لم يعد ربط أكادير بالقطار فائق السرعة مجرد فكرة مؤجلة في النقاش العمومي، لكنه في المقابل لم يتحول بعد إلى ورش مفتوح على الأرض. فبين الحلم الذي انتظرته جهة سوس ماسة لسنوات، وبين صورة الآليات والأشغال الميدانية، توجد اليوم مرحلة دقيقة عنوانها: الدراسات انتهت، والكلفة حُددت، والتمويل قيد البحث.
المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة النقل واللوجيستيك تضع مشروع الخط فائق السرعة مراكش–أكادير ضمن الشطر الثاني من التوسع السككي نحو الجنوب. فقد أكد وزير النقل واللوجيستيك، عبد الصمد قيوح، أن الدراسات التعريفية والتطبيقية الخاصة بهذا الشطر انتهت، وأن كلفته التقديرية تبلغ حوالي 55 مليار درهم، مع وجود تحديات تقنية كبيرة مرتبطة أساسا بعبور الأطلس الكبير.
وهذه النقطة تضع حدا للخلط المتداول: الخط فائق السرعة القنيطرة–مراكش دخل مرحلة الإنجاز، أما امتداده نحو أكادير فما يزال في مرحلة ما قبل الأشغال، أي تعبئة التمويل وترتيب شروط التنفيذ.
أين وصل المشروع اليوم؟
الأشغال الجارية حاليا تهم الشطر الرابط بين القنيطرة ومراكش، وهو المشروع الذي أعطى الملك محمد السادس انطلاقته يوم 24 أبريل 2025، ضمن برنامج سككي وطني بغلاف استثماري إجمالي يناهز 96 مليار درهم. ويمتد هذا الخط الجديد على مسافة تقارب 430 كيلومترا، بغلاف مالي يقدر بـ53 مليار درهم، دون احتساب المعدات المتحركة.
ويراهن هذا الورش على تمديد الخط فائق السرعة الحالي طنجة–القنيطرة نحو مراكش، بما يسمح مستقبلا بتقليص مدة الرحلة بين طنجة ومراكش إلى ساعتين و40 دقيقة. كما يندرج ضمن التحضيرات الكبرى لتحديث منظومة النقل السككي قبل كأس العالم 2030.
وبحسب وزارة النقل واللوجيستيك، بلغت نسبة إنجاز خط القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش حوالي 30 في المائة، وفق ما كشفه الوزير عبد الصمد قيوح خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب.
وماذا عن أكادير؟
بالنسبة لأكادير، الوضع مختلف تماما. فإلى حدود المعطيات الرسمية المتاحة، لا يوجد إعلان رسمي عن انطلاق الأشغال الميدانية في خط مراكش–أكادير، كما لا يوجد تاريخ رسمي محدد لافتتاح الخدمة التجارية نحو عاصمة سوس.
المؤكد، وفق وزارة النقل، أن الدراسات التعريفية والتطبيقية انتهت، وأن الوزارة والمكتب الوطني للسكك الحديدية يعملان حاليا على تعبئة التمويلات الدولية الضرورية لإنجاز المشروع، الذي قدرت كلفته بحوالي 55 مليار درهم.
بمعنى أوضح: أكادير دخلت الخريطة الاستراتيجية للقطار فائق السرعة، لكن ساعة انطلاق الأشغال لم تعلن رسميا بعد.
لماذا يحتاج خط مراكش–أكادير إلى 55 مليار درهم؟
الكلفة المرتفعة للمشروع ليست مرتبطة فقط بالمسافة بين مراكش وأكادير، بل أساسا بطبيعة المسار الجغرافي. فالخط المنتظر سيواجه حاجزا طبيعيا معقدا يتمثل في الأطلس الكبير، ما يفرض إنجاز منشآت هندسية ثقيلة، من قناطر وأنفاق وتجهيزات خاصة.
ووفق المعطيات التي قدمها وزير النقل، فإن حوالي 70 في المائة من هذا الشطر يتطلب منشآت فنية داخل الأطلس الكبير، وهو ما يفسر ارتفاع الكلفة وتعقيد مرحلة الدراسات والتنفيذ.
لذلك، لا يمكن التعامل مع ربط أكادير بالقطار فائق السرعة كما لو أنه مجرد مد سكة حديدية فوق أرض مستوية. فالمشروع، في جوهره، ورش هندسي ضخم لعبور منطقة جبلية صعبة.
المسار المنتظر نحو سوس
المسار الأقرب، وفق المعطيات المتداولة في أجوبة حكومية وتقارير تقنية، يربط مراكش بأكادير عبر محور شيشاوة. وتبرز مراكش وشيشاوة وأكادير كمحطات رئيسية في التصور العام للمشروع، مع إمكانية تدقيق تفاصيل الاستغلال والمحطات لاحقا بعد المرور إلى المراحل العملية.
