يتجه ورش إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب إلى الانتقال إلى الحكومة المقبلة، بعدما تأكد أن الولاية الحكومية الحالية لن تعرف الحسم النهائي في هذا الملف الاجتماعي المعقد، رغم الاجتماعات التقنية والمشاورات التي جرت مع المركزيات النقابية.
وكانت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، قد أقرت خلال جلسة للأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين بأن إصلاح أنظمة التقاعد لا يمكن حسمه قبل نهاية الولاية الحكومية الحالية، معتبرة أنه ورش مجتمعي يحتاج إلى حوار واسع وتوافق بين مختلف الأطراف المعنية.
وتأتي هذه التطورات قبل الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، وهو التاريخ الذي حددته الحكومة رسمياً لانتخاب أعضاء مجلس النواب.
اجتماع تقني دون انتقال إلى مرحلة الحسم
عقدت اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد، يوم الخميس 9 يوليوز، اجتماعاً جديداً خصص لاستعراض حصيلة الأشغال السابقة ومناقشة الخلاصات المتعلقة بوضعية صناديق التقاعد.
وبحسب معطيات متطابقة من الاجتماع، فقد تم الاتفاق على مواصلة استكمال التقرير المفصل الذي يجمع نتائج مرحلة التشخيص، وملاحظات المركزيات النقابية، والمعطيات المرتبطة بالأنظمة المختلفة، قبل رفعه إلى اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد.
ولم ينتقل النقاش بعد إلى مرحلة اختيار السيناريو النهائي للإصلاح أو الاتفاق على الصيغة التي سيتم اعتمادها، وهو ما يجعل اتخاذ قرار شامل قبل نهاية الولاية الحكومية الحالية غير وارد.
تقرير يتجاوز 100 صفحة
وفق المعطيات التي قدمها ممثلو المركزيات النقابية، يتجاوز التقرير المرحلي الذي تعده اللجنة التقنية 100 صفحة، ويضم حصيلة ثمانية اجتماعات، إلى جانب ملاحظات ومقترحات الفرقاء الاجتماعيين وتشخيص وضعية صناديق التقاعد.
ويفترض أن يشكل هذا التقرير أرضية تقنية أمام الحكومة المقبلة، غير أنه لا يمثل في حد ذاته قراراً نهائياً بشأن شكل الإصلاح، إذ لا تزال المرحلة الحالية مرتبطة بتجميع الخلاصات وضبط المعطيات قبل المرور إلى مناقشة السيناريوهات الممكنة.
وتشير المعطيات إلى أن اللجنة التقنية قد تعقد اجتماعاً جديداً مطلع شهر شتنبر من أجل إدخال التعديلات الأخيرة واعتماد النسخة النهائية من التقرير، قبل رفعها إلى اللجنة الوطنية التي يرتقب أن تجتمع في وقت لاحق.
الإصلاح لم يغادر مرحلة التشخيص
أوضحت وزيرة الاقتصاد والمالية أن وتيرة التقدم في ملف إصلاح التقاعد لم تكن بالمستوى الذي كانت تطمح إليه الحكومة، مؤكدة أن استدامة الصناديق تظل مرتبطة بإصلاح شامل ومتوافق بشأنه.
كما أكدت أن الحكومة لا يمكنها اتخاذ القرار بشكل منفرد، بالنظر إلى امتداد آثار الإصلاح إلى الأجراء والمتقاعدين ومختلف مكونات المجتمع، وهو ما يفرض إشراك النقابات والخبراء والمؤسسات المعنية.
وتظهر خلاصات الاجتماعات أن اللجنة التقنية انشغلت خلال المرحلة الماضية بتشخيص وضعية أنظمة التقاعد ودراسة المعطيات الخاصة بكل صندوق، دون بلوغ مرحلة الاتفاق على تصور موحد أو حسم الاختيارات النهائية.
