فاز المنتخب المغربي على كندا بثلاثية نظيفة، وبلغ ربع نهائي كأس العالم 2026 بجدارة، لكن هذا الانتصار الكبير لم يدفن سؤالا ظل يرافق المباراة منذ الإعلان عن طاقمها التحكيمي: هل كان تعيين حكم إنجليزي لإدارة مواجهة طرفها المنتخب الكندي اختيارا موفقا من حيث الصورة والحياد الرمزي؟
السؤال لا يتعلق باتهام مباشر للحكم مايكل أوليفر، ولا ينفي استقلال كندا كدولة ذات سيادة كاملة. لكنه يفتح نقاشا حساسا في كرة القدم الحديثة: الحياد لا ينبغي أن يكون قانونيا ومهنيا فقط، بل يجب أن يبدو كذلك في الصورة والانطباع والثقة الجماهيرية.
فكندا، وفق نظامها الدستوري، دولة مستقلة وملكية دستورية، ويعد الملك تشارلز الثالث ملك كندا ورأس الدولة فيها، بينما يمثله داخل البلاد الحاكم العام. هذا المعطى، رغم طابعه الدستوري والرمزي، كان كافيا لطرح سؤال الملاءمة حين تم تعيين حكم إنجليزي لإدارة مواجهة كندا والمغرب.
ومن هنا يبدأ الجدل. حين يكون أحد طرفي المباراة منتخب كندا، ويقود اللقاء حكم من إنجلترا، يصبح السؤال مشروعا: هل كان الاتحاد الدولي لكرة القدم قادرا على تفادي هذا الالتباس بتعيين حكم من بلد لا يحمل أي ارتباط تاريخي أو دستوري، ولو رمزيا، بأحد طرفي المواجهة؟
ليست قضية قانونية فقط.. بل قضية صورة
في مثل هذه المباريات، لا يكفي أن يقال إن الحكم محايد من الناحية المهنية. جمهور كرة القدم لا يقرأ التعيينات دائما بعين القانون، بل بعين الانطباع أيضا. وهذا الانطباع يصبح مهما جدا في مباراة إقصائية، وفي بطولة عالمية، وأمام منتخب يعرف أن كل تفصيل قد يغير مسار اللقاء.
مايكل أوليفر حكم معروف، وله تجربة واسعة في الدوري الإنجليزي والمنافسات الأوروبية. وقد أكدت تقارير قبل المباراة أن الحكم الإنجليزي عُيّن لقيادة مواجهة كندا والمغرب في دور ثمن نهائي كأس العالم.
لكن الخبرة وحدها لا تلغي سؤال الملاءمة. فالتعيين التحكيمي لا يقاس فقط بالسيرة المهنية للحكم، بل كذلك بالسياق المحيط بالمباراة، وبما يمكن أن يخلقه الاختيار من تأويلات لدى الجمهور والمتابعين.
وعندما يكون هناك رابط رمزي بين جنسية الحكم وأحد طرفي اللقاء، حتى وإن كان رابطا دستوريا لا رياضيا، فإن أبسط قواعد الحذر كانت تقتضي اختيارا آخر يقطع الطريق أمام أي نقاش من هذا النوع.
الشوط الأول زاد الجدل بدل أن يطفئه
لو مرت المباراة بتحكيم هادئ ومتوازن منذ البداية، ربما بقي سؤال التعيين في حدود نقاش نظري. لكن طريقة إدارة الشوط الأول جعلت الجدل أكبر عند عدد من المتابعين.
فالحكم الإنجليزي مايكل أوليفر أشهر ست بطاقات صفراء قبل الاستراحة، وهو رقم مرتفع في شوط أول من مباراة إقصائية، خاصة أن عددا من هذه البطاقات جاء مبكرا في حق لاعبي المنتخب المغربي.
وفي مثل هذه المباريات، لا تكون البطاقة الصفراء مجرد ورقة في سجل الحكم. إنها قيد نفسي وتكتيكي، خصوصا على المدافعين ولاعبي الوسط.
