بقلم: أحمد بومهرود
طالب باحث بسلك الماستر مهن الإعلام والتواصل
يشكل الإعلام أحد الأعمدة الأساسية للدولة الديمقراطية، إذ يضطلع بدور محوري في نقل الأخبار، وتنوير الرأي العام، ومراقبة أداء المؤسسات. غير أن التطورات التي عرفها المشهد الإعلامي المغربي خلال العقد الأخير، خاصة مع الانتشار الواسع للإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، فرضت تحديات غير مسبوقة على مهنة الصحافة، وأثارت إشكالات مرتبطة بالمهنية، والمصداقية، وحدود ممارسة العمل الصحفي.
وفي هذا السياق، جاء النظام الخاص بتنظيم الولوج إلى ممارسة مهنة الصحافة، الذي أعدته اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، ليضع إطارًا قانونيًا وإجرائيًا يحدد شروط الولوج إلى المهنة والحصول على البطاقة المهنية. وهو نظام يهدف، حسب الوثيقة، إلى تعزيز الاحترافية، وحماية المهنة، وضمان احترام أخلاقياتها، مع اعتماد الرقمنة لتبسيط الإجراءات الإدارية.
غير أن هذا التنظيم يطرح في المقابل تساؤلات جوهرية حول مدى قدرته على التوفيق بين حماية المهنة وضمان حرية الولوج إليها، خصوصًا بالنسبة للصحفيين الشباب وخريجي الجامعات.
- من التنظيم إلى الاحتراف
يندرج النظام الجديد ضمن ورش إصلاح المنظومة الإعلامية بالمغرب، مستندًا إلى مقتضيات الدستور، وخاصة الفصل الثامن والعشرين الذي ينص على ضمان حرية الصحافة وعدم تقييدها إلا بالقانون، إضافة إلى القوانين المنظمة للقطاع، وعلى رأسها القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، والقانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، والقانون رقم 90.13 المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة.
وتظهر قراءة وثيقة هذا النظام أن المشرع المغربي لم يعد ينظر إلى البطاقة المهنية باعتبارها مجرد وثيقة تعريفية، وإنما كآلية قانونية لإثبات الصفة المهنية، وربطها بشروط موضوعية، من بينها التكوين، والممارسة الفعلية، والاستقرار المهني، والالتزام بالواجبات الاجتماعية والضريبية.
ويمثل هذا التوجه انتقالًا من منطق منح الصفة إلى منطق إثبات الكفاءة، وهو تحول ينسجم مع التجارب المقارنة التي تعتمد معايير دقيقة لممارسة العمل الصحفي.
- رقمنة المساطر… نحو إدارة أكثر شفافية
من أبرز المستجدات التي جاء بها النظام اعتماد منصة إلكترونية لتلقي طلبات الحصول على البطاقة المهنية وتجديدها.
ويحمل هذا الإجراء دلالات تتجاوز مجرد التحول التقني، إذ يعكس توجهًا نحو تحديث الإدارة، وتقليص الآجال، وتحقيق الشفافية في دراسة الملفات.
كما يسمح النظام بتتبع الطلبات إلكترونيًا، والحد من التدخلات المباشرة، وهو ما ينسجم مع السياسة الوطنية في مجال الرقمنة وتبسيط المساطر الإدارية.
غير أن نجاح هذه الخطوة يبقى رهينًا بمدى فعالية المنصة الإلكترونية، وسهولة استخدامها، وسرعة البت في الملفات، خاصة بالنسبة للصحفيين العاملين خارج المدن الكبرى.
- الصحفي الحر… بين الاعتراف القانوني ومتطلبات السوق
من أهم الجوانب التي تناولها النظام الجديد تنظيم وضعية الصحفي الحر، باعتباره فاعلًا أساسيًا في المشهد الإعلامي الرقمي.
