الباكالوريا ليست شهادة مدرسية – فقط – بل اعتراف اجتماعي للناجح
تحتل شهادة الباكالوريا في المغرب موقعا هاما يتجاوز قيمتها المدرسية المباشرة، الباكالوريا ليست امتحانا وطنيا أو اختبارا ختاميا فحسب بل مؤسسة رمزية تتقاطع فيها ترسانة من القوانين والمساطر الإدارية والتنظيمية الوطنية مع انتظارات العائلات وتصورات المجتمع عن النجاح والكرامة وهذه الأهمية هي التي أعطت للباكالوريا قيمة اجتماعية تسمح بالصعود الاجتماعي وتفتح أبواب العبور الى رحاب الجامعة كما تسمح الشهادة بولوج عالم الشغل والوظيفة ولذلك فهي لا تقرأ كمعطى بيداغوجي فقط بل كحكم اجتماعي يمس مكانة التلميذ وعائلته.
شهادة الباكالوريا هي أكثر من وثيقة مدرسية، هي علامة دالة على القيمة الاجتماعية أكثر منها تعبيرا على تحصيل علمي ومعرفي فحسب.. هي اعتراف اجتماعي للناجح في الامتحان حيث يحصل على مكانة خاصة في أسرته ومحيطه ومن يرسب في الباكالوريا لا يفقد فقط فرصة جامعية بل يتعرض الى خفض رمزي في قيمته أمام عائلته ومحيطه وأمام نفسه.
رغم هذه القيمة الاجتماعية لشهادة الباكالوريا فهي تبقى مقياسا عالميا يقاس على أساسه أداء المنظومات التربوية وهو ما أدى الى تزايد اهتمام الباحثين والخبراء وكذا المنظمات الدولية بهذا المعيار(الشهادة) وأنجزت ولا يزال تنجز على ضوء هذا المقياس دراسات كثيرة ومختلفة حول طبيعة الباكالوريا كشهادة أكاديمية أو حول أهميتها بالنسبة للفرد والمجتمع أو موقعها في المقارنات المحلية والدولية (OCDE-IIPE-Banque mondiale-UNESC0).
في المغرب وفي غيره من بلدان العالم يصاحب الإعلان الرسمي عن نتائج امتحانات الباكالوريا هالة من الفرح والبهرجة والاحتفاء بالناجحين والمتفوقين ثم ينطلق “الكرنفال” الإعلامي في وسائل التواصل الاجتماعي اما في شكل سرديات إخبارية وأرقام إحصائية عن أعداد الناجحين ونسبهم حسب المسالك والشعب مع بروفايلات أو ملفات تعريفية عن الناجحين “المتميزين” المحتلين للمراتب الأولى وطنيا أو محليا وتستكمل الأكاديميات والمديريات الإقليمية ما تبقى من التفاصيل والجزئيات من قبيل ترتيبها الوطني وأسماء المتفوقين والمتفوقات في مديرياتها وأكاديمياتها وكذا حسب الجنس(ذكر-أنثى) وصنف المؤسسة(خصوصية-عمومية) وتتباهى المؤسسات التعليمية الخصوصية خاصة باحتلالها “الريادة” الرقمية عن أعداد الناجحين أو الحاصلين على المعدلات “القياسية” كما تقام على ضوء هذه النتائج حفلات التتويج وتوزيع الجوائز اما بالمؤسسات التعليمية أو بالقاعات الرسمية التابعة للمجالس الترابية والعمالات ويقدّم فيها الولاة والعمال ورؤساء الجماعات تهانيهم وهداياهم للمتميزين ويلتقطون الصور مع عائلاتهم وبما أن السنة الحالية ستعرف “قيامة” الانتخابات فقد سارع العديد من البرلمانيين ورؤساء الجماعات والمنتخبين الى ركوب موجة الاحتفال “بنجباء” جماعاتهم ودوائرهم الانتخابية في جو من الاستعداد والتسخين الانتخابي السابق لأوانه فيدبجون ويزخرفون في الكلمات وعبارات التهاني والتبريك ويرقصون على أنغام “النصر التعليمي” لعله يجلب لهم “النصر الانتخابي”.
الأرقام تتصاعد والمنظومة التعليمية تتصدع
كشفت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة أن عدد التلاميذ الممدرسين الذين تمكنوا من نيل شهادة الباكالوريا برسم دورة 2026 بعد احتساب نتائج الدورتين العادية والاستدراكية بلغ 337192 ناجحا وناجحة بنسبة نجاح اجمالية وصلت الى 81.6% وأظهرت النتائج استمرار تفوق الإناث بعدما بلغت نسبة النجاح في صفوقهن 84.5% من مجموع المترشحات الحاضرات مقابل 78.6% لدى الذكور، وبلغ عدد الحاصلين على (الميزة) 161 ألفا و657 مترشحا من الممدرسين والأحرار خلال الدورة الأولى.
