غادرت السنغال كأس العالم 2026 بطريقة موجعة، بعد سقوط درامي أمام بلجيكا بثلاثة أهداف مقابل هدفين، في مباراة ظلت في يد “أسود التيرانغا” إلى حدود الدقائق الأخيرة، قبل أن تنقلب رأسا على عقب في واحدة من أقسى نهايات دور الـ32.
كانت السنغال متقدمة بهدفين دون رد. كانت قريبة من كتابة واحدة من أجمل صفحات الكرة الإفريقية في المونديال. لكن كرة القدم، كما يحدث كثيرا، لا تعترف بمن كان الأفضل لفترات طويلة، بل بمن يصمد إلى آخر صافرة.
وحسب وكالة “أسوشيتد برس”، تقدم المنتخب السنغالي عبر حبيب ديارا وإسماعيلا سار، قبل أن تعود بلجيكا بهدف روميلو لوكاكو في الدقيقة 86، ثم هدف يوري تيليمانس في الدقيقة 89، لتمتد المباراة إلى الأشواط الإضافية. وفي اللحظات الأخيرة، حصلت بلجيكا على ضربة جزاء بعد مراجعة تقنية الفيديو، سجل منها تيليمانس هدف الفوز في الدقيقة 125، وهو الهدف الذي أنهى الحلم السنغالي.
لقطة أعادت الذاكرة إلى كأس إفريقيا
أكثر ما جعل الخروج السنغالي قاسيا لم يكن النتيجة وحدها، بل الطريقة التي جاء بها الهدف الحاسم. ضربة جزاء متأخرة، احتجاجات قوية، لاعبون يرفضون الاقتناع بالقرار، ومشهد مشحون أعاد إلى الأذهان ما عاشته السنغال في كأس إفريقيا، حين تحولت ضربة جزاء إلى دراما كاملة، وبرزت لقطة لاعب داخل مربع العمليات كأنه يستعد للاعتراض على تنفيذ الركلة قبل أن تتحول اللحظة إلى عنوان كبير للغضب والجدل.
في مباراة بلجيكا، لم تكن السنغال أمام مجرد قرار تحكيمي، بل أمام ذاكرة ثقيلة. فالمنتخب الذي عاش سابقا وجعا قاريا مرتبطا بركلات الجزاء والاحتجاج، وجد نفسه من جديد أمام السيناريو نفسه: قرار في منطقة الجزاء، مراجعة بالفيديو، ثم ركلة قاتلة تخرج الفريق من بطولة كبرى.
ووصفت تقارير دولية ضربة الجزاء التي منحت لبلجيكا بأنها مثيرة للجدل، بعد تدخل لامين كامارا على تيليمانس داخل المنطقة، قبل أن يؤكد الحكم قراره عقب العودة إلى تقنية الفيديو. كما أشارت “الغارديان” إلى أن تيليمانس سجل من ركلة جزاء في توقيت متأخر جدا، عند حدود الدقيقة 124:44، ليمنح بلجيكا عبورا قاتلا إلى الدور المقبل.
السنغال لم تخسر فقط.. السنغال انهارت
تحليليا، لا يمكن اختزال ما حدث في صافرة الحكم أو تقنية الفيديو وحدها. السنغال خسرت المباراة قبل ضربة الجزاء الأخيرة، حين تركت بلجيكا تعود من بعيد في أقل من خمس دقائق.
من يتقدم بهدفين إلى حدود الدقيقة 85 في مباراة إقصائية، لا يحتاج فقط إلى الشجاعة، بل إلى برودة الدم. السنغال امتلكت القوة، السرعة، والاندفاع، لكنها افتقدت في اللحظات الأخيرة إلى إدارة النتيجة. بلجيكا، رغم أنها بدت تائهة لفترات طويلة، عرفت كيف تستعمل خبرتها، وكيف تحول الضغط إلى سلاح قاتل.
عودة لوكاكو فتحت الشرخ الأول في الجدار السنغالي. وبعدها، لم تعد السنغال تلعب لتفوز، بل صارت تلعب كي لا تسقط. وبين الخوف والارتباك، جاء هدف التعادل، ثم جاءت الضربة التي أطفأت كل شيء.