غير أن الاعتراف بهذه الفئة اقترن بمجموعة من الشروط، من بينها إثبات ممارسة النشاط الصحفي بصفة منتظمة، والتوفر على حد أدنى من الدخل، والانخراط في منظومة الحماية الاجتماعية، والتصريح الضريبي.
وتعكس هذه الشروط رغبة المشرع في تنظيم الممارسة، لكنها تثير في المقابل نقاشًا حول مدى ملاءمتها لواقع الصحفيين المستقلين، الذين غالبًا ما يعملون في ظروف مهنية واقتصادية غير مستقرة.
ويذهب بعض المهنيين إلى أن هذه المتطلبات قد تعزز مصداقية المهنة، بينما يرى آخرون أنها قد تشكل عائقًا أمام الشباب الراغبين في دخول المجال.
- الجامعة وسوق الشغل… فجوة تحتاج إلى جسر
يكشف النظام أيضًا عن تحدٍ آخر يتعلق بالعلاقة بين التكوين الجامعي وسوق الشغل الإعلامي.
فرغم أهمية الشهادات الجامعية المتخصصة، فإن الحصول على البطاقة المهنية يظل مرتبطًا بإثبات الممارسة الفعلية، وهو ما يجعل خريجي معاهد وكليات الإعلام أمام ضرورة اكتساب خبرات ميدانية منذ مرحلة الدراسة.
ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة إلى تعزيز الشراكات بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية، وإدماج الطلبة في برامج تدريبية طويلة الأمد، حتى لا يظل الانتقال من الجامعة إلى سوق العمل انتقالًا صعبًا.
- هل يكفي القانون لإصلاح الصحافة؟
يصعب اختزال إصلاح قطاع الإعلام في إصدار نصوص تنظيمية فقط، لأن الأزمة التي يعيشها القطاع تتجاوز الجانب القانوني.
فالصحافة المغربية تواجه تحديات مرتبطة بالنموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية، وتراجع عائدات الإشهار، والمنافسة الشرسة لمنصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التحولات التي فرضها الذكاء الاصطناعي على طرق إنتاج الأخبار واستهلاكها.
لذلك، فإن نجاح النظام الجديد يظل رهينًا بإصلاحات موازية تشمل تحسين أوضاع الصحفيين الاجتماعية، ودعم المقاولات الإعلامية، وتطوير التكوين المستمر، وترسيخ أخلاقيات المهنة.
- رؤية نقدية
لا يمكن إنكار أهمية النظام الجديد في تنظيم قطاع الصحافة، غير أن التنظيم ينبغي ألا يتحول إلى غاية في حد ذاته، بل إلى وسيلة لحماية المهنة وتعزيز استقلاليتها.
كما أن ربط الحصول على البطاقة المهنية بشروط اجتماعية واقتصادية ينبغي أن يراعي خصوصية الصحفيين الشباب، خاصة في ظل محدودية فرص الشغل داخل المؤسسات الإعلامية.
ومن هنا، فإن نجاح هذا الإصلاح يتطلب حوارًا دائمًا بين السلطات المنظمة، والمؤسسات الإعلامية، والجامعات، والتنظيمات المهنية، حتى تتحقق معادلة تجمع بين حماية المهنة وتشجيع الكفاءات الجديدة.
- خاتمة
يشكل النظام الخاص بتنظيم الولوج إلى ممارسة مهنة الصحافة بالمغرب محطة مهمة في مسار إصلاح المنظومة الإعلامية، لما يتضمنه من معايير واضحة تروم تعزيز الاحترافية والشفافية. غير أن فعاليته ستظل مرتبطة بقدرته على التكيف مع التحولات المتسارعة التي يعرفها الإعلام، وعلى خلق توازن حقيقي بين التنظيم القانوني وضمان حرية الممارسة.
فالصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة مجتمعية ومسؤولية أخلاقية، ولا يمكن لأي إصلاح أن يحقق أهدافه ما لم يكن الصحفي في صلب هذا الإصلاح، تكوينًا وحمايةً وتمكينًا.

