تطفو على السطح في جهة سوس ماسة، كلما اقترب موعد انتخابي، ممارسات تعيد طرح السؤال نفسه: هل ما نراه عملاً سياسياً حقيقياً، أم مجرد تحركات موسمية هدفها تأمين موقع جديد داخل الخريطة الانتخابية؟
فجأة تظهر وجوه غابت طويلاً، وتعود أسماء لم يسمع المواطن صوتها عندما كانت الأحياء والدواوير تواجه مشكلات الماء والنقل والصحة والتعليم والبطالة. يتحول بعضهم إلى ضيف دائم على المناسبات الاجتماعية، وداعم للأنشطة، ومتابع لأحوال الساكنة، بعد سنوات من الصمت أو الابتعاد.
لا يتعلق الأمر برفض العمل السياسي أو الاجتماعي، ولا بحرمان أي شخص من حقه في مراجعة قناعاته أو تغيير انتمائه الحزبي. المشكلة تبدأ عندما يتحول الحزب إلى مجرد وسيلة للترشح، والمساعدة الاجتماعية إلى استثمار انتخابي، والمواطن إلى رقم يُستدعى عند الحاجة ثم يُترك وحيداً بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
السياسة مسؤولية وليست مجرد رمز انتخابي
ليست السياسة صورة تُلتقط في نشاط، ولا رمزاً حزبياً يوضع فوق ملصق، ولا حضوراً في جنازة أو حفل للتميز الدراسي.
السياسة في معناها الحقيقي موقف ومسؤولية واستمرارية. وهي أيضاً قدرة على تحمل نتائج القرارات، والاعتراف بالأخطاء، وتفسير التحولات أمام المواطنين.
ليس كل من حمل لون حزب أو حصل على تزكية يستحق تلقائياً صفة السياسي. فهذه الصفة لا تمنحها الملصقات ولا الشعارات، بل يمنحها الالتزام اليومي بقضايا الناس، والوضوح في المواقف، والاستعداد للمحاسبة.
أما الانتقال من موقع إلى آخر كلما تغيرت موازين القوى، مع الاحتفاظ بالعقلية والممارسات نفسيهما، فلا يصنع مشروعاً سياسياً. إنه يغير الواجهة فقط، بينما تظل الطريقة القديمة في التعامل مع المواطن قائمة.
حين يصبح الحزب مجرد محطة انتخابية
من حق أي شخص أن يغادر حزباً لم يعد مقتنعاً بخطه السياسي، وأن يراجع اختياراته وينضم إلى إطار آخر يراه أقرب إلى أفكاره.
لكن هذا الحق يرافقه واجب أخلاقي واضح: التفسير.
على من يغير موقعه أن يشرح للناس ما الذي تغير في قناعاته، ولماذا غادر، وما الأخطاء التي يعترف بها، وما الضمانة التي يقدمها حتى لا يكرر الرحلة نفسها عند أول تغير في الحسابات.
أما أن يقضي شخص سنوات داخل تجربة معينة، أو قريباً منها، ثم يظهر قبيل الانتخابات في حزب جديد مهاجماً المرحلة التي كان جزءاً منها أو صامتاً عنها، فذلك يضع صدقيته أمام سؤال مشروع.
كيف يتحول من كان بالأمس مدافعاً أو صامتاً إلى معارض شرس اليوم؟ ولماذا لم يظهر هذا الاعتراض إلا بعدما تغيرت مصالحه أو تعثرت فرصه داخل موقعه السابق؟
المشكلة ليست في اختلاف الموقف، بل في غياب الشجاعة لتقديم مراجعة صريحة تحترم ذاكرة الناس.
ذاكرة المواطن ليست صفحة بيضاء
يتصرف بعض المتنقلين حزبياً وكأن المواطن لا يتذكر، وكأن تغيير الشعار كافٍ لمحو كل ما سبق.
لكن الناس يعرفون من كان حاضراً عندما كانت المنطقة تحتاج إلى موقف، ومن اختفى عندما ظهرت المشكلات، ومن صمت أمام قرارات كان يستطيع الاعتراض عليها، ثم عاد لاحقاً ليتحدث بلهجة المنقذ.
يتذكر المواطن من كان يبرر، ومن كان يصفق، ومن كان جزءاً من التدبير، ومن ظهر فقط عندما بدأت الاستعدادات للاستحقاقات المقبلة.
قد يختار الناس الصمت، لكن الصمت لا يعني النسيان. وقد لا يدخلون في مواجهة علنية مع كل وجه انتقل من حزب إلى آخر، لكنهم يحتفظون بتفاصيل المواقف والوعود والإخفاقات.
الاستهانة بهذه الذاكرة ليست خطأ سياسياً فقط، بل تعبير عن نظرة تقلل من وعي المواطن وقدرته على الربط بين الأمس واليوم.