اللاعب المنذر لا يدخل الالتحام بالطريقة نفسها. لا يضغط بنفس الجرأة. لا يغامر في الثنائيات. وقد يجد نفسه، مع أي احتكاك جديد، قريبا من بطاقة ثانية قد تغير وجه المباراة بالكامل.
الأرقام لا تشرح كل شيء.. لكنها تطرح الأسئلة
المعطى الذي أثار النقاش أكثر هو الفارق بين عدد الأخطاء والبطاقات المتداولة بعد المباراة. فقد تحدثت أرقام متداولة على منصات التتبع والتعليقات الحية عن ارتكاب المغرب عددا أقل من الأخطاء مقارنة بكندا، مقابل حصوله على عدد أكبر من البطاقات في الشوط الأول.
صحيح أن عدد الأخطاء وحده لا يكفي للحكم على عدالة البطاقات، لأن هناك مخالفات أكثر خطورة من غيرها، وتدخلات تكتيكية تستحق الإنذار حتى لو كان عدد الأخطاء قليلا.
لكن عندما يظهر الفارق بهذا الشكل، فإن السؤال يصبح مشروعا لدى المتابع: هل كان معيار الصرامة متوازنا في تقدير الخشونة والتدخلات؟ أم أن المغرب عوقب بقسوة أكبر منذ بداية المباراة؟
وما زاد من حساسية الأمر أن البطاقات لم تأت في نهاية مباراة متوترة، بل في مرحلة مبكرة من الشوط الأول، ما خلق انطباعا بأن “أسود الأطلس” وجدوا أنفسهم تحت ضغط انضباطي مبكر.
خطر البطاقة الحمراء كان حاضرا
لا يمكن القول إن مايكل أوليفر كان ينوي دفع المباراة نحو بطاقة حمراء، لأن النوايا لا تثبت ولا ينبغي الخوض فيها. لكن يمكن القول إن طريقة إدارة الشوط الأول جعلت خطر الطرد قائما على أكثر من لاعب مغربي.
أربع بطاقات صفراء مبكرة، في مباراة خروج مغلوب، تعني أن المنتخب المغربي كان مطالبا بإكمال فترات طويلة بعقل بارد جدا. أي تدخل ثان، أو احتكاك قوي، أو سوء تقدير في كرة مشتركة، كان يمكن أن يتحول إلى بطاقة ثانية تقلب المباراة.
وهنا يجب الاعتراف بأن نضج لاعبي المنتخب المغربي كان جزءا أساسيا من الفوز. لم يدخل اللاعبون في استفزازات مجانية، ولم يسمحوا للضغط التحكيمي بأن يجرهم إلى رد فعل متسرع.
لقد انتصر المغرب على كندا، لكنه انتصر أيضا على الضغط النفسي الذي صنعته البطاقات المبكرة.
كندا لم تكن أقل اندفاعا
من المهم أيضا عدم تقديم المنتخب الكندي كما لو أنه لعب بهدوء كامل. فقد دخل المباراة بضغط قوي واندفاع بدني واضح، وحاول منذ البداية فرض إيقاع عال على المغرب.
وتشير تقارير المباراة إلى أن كندا قدمت شوطا أول نشيطا، وضغطت بقوة وخلقت بعض المحاولات، قبل أن يغير المنتخب المغربي وجه اللقاء في الشوط الثاني ويحسمه بثلاثية واضحة.
ومع ذلك، شعر عدد من المتابعين المغاربة بأن العبء الانضباطي كان أكبر على المنتخب الوطني، خاصة أن البطاقات المبكرة فرضت على بعض اللاعبين حذرا إضافيا في الالتحامات.
مرة أخرى، لا يعني هذا أن كل بطاقة ضد المغرب كانت خاطئة. لكنه يعني أن معيار الصرامة بدا، في نظر كثيرين، غير مريح بما يكفي.