بلجيكا لم تكن الأفضل.. لكنها كانت الأهدأ
المنتخب البلجيكي لم يقدم مباراة مثالية. بالعكس، بدا عاجزا لفترات طويلة أمام حيوية السنغال، ووجد نفسه متأخرا بهدفين في لحظة كانت تنذر بخروج مبكر. لكن الفرق الكبيرة لا تحتاج دائما إلى السيطرة، أحيانا تحتاج فقط إلى نافذة صغيرة للعودة.
“رويترز” وصفت خروج السنغال بالقاسي، مشيرة إلى أن الفريق كان متقدما 2-0 إلى حدود الدقيقة 85، قبل أن تعادل بلجيكا النتيجة بهدفين متتاليين وتحسم التأهل في الوقت الإضافي عبر ركلة جزاء سجلها تيليمانس. كما نقلت الوكالة عن مدرب السنغال باب ثياو تعبيره عن خيبة كبيرة بعد مباراة وصفها بأنها قاسية على فريقه.
بلجيكا خرجت من فخ كان منصوبا بعناية. والسنغال، التي بدت أقرب إلى ثمن النهائي، وجدت نفسها خارج البطولة بسبب تفاصيل صغيرة: تمركز خاطئ، فقدان تركيز، وقرار تحكيمي في توقيت لا يترك مجالا للتدارك.
لماذا تبدو الهزيمة أكبر من مجرد إقصاء؟
لأن السنغال لم تكن منتخبا صغيرا يبحث عن مفاجأة. كانت منتخبا إفريقيا قادرا على الذهاب بعيدا. كانت تملك لاعبين سريعين، شخصية قوية، وحضورا بدنيا واضحا. لذلك، فإن مغادرتها لا تشبه مغادرة منتخب أدى ما عليه وانتهى الأمر.
المؤلم أن السنغال اقتربت كثيرا. لم تكن بعيدة عن المجد، بل كانت تلمسه. لكنها في اللحظة التي احتاجت فيها إلى الهدوء، دخلت في دوامة الاعتراض والانفعال، وكأن شبح كأس إفريقيا عاد من جديد ليجلس داخل مربع العمليات، منتظرا ركلة أخرى وقرارا آخر ونهاية أخرى موجعة.
وهنا تكمن القصة الصحفية الحقيقية: السنغال لم تخسر لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تعرف كيف تغلق مباراة كانت بين يديها. والمنتخبات الكبيرة لا تقاس فقط بعدد المواهب، بل بقدرتها على قتل المباراة حين تكون النتيجة في صالحها.
خسارة إفريقية بطعم المرارة
خروج السنغال بهذه الطريقة لا يخص السنغاليين وحدهم. هو خروج مؤلم للكرة الإفريقية، لأن المنتخب كان قريبا من منح القارة لحظة قوية في الأدوار الإقصائية. لكن ما حدث كشف مرة أخرى أن التفاصيل في كأس العالم لا ترحم.
ركلة جزاء في الدقيقة 125 ليست مجرد هدف. إنها حكم نهائي على 120 دقيقة من الجهد، وعلى أحلام جماهير كانت تنتظر عبورا كبيرا. وبين احتجاج السنغاليين وفرحة البلجيكيين، بقيت الصورة الأقوى: منتخب إفريقي كبير يغادر وهو يشعر أنه لم يخسر فقط أمام بلجيكا، بل أمام لحظة لم يعرف كيف يسيطر عليها.
غادرت السنغال كأس العالم من الباب الأكثر قسوة: تقدم مريح، انهيار متأخر، ثم ضربة جزاء مثيرة للجدل في الوقت القاتل. وبين مشهد مونديالي جديد وذاكرة كأس إفريقيا القديمة، وجد “أسود التيرانغا” أنفسهم مرة أخرى أمام السؤال نفسه: هل كان القرار قاسيا، أم أن الفريق هو من فتح الباب للدراما؟
قد تختلف الإجابات، لكن النتيجة لا تتغير: بلجيكا إلى ثمن النهائي، والسنغال خارج المونديال، وركلة جزاء ستظل طويلا في ذاكرة البطولة.