الإحسان الموسمي يفقد معناه الأخلاقي
من الظواهر التي تتكرر مع اقتراب الانتخابات ارتفاع وتيرة المبادرات الاجتماعية المنسوبة إلى وجوه تستعد لدخول المنافسة.
تظهر المساعدات، وتتكاثر الصور، ويزداد الحضور في حفلات التكريم والأنشطة الجمعوية، وتصبح بعض المناسبات فرصة لإظهار القرب من الساكنة.
لا أحد يعارض مساعدة المحتاج أو دعم التلميذ المتفوق أو الوقوف إلى جانب الأسر في لحظات الفرح والحزن. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يتزامن هذا الاهتمام المكثف غالباً مع اقتراب الانتخابات؟ ولماذا يختفي في كثير من الحالات بمجرد انتهاء التصويت؟
العمل الإنساني الحقيقي لا يحتاج إلى موسم، ولا يتوقف عند حدود الدائرة الانتخابية، ولا يجعل من صورة المستفيد وسيلة لتسويق صاحبه.
وعندما تقدم المساعدة بعين على حاجة المواطن وأخرى على صوته، فإنها تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها الأخلاقية، وتتحول من تضامن إلى استثمار في الهشاشة الاجتماعية.
الجنائز وحفلات التميز ليست منصات انتخابية
تزداد حساسية الأمر عندما تُستغل المناسبات الإنسانية والاجتماعية لبناء حضور انتخابي.
الجنازة فضاء للحزن والمواساة، وليست محطة لإثبات القرب من الناخبين. وحفل التميز الدراسي مناسبة لتكريم التلاميذ، وليس خلفية لتلميع صورة مرشح محتمل.
لا يمكن الحكم على نيات كل من يحضر هذه المناسبات، لكن التكرار المكثف والظهور المنظم أمام الكاميرات، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات، يبرران طرح الأسئلة.
عندما يصبح كل حدث قابلاً للاستثمار السياسي، تختلط الرحمة بالحساب، والتشجيع بالدعاية، والعمل الاجتماعي بالتموقع الانتخابي.
وهنا تفقد السياسة معناها النبيل، لأنها تدخل إلى مساحات كان يفترض أن تبقى محكومة بالاحترام والصدق والتجرد.
المواطن ليس خزاناً للأصوات
تكشف هذه الممارسات عن نظرة مقلقة إلى المواطن، وكأنه مجرد صوت يمكن الوصول إليه عبر ابتسامة أو مساعدة أو وعد جديد.
يُستدعى المواطن عند اقتراب موعد التصويت، ويُخاطب باعتباره محور الاهتمام، ثم يعود بعد إعلان النتائج لمواجهة مشكلاته اليومية وحيداً.
تبقى الطرق متضررة، وتستمر معاناة النقل والصحة والمدرسة والشغل والماء والنظافة، بينما ينتقل بعض الفائزين إلى مرحلة جديدة من الغياب.
السياسة ليست عملية تنتهي بإيداع ورقة في الصندوق، بل عقد ثقة بين المنتخب والناس. ومن لا يرى المواطن إلا خلال الحملة الانتخابية لا يتعامل معه كشريك، بل كوسيلة للوصول إلى المقعد.
وهذا المنطق هو أحد الأسباب الرئيسية للعزوف وفقدان الثقة في المؤسسات، كما يدفع كثيرين إلى وضع جميع السياسيين في سلة واحدة، وهو أمر يظلم بدوره من يشتغلون بجدية واستمرارية.
الأحزاب ليست معفية من المسؤولية
لا يتحمل الأفراد وحدهم مسؤولية هذه الممارسات، فالأحزاب تساهم فيها عندما تتحول التزكية إلى عملية حسابية هدفها جمع أكبر عدد ممكن من الأصوات، دون الاهتمام بمسار المرشح أو مواقفه أو صدقيته.
عندما يستقبل حزب شخصاً كان إلى وقت قريب يدافع عن النقيض، دون أن يقدم للرأي العام تفسيراً سياسياً واضحاً، فإنه يبعث برسالة سلبية مفادها أن المبادئ قابلة للتجاوز متى كان الوافد قادراً على جلب مقعد.
وهكذا تتحول الأحزاب من فضاءات للتكوين وإنتاج الأفكار والبرامج إلى مظلات انتخابية مؤقتة، يدخلها المرشح من باب ويغادرها من باب آخر عندما تتغير حساباته.
ومن حق المواطن أن يسأل الحزب قبل المرشح: لماذا استقبلتم هذا الشخص؟ ماذا أضاف إلى مشروعكم؟ وهل تغير فعلاً، أم أنكم غيرتم فقط موقعه في اللائحة؟
الأحزاب التي تطلب ثقة الناس مطالبة أولاً بأن تحترم تاريخها وخطابها، وألا تقدم حساب المقاعد على حساب المصداقية.