الفوز لا يمنع النقد
قد يقول البعض: المغرب فاز بثلاثية، فلماذا العودة إلى التحكيم؟
الجواب بسيط: لأن طرح سؤال التحكيم بعد الفوز أكثر قوة ومصداقية من طرحه بعد الخسارة. فعندما ينتقد الجمهور أو الصحافة الحكم بعد الهزيمة، يقال إن الأمر مجرد تبرير. أما عندما يطرح النقاش بعد انتصار واضح، فإن المسألة تتحول إلى سؤال مبدئي: هل كانت ظروف المباراة التحكيمية مريحة ومنصفة من حيث الصورة والمعيار؟
المغرب حسم المباراة بثلاثية نظيفة، وسجل عز الدين أوناحي هدفين، وأضاف سفيان رحيمي الهدف الثالث، ليبلغ “أسود الأطلس” ربع النهائي للمرة الثانية تواليا. هذا الإنجاز ثابت ولا يحتاج إلى جدل.
لكن الانتصار لا يمحو الأسئلة، بل يمنح فرصة لطرحها بهدوء: هل كان تعيين حكم إنجليزي لمباراة طرفها كندا قرارا سليما من حيث الحياد الرمزي؟ وهل كانت إدارة البطاقات في الشوط الأول متوازنة بما يكفي؟
الحياد يجب أن يُرى أيضا
في كرة القدم العالمية، العدالة لا يكفي أن توجد في النصوص. يجب أن تُرى. يجب أن يشعر بها اللاعب والجمهور. التعيينات التحكيمية في كأس العالم تحتاج إلى حساسية قصوى، لأن كل قرار يقرأه ملايين الناس من زوايا مختلفة.
كندا دولة مستقلة، وهذا أمر محسوم. لكن كون الملك البريطاني هو أيضا ملك كندا ورأس الدولة فيها، ولو في إطار ملكية دستورية منفصلة، يبقى معطى رمزيا يمكن أن يثير النقاش في سياق مباراة يقودها حكم إنجليزي.
وكان من الممكن تفادي هذا الجدل بتعيين حكم من بلد آخر لا يحمل أي ثقل رمزي تجاه أحد طرفي المباراة. لكن ذلك لم يحدث، ثم جاءت البطاقات المبكرة لتمنح السؤال زخما أكبر.
المغرب كان أكبر من الجدل
أجمل ما في المباراة أن المنتخب المغربي لم يسمح لهذا الجدل بأن يتحول إلى عائق داخل الملعب. اللاعبون لم يفقدوا أعصابهم، ولم يدخلوا في مواجهة مع الحكم، ولم يمنحوا كندا فرصة لاستغلال البطاقات المبكرة.
بدل ذلك، صبر المغرب، رتب صفوفه، ثم ضرب في الوقت المناسب. وفي الشوط الثاني، ظهر الفارق الحقيقي بين منتخب يعرف كيف يدير مباريات خروج المغلوب، ومنتخب كندي بدأ بقوة لكنه لم ينجح في تحويل ضغطه إلى تفوق حاسم.
وهذه واحدة من علامات النضج. المنتخب الكبير لا يكتفي بالاحتجاج، بل يعرف كيف يتجاوز الظروف الصعبة داخل الملعب.
هذا، وتعيين مايكل أوليفر لإدارة مباراة المغرب وكندا سيبقى قرارا قابلا للنقاش. ليس لأن الحكم إنجليزي فقط، وليس لأن كندا مرتبطة رمزيا بالتاج البريطاني فقط، بل لأن الشوط الأول قدم صورة زادت الأسئلة بدل أن تطفئها.
حكم إنجليزي أمام منتخب كندي ملكه الدستوري هو نفسه ملك بريطانيا.
مباراة إقصائية ببطاقات مبكرة في حق لاعبي المغرب.
وانطباع جماهيري بأن معيار الصرامة لم يكن مريحا بما يكفي.
المغرب فاز، وهذا هو الرد الأقوى. لكن الفوز لا يلغي السؤال: في بطولة بحجم كأس العالم، ألم يكن من الأفضل تعيين حكم لا يفتح الباب أصلا أمام هذا النوع من التأويل؟
التحكيم العادل مهم. لكن الأهم، في مثل هذه المناسبات، أن يبدو عادلا أيضا.