الحكومة المقبلة أمام ملف اجتماعي ثقيل
يعني ترحيل الحسم أن الحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات التشريعية المقبلة ستجد أمامها تقريراً تقنياً وخلاصات جاهزة، لكنها ستكون مطالبة بإعادة فتح النقاش السياسي والاجتماعي حول الصيغة النهائية للإصلاح.
وأكد عضو باللجنة التقنية أن خلاصات الاجتماعات سترفع إلى اللجنة الوطنية للاطلاع عليها، مشيراً إلى أن النقاش النهائي سيؤجل إلى الحكومة المقبلة، في حين لا يزال أمام اللجنة عمل تقني يتعين استكماله.
ولا يعني تأجيل الحسم توقف الملف بشكل كامل، بقدر ما يعني أن الولاية الحالية ستكتفي بإنهاء مرحلة التشخيص وإعداد الأرضية، دون تحويلها إلى إجراءات إصلاحية نهائية.
النقابات تتمسك باستمرار الحوار
تشارك المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية في أشغال اللجنة التقنية، وقد قدمت ملاحظاتها بشأن وضعية الصناديق وطريقة تدبير ورش الإصلاح.
وتؤكد المواقف النقابية المعلنة أن أي إصلاح ينبغي ألا يتم على حساب الأجراء، مع المطالبة بمنح اللجنة الوقت الكافي لاستكمال عملها ومناقشة مختلف التفاصيل قبل اتخاذ قرارات نهائية.
وتكتسي هذه المشاركة أهمية خاصة بالنظر إلى الطابع الاجتماعي للملف، وإلى ضرورة الوصول إلى صيغة تحظى بحد أدنى من التوافق بين الحكومة والنقابات والفاعلين الاقتصاديين.
اللجنة الوطنية أعلى هيئة للحسم والتنسيق
تعد اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد أعلى هيئة للحوار والتنسيق بشأن هذا الورش، ويرأسها رئيس الحكومة، وتضم ممثلين عن القطاعات الحكومية المعنية والمركزيات النقابية والاتحاد العام لمقاولات المغرب ومسؤولي صناديق التقاعد.
ويفترض أن تتولى هذه اللجنة مناقشة خلاصات التقرير التقني وتحديد التوجهات العامة، غير أن القرار النهائي لن يصدر خلال الولاية الحكومية الحالية، بحسب ما أكدته وزيرة الاقتصاد والمالية أمام مجلس المستشارين.
ماذا يعني التأجيل؟
عملياً، يعني التأجيل أن الحكومة الحالية لن تقدم صيغة نهائية لإصلاح أنظمة التقاعد قبل الانتخابات، وأن التقرير الجاري إعداده سيشكل جزءاً من الأرضية التي ستعتمد عليها الحكومة المقبلة في مواصلة الحوار.
كما يعني أن السيناريوهات الممكنة للإصلاح لم تحسم بعد، وأن ما يروج من تصورات أو إجراءات لا يمكن التعامل معه باعتباره قراراً نهائياً ما لم يصدر عن المؤسسات المختصة بعد استكمال المشاورات.
ويبقى الملف مفتوحاً على مرحلة جديدة من الحوار بعد الانتخابات، في انتظار انتقال النقاش من تشخيص وضعية الصناديق إلى تحديد الإجراءات التي ستعتمد لضمان استمراريتها.
هذا، واختارت الحكومة إنهاء ولايتها دون الحسم في إصلاح أنظمة التقاعد، بعدما ظل الملف في مرحلة التشخيص وإعداد التقرير التقني، دون الانتقال إلى اختيار السيناريو النهائي.
ومن المرتقب أن تستكمل اللجنة التقنية تقريراً يتجاوز 100 صفحة، ويلخص ثمانية اجتماعات وملاحظات النقابات، قبل رفعه إلى اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد.
وبذلك، ستنتقل مسؤولية اتخاذ القرار إلى الحكومة المقبلة التي ستنبثق عن انتخابات مجلس النواب المقررة يوم 23 شتنبر 2026، وسط انتظار واسع لمعرفة الصيغة التي ستعتمدها لمعالجة هذا الملف الاجتماعي الحساس.