هذا المعطى يجعل أكادير محطة مركزية في التوسع السككي نحو الجنوب، لا مجرد نقطة نهاية رمزية. فالمدينة مرشحة لأن تصبح جزءا من محور وطني سريع يربط الشمال بالجنوب، ويفتح أمام سوس ماسة موقعا جديدا داخل شبكة النقل الوطنية.
ماذا عن مدة الرحلة؟
الأرقام المتداولة حول المشروع تشير إلى أن الربط بين مراكش وأكادير قد يقلص مدة الرحلة إلى حوالي ساعة واحدة عند إنجاز الخط. كما أن اكتمال الربط فائق السرعة على المحور الأطلسي سيجعل أكادير أقرب زمنيا إلى الدار البيضاء والرباط وطنجة.
غير أن هذه الأرقام تبقى مرتبطة بإنجاز المشروع ودخول الخط مرحلة التشغيل، لذلك لا ينبغي تقديمها كواقع قائم اليوم، بل كأهداف منتظرة ضمن تصور المشروع.
هل يرتبط المشروع بكأس العالم 2030؟
توسيع الشبكة السككية أصبح جزءا من رؤية أوسع لتحديث النقل بالمغرب قبل كأس العالم 2030، الذي سيُنظم بشكل مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال. وذكرت وكالة رويترز أن البرنامج السككي المغربي يشمل تمديد الخط فائق السرعة نحو مراكش، مع توجه لاحق نحو أكادير، إلى جانب اقتناء قطارات جديدة وتوسيع شبكة المدن المخدومة.
لكن يجب التمييز هنا بين ما هو مؤكد زمنيا وما يزال في طور التحضير. فالشطر القنيطرة–مراكش هو الورش المفتوح حاليا، أما شطر مراكش–أكادير فلم يصدر، إلى حدود الآن، إعلان رسمي يحدد تاريخ انطلاق الأشغال أو موعد التشغيل التجاري.
168 قطارا جديدا لمواكبة التوسع
ولا يقتصر البرنامج السككي الوطني على مد الخطوط فقط، بل يشمل أيضا اقتناء 168 قطارا جديدا، من فرنسا وإسبانيا وكوريا الجنوبية، بقيمة 29 مليار درهم، وفق ما أعلن عنه المكتب الوطني للسكك الحديدية وأوردته وكالة رويترز. وتشمل هذه الطلبية قطارات فائقة السرعة وقطارات بين المدن وقطارات حضرية.
ويهدف هذا التوسع إلى مواكبة المشاريع الكبرى ورفع القدرة التشغيلية للشبكة، خاصة مع الطموح المعلن لزيادة عدد المدن المخدومة بالسكك الحديدية في أفق السنوات المقبلة.
ماذا ينتظر مشروع أكادير الآن؟
المرحلة المقبلة ستكون حاسمة، لأنها تتعلق بتعبئة التمويلات الدولية. فكلفة 55 مليار درهم تجعل المشروع بحاجة إلى تركيبة مالية قوية تجمع بين الدولة، والمكتب الوطني للسكك الحديدية، وشركاء ماليين دوليين.
بعد حسم التمويل، يمكن المرور إلى إطلاق الصفقات والأشغال الكبرى، وعندها فقط سيكون بالإمكان الحديث عن رزنامة دقيقة تشمل بداية الأشغال، مدة الإنجاز، الشركات المكلفة، مراحل الاختبار، ثم موعد التشغيل.
أما اليوم، فالوضع الدقيق هو: الدراسات انتهت، الكلفة حُددت، التحديات الهندسية معروفة، لكن الأشغال لم تنطلق بعد رسميا.
أرقام أساسية لفهم المشروع
| المؤشر | المعطى |
|---|---|
| طول خط القنيطرة–مراكش | حوالي 430 كلم |
| كلفة خط القنيطرة–مراكش | 53 مليار درهم |
| قيمة البرنامج السككي الوطني | 96 مليار درهم |
| نسبة تقدم القنيطرة–مراكش | حوالي 30% |
| عدد القطارات الجديدة | 168 قطارا |
| كلفة اقتناء القطارات | 29 مليار درهم |
| كلفة مراكش–أكادير | حوالي 55 مليار درهم |
| حصة المنشآت المرتبطة بالأطلس الكبير | حوالي 70% |
| المرحلة الحالية لمراكش–أكادير | دراسات منتهية وتمويل قيد التعبئة |
| انطلاق الأشغال نحو أكادير | لم يعلن رسميا بعد |
مشروع القطار فائق السرعة نحو أكادير تقدم فعلا على مستوى الدراسات، لكنه لم يتحول بعد إلى ورش ميداني. ولذلك، فالدقة تقتضي القول إن “البراق” نحو سوس أصبح ضمن التخطيط الرسمي، لكنه ينتظر تعبئة التمويل قبل المرور إلى مرحلة الإنجاز.