هذه الأرقام والإحصائيات التي تتصاعد سنة بعد أخرى تثير اهتمام الباحثين وخبراء التربية للكشف عن العوامل المفسرة لهذا الصعود “الرقمي” لأعداد الناجحين والمتفوقين الحاصلين على المعدلات الاستثنائية التي اقتربت من أن تلامس العلامة الكاملة (2020/). وأثارت هذه المعطيات والإحصائيات نقاشا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي.. فهل يرجع هذا الصعود “الرقمي” للناجحين الى تحسن الأداء التعليمي وفعالية المؤسسات التربوية؟ وهل لتفوق جنس الإناث تأثير على نسبة النجاح؟ وهل للمسايرين في المؤسسات التعليمية الخصوصية حظوظا أحسن من المتمدرسين في المؤسسات العمومية أم أن في الأمر “تضخيم” للمراقبة المستمرة؟
ان ارتفاع أعداد ونسب الناجحين والمتميزين لا يعبر بدقة عن نجاح المنظومة التعليمية لأن الأرقام لم تعد سوى مؤشرا جزئيا لقياس التحصيل المعرفي في لحظة محددة بينما يعتمد التقييم الشامل لمنظومة التعليم على جودة المناهج وطرق التقويم وتنمية مهارات التفكير النقدي والبيئة المدرسية وملاءمة مخرجات التعليم لاحتياجات المجتمع وسوق العمل.
تقوم امتحانات الباكالوريا من حيث المبدأ على المساواة وتكافؤ الفرص في الإجراء والتنظيم والمراقبة والتصحيح واتباع مسطرة تنظيمية واحدة في الإعداد والبرمجة والتقييم حيث هناك امتحان وطني واحد – واجراءات تنظيمية واحدة – وجدولة زمنية واحدة – وعدد محدد من المراقبين في كل قاعة – وسلم تصحيح واحد.. غير أن هذه المساواة الشكلية والتنظيمية لا تمتد بالضرورة الى المسارات السابقة للامتحان عند كل تلميذ. فالتلاميذ لا يصلون الى قاعات امتحان الباكالوريا بنفس الكفاءة بل يحملون معهم تفاوتات متراكمة في نوعية المؤسسة(تجهيزا وتأطيرا) والجهة الترابية (البعد أو القرب من المركز) والمجال الترابي (قروي– حضري) والدخل العائلي والرأسمال الثقافي للأسرة والقدرة على توفير الدعم المدرسي الخصوصي .. وهنا يظهر التناقض المركزي في الامتحان الوطني لأنه يعامل المترشحين كما لو أنهم متساوون لحظة اجتياز الامتحان لكنه لا يأخذ بعين الاعتبار أن شروط انتاج الكفاءة لم تكن متساوية قبل اجتياز الامتحان لذلك تقيس الباكالوريا المعرفة المدرسية وحدها ولا تقيس قدرة المتعلم وعائلته على تعبئة موارد اضافية من توفير امكانيات مادية ودروس خصوصية خارجية مؤدى عنها ومرافقة نفسية وتنمية ذاتية وفضاء منزلي ملائم والإلمام بتقنيات الامتحان..
هنا تكمن قوة الباكالوريا وخطورتها في الآن نفسه فهي تبدو كقياس عادل في التمييز بين الممتحنين لأنها تقوم على اجراءات تنظيمية تتوخى المساواة والحياد: (موضوع واحد– دفتر مساطر الامتحان واحد غير قابل للتجاوز والتخطي..) كل ذلك وغيره يظهر أن الإجراءات تبدو على مسافة واحدة مع كل الممتحنين غير أن الامتحان الختامي يقيس الجهد الفردي وحده ولا يقيس شروطا اجتماعية غير متكافئة والنجاح في امتحانات الباكالوريا ليس مجرد أعداد ونسب الناجحين والمتميزين وليس أرقاما واحصائيات تعرض للتباهي والاحتفال…انها مسالة تهم النظام التربوي بكل مكوناته من المناهج وطرائق التدريس وأساليب التقويم وكل مظاهر النشاط التربوي ويهم كذلك النظام الاجتماعي والدخل العائلي والرأسمال الثقافي للأسرة.
