب بطاقة الانتماء، ولم يراجع الخط التحريري، ولم يتلق تعليمات بإظلام بيت وإبقاء استوديو مضاء.
قطع الخدمة بالتساوي، وكأنه أراد أن يذكر الجميع بأن الواقع لا يعترف بالشعارات.
فالتيار قد يعود بعد ساعات، لكن حين تنطفئ المصداقية، يكون إصلاحها أصعب بكثير من إصلاح محطة كهربائية.

