لم يكن مجرد لقاء كرة قدم، بل كان فيلماً سينمائياً من أفلام الرعب والإثارة النفسية التي أخرجها الساحر ليونيل ميسي على طريقة المخرج العبقري “ألفرد هتشكوك” في ليلة حبست أنفاس الملايين، حيث نجح المنتخب الأرجنتيني في تحويل تخلفه أمام نظيره الإنجليزي إلى فوز قاتل ودراماتيكي بنتيجة (2-1) في الرمق الأخير من اللقاء، ليعلن “التانغو” عبوره الرسمي إلى نهائي المونديال في واحدة من أكثر المباريات جنوناً في تاريخ اللعبة، ويضرب موعداً ناريّاً لا يقبل القسمة على اثنين مع الماتادور الإسباني.
ومنذ الثواني الأولى، فرضت الحمولة التاريخية الثقيلة والمشاحنات الإعلامية السابقة لـ “كلاسيكو الأرض” بين الأرجنتين وإنجلترا نفسها على المستطيل الأخضر، لتتحول صافرة البداية سريعاً إلى شرارة أشعلت صراعات ثنائية عنيفة وتدخلات بدنية قوية حدّت من أي خطورة هجومية لأكثر من ربع ساعة أولى شهدت تراجعاً للغة الفن أمام لغة القوة، وعلى الصعيد التكتيكي كانت المبادرة الهجومية إنجليزية بامتياز عبر الرواق الأيمن الذي شهد نشاطاً كبيراً بفضل تحركات ديكلان رايس وعرضياته الخطيرة، لكن الجدار الدفاعي الأرجنتيني كان متماسكاً بشدة، وفي المقابل آثرت الأرجنتين الهدوء وتجنب التسرع معتمدة على بناء اللعب بالتمريرات القصيرة من الخط الخلفي، منتظرة عبقرية قائدها ليونيل ميسي لكسر هذا التكتل الدفاعي الإنجليزي بتمريراته الطولية السامة في ظهر المدافعين.
وجاءت أخطر لقطات الشوط الأول في الدقيقة 36 حين انبرى الإنجليزي ريس جيمس لركلة حرة مباشرة سددها لولبية مذهلة بإتقان شديد، تألق الحارس الأرجنتيني في التصدي لها بصعوبة، لترتد سريعاً في هجمة مرتدة وصلت إلى جوليان ألفاريز الذي أطلق تسديدة قوية جاورت القائم الأيمن للإنجليز بسنتيمترات قليلة، وباستثناء هذه المحاولة غابت النجاعة الهجومية لينتهي الشوط الأول سلبياً وسط توتر عصبي مشحون، ومع مطلع الشوط الثاني تخلص المنتخبان من الحذر الدفاعي وبدأ البحث الحقيقي عن هز الشباك بعد أن تحررت المباراة من الصراعات الثنائية وسط الملعب، وفي الدقيقة 55 نجح الإنجليز في هزيمة الدفاع الأرجنتيني عبر هجمة مرتدة سريعة قادها مورغان روجرز الذي أرسل عرضية متقنة لأنتوني غوردون، ليتابعها الأخير دون رقابة دفاعية ويسكنها الشباك ببراعة معلناً تقدم إنجلترا بهدف نظيف، مما أجبر كتيبة الأرجنتين على الاندفاع الكلي نحو الهجوم بحثاً عن طوق النجاة وتعديل الكفة، بينما تراجع المنتخب الإنجليزي بشكل كامل لتأمين دفاعاته وصموده، مع الاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة مستغلاً المساحات الشاسعة التي خلفها اندفاع لاعبي “التانغو”.
وتوالت المحاولات الأرجنتينية الشرسة لفك الشفرة الإنجليزية وسط استبسال دفاعي وتألق لافت للحارس جوردان بيكفورد، حيث شهدت الدقيقة 69 أخطر المحاولات الأرجنتينية إثر ركنية متقنة من ليونيل ميسي ارتقى لها نيكو باز برأسية قوية، لكن بيكفورد طار لها وأبعدها بصعوبة بالغة من تحت العارضة، ومع توالي الدقائق استمر المد الهجومي الأرجنتيني في تهديد الشباك الإنجليزية، وفي الدقيقة 75 عاند الحظ أليكسيس ماك أليستر الذي ارتقى فوق الجميع ليوجه رأسية ذكية تجاوزت الحارس الإنجليزي، لكن القائم ناب عن بيكفورد وتصدى للكرة ليحرم الأرجنتين من هدف محقق، ولم يتوقف الإعصار، حيث عاد ميسي ليرسل تمريرة طولية رائعة ارتقى لها جوليان ألفاريز برأسية مرت بجوار القائم الأيمن بقليل، وعندما بدأت دقات الساعة تعلن اقتراب النهاية الحزينة لرفاق ميسي وبدا أن الإنجليز في طريقهم لحسم اللقاء، انتفض الساحر الأرجنتيني ليقلب الطاولة بريمونتادا هتشكوكية ستبقى خالدة في أذهان عشاق المستديرة، ففي الدقيقة 87 رفض ميسي الاستسلام ومرر كرة ساحرة خارج منطقة العمليات لإينزو فيرنانديز، الذي أطلق قذيفة مدمرة لا تصد ولا ترد، اخترقت شباك بيكفورد لتعلن تعادل الأرجنتين وإعادة المباراة لنقطة الصفر، ثم في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع (90+1) عاد ميسي ليرسل عرضية مليمترية متقنة ارتقى لها “البلدوزر” لاوتارو مارتينيز وحولها برأسية مركزة في الزاوية الصعبة لتهتز معها شباك إنجلترا وتشتعل مدرجات ملعب أتلانتا بفرحة جنونية هستيرية منحت الأرجنتين العبور الرسمي للنهائي.
وبعد هذه الملحمة الدراماتيكية، يستعد العالم لمشاهدة قمتين كرويتين من العيار الثقيل في ختام هذا المحفل العالمي الكبير، حيث يلتقي أولاً المنتخب الإنجليزي الجريح بنظيره الفرنسي لتحديد صاحب المركز الثالث والميدالية البرونزية، وذلك يوم السبت القادم في تمام الساعة الثامنة مساءً بتوقيت مكة المكرمة، أما الحدث الأكبر وموقعة الذهب والقمة، فستجمع بين المنتخب الأرجنتيني المنتشي بريمونتادته التاريخية والماتادور الإسباني يوم الأحد القادم في تمام الساعة الثامنة مساءً بتوقيت مكة المكرمة، في معركة كروية كبرى لتحديد ملك العالم الجديد.