هذا الاختلال وعدم المساواة في الحظوظ يسبب في نشوء سوق تعليمية موازية بعد أن فقدت المدرسة العمومية قدرتها على ضمان حد أدنى من تكافؤ الحظوظ ليصبح الدعم الخارجي المؤدى عنه (الدروس الخصوصية_ المراجعات المدفوعة الثمن_ المنصات الرقمية..) آلية شبه ضرورية لا ترفا اضافيا لأنها تعمل داخل فراغات النظام التعليمي وتكشف عن عدم فعالية المؤسسة ونقص في كفايتها وبذلك تحول النجاح في الامتحانات الاشهادية من نتيجة لمسار تعليمي مشترك الى مشروع عائلي تستثمر فيه الأموال والعلاقات والخبرة.. وضمن هذا السياق التعليمي المختل يظهر “سوق الغش” باعتباره الامتداد غير القانوني لهذا الاقتصاد التعليمي، فاذا كان الدعم الخصوصي “يبيع” تحسين الحظوظ قبل اجتياز الامتحان فان الغش يبيع وعدا “وهميا” يتجاوز المخاطرة والفرق بينهما قانوني وأخلاقي لكنه لا يلغي صلتهما البنيوية فكلاهما يتشكل حول الامتحان وكلاهما يستجيب لشعور بأن المدرسة وحدها لم تعد كافية لتحقيق النجاح لذلك لا ينشا الغش من انهيار قيمة الباكالوريا بل من تضخمها فكلما ازدادت الشهادة قدرة على تقرير المصير المستقبلي للمتعلم ازداد الطلب على الوسائل التي تسمح بامتلاكها أو التحايل عليها وهذا ليس تبريرا للغش بل تحليلا لشروط امكانه فالرقابة يمكن أن تضبط القاعة لكنها لا تعالج اللامساواة التي تسبقها والعقوبة قد تردع بعض الأفراد لكنها لا تفكك السوق التي تجعل الغش قابلا للعرض والطلب وهنا تكمن المفارقة وهو أن الغش (يحارب ويدان ويستنكر لأنه يخرق تكافؤ الفرص لكنه يتشكل داخل نظام لا يضمن هذا التكافؤ الا اجرائيا في لحظة الامتحان).
الغش لا يقع خارج منطق النظام التعليمي وانما في داخله، والتلميذ الذي يغش لا ينكر قيمة الباكالوريا بل يبالغ في الاعتراف بها، التلميذ الذي يغش لا يريد أن يخرج من السباق بل يبحث عن طريقة للبقاء فيه حين تصبح كلفته النفسية والاجتماعية عالية لذلك فان الغش ليس دليلا على انهيار سلطة الشهادة بل على تضخمها، والنجاح والعبور الى الوظيفة أو الجامعة يتحول الى غاية قائمة بذاتها بمعزل عن المعرفة والتكوين وبهذا يحمل الغش بعدا مزدوجا: انه امتثال منحرف لقواعد اللعبة المدرسية وفي الوقت نفسه مقاومة صامتة لها، لا يعلن التلميذ رفضه للامتحان ولا يملك القدرة على مساءلة شروطه لكنه يتحايل على نظام الامتحان ويختبره بوصفه مصيرا.. فالسماعة Bluetooth في الأذن ليست مجرد أداة تقنية بل علامة على علاقة مدرسية يسكنها الخوف أكثر من الثقة.
الباكالوريا بين تكافؤ الفرص في الامتحان وتفاوت دراسي في التحصيل
الباكالوريا ليست أرقاما ونسبا مائوية تعرض لأجل خلق هالة اعلامية أو اجتماعية وانما يجب أن تكون تقويما شاملا للمنظومة التربوية بمختلف أطوارها ومراحلها والمعدلات المرتفعة لا تعكس بالضرورة القوة الشاملة للمنظومة خاصة في ظل المشاكل التي تعاني منها المنظومة التعليمية ولإثبات هذه الفرضية حين نقارن بين ارتفاع نسبة الناجحين في الامتحانات الاشهادية مع عدد من التقارير الوطنية والدولية عن تواضع مستوى تلامذتنا الذين احتلوا مراتب متدنية في تصنيف (تيمس) أو في مؤشر (Pisa) ولذا يفسر العديد من المهتمين بالشأن التربوي ارتفاع نسبة النجاح في الباكالوريا ومعدلاتها المرتفعة في عدم التشدد في المراقبة المستمرة و(سهولة نظام) الامتحانات المتبع والقائم على الامتحان في المقرر أو في عدد محدد من المواد الدراسية وليس في المنهج الدراسي عامة.
تقييم المنظومة التعليمية يتطلب دراسات ومؤشرات أعمق من مجرد الأعداد والنسب المئوية، والإشكالية الكبرى في امتحانات الباكالوريا وكل الامتحانات الاشهادية هو وجود تناقض بين تكافؤ الفرص في المساطر الإدارية والتنظيمية (الموضوع الواحد–الجدولة الزمنية الواحدة- المراقبة والحراسة الواحدة – سلم تصحيح واحد ..) مع تفاوت وعدم تكافؤ الفرص في شروط التحصيل (الحالة السوسيو اقتصادية للأسر والعائلات ..)وبالتالي فان تطبيق المساواة في الإجراءات والمساطر التنظيمية دون مراعاة الفوارق بين المترشحين يعمق من الهشاشة المدرسية والاجتماعية ويقضي على تكافؤ الفرص العادلة بين المتعلمين ؟؟؟
ذ. محمد بادرة