الترحال لا يصنع مشروعاً سياسياً
قد ينتقل الشخص إلى حزب جديد، لكنه يحمل معه الممارسات القديمة. وقد يرفع شعاراً مختلفاً، لكنه يحتفظ بالنظرة نفسها إلى المواطن والسلطة والمسؤولية.
تغيير اللون لا يعني بالضرورة تغيير العقلية. والمشروع السياسي لا يبنى بمجرد الانضمام إلى فريق آخر، بل يحتاج إلى رؤية ومواقف وبرنامج قابل للمحاسبة.
المواطن لا يحتاج إلى الوعود نفسها في غلاف جديد، ولا إلى وجوه تستيقظ كل خمس سنوات، ولا إلى من يقدم نفسه معارضاً للماضي من دون أن يوضح دوره فيه.
إنه يحتاج إلى إجابات مباشرة:
أين كنت عندما وقعت المشكلات؟ ماذا فعلت حين كنت تملك فرصة التدخل؟ لماذا صمت؟ ما الذي تغير في قناعاتك؟ وما الذي يضمن ألا تغير موقعك مرة أخرى بعد الانتخابات المقبلة؟
هذه ليست أسئلة انتقامية، بل أبسط شروط المحاسبة الديمقراطية.
سوس ماسة تحتاج إلى سياسة تشتغل طوال السنة
تواجه جهة سوس ماسة تحديات لا يمكن حلها بالصور الموسمية ولا بالزيارات المتأخرة.
هناك أزمة ماء وضغط متزايد على الموارد، وفوارق بين المدن والمناطق القروية، وتحديات مرتبطة بالصحة والنقل والتعليم والتشغيل والتنمية المجالية وحماية الثقافة والهوية المحلية.
هذه الملفات تحتاج إلى منتخبين ومسؤولين يشتغلون طوال الولاية، لا خلال الأشهر التي تسبق الانتخابات فقط.
تحتاج الجهة إلى أحزاب تقدم برامج مفهومة وقابلة للقياس، وإلى شخصيات تملك الشجاعة للحديث إلى المواطنين في الأوقات الصعبة، لا إلى وجوه لا تظهر إلا عندما تصبح الكاميرات والأصوات قريبة.
الساكنة لا تنتظر محسناً موسمياً، بل مسؤولاً يلتزم، ويشرح، ويحاسب، ويعود إلى الناس بانتظام ليعرض ما أنجزه وما فشل فيه.
السياسة ليست لباساً يغير عند الحاجة
يمكن للإنسان أن يغير رأيه، ويمكن للسياسي أن يراجع انتماءه، لكن لا يجوز له أن يتعامل مع ذاكرة الناس باعتبارها مساحة فارغة.
السياسة ليست لباساً يغير عند الحاجة، ولا بطاقة عبور إلى المجلس، ولا نشاطاً اجتماعياً مصمماً للصورة.
إنها التزام أخلاقي قبل أن تكون منافسة انتخابية، وخدمة للناس قبل أن تكون موقعاً، وقدرة على تحمل المسؤولية قبل الاستفادة من امتيازاتها.
ومن يقرر تغيير موقعه مطالب بأن يفعل ذلك بوضوح وشجاعة، لا أن يمحو ماضيه ويبدأ في توزيع الاتهامات على تجربة كان جزءاً منها.
المواطن تغير والصمت لا يعني الرضا
ما يقع في بعض مناطق سوس ماسة من تنقلات حزبية محسوبة، وظهور اجتماعي موسمي، واستثمار في المناسبات، يكشف أزمة ثقة حقيقية في الممارسة السياسية المحلية.
الأخطر ليس أن يغير شخص حزبه، بل أن يتصرف وكأن الناس لا تتذكر. وليس الأخطر أن يقدم مساعدة، بل أن تصبح حاجة المواطن مدخلاً لتأمين صوته.
لقد تغير المواطن، وأصبحت الصور والتصريحات والمواقف محفوظة ومتاحة، ولم يعد من السهل الانتقال من خطاب إلى نقيضه دون أن يلاحظ أحد.
المواطن في سوس ماسة ليس رقماً، وليس خزان أصوات مضموناً، ولا جمهوراً ينتظر عودة الوجوه الموسمية.
إنه شريك يستحق الاحترام والصراحة والمحاسبة. ومن يعتقد أن تغيير اللون الحزبي أو تكثيف الظهور في المناسبات يكفي لفتح صفحة جديدة، عليه أن يتذكر أن هدوء الناس لا يعني رضاهم، وأن صمتهم لا يعني أنهم نسوا.



