لم تكن ساحة المشور بتزنيت مجرد فضاء عمومي وسط المدينة. كانت، لسنوات طويلة، ذاكرة تجارية مفتوحة، ونقطة جذب يومية، ومركزا حيا يلتقي فيه الحرفي والتاجر والزائر والسائح والساكنة.
هناك، بجوار الساحة، توجد قيسارية المجوهرات، إحدى العلامات البارزة في هوية تزنيت، المدينة التي ارتبط اسمها تاريخيا بصناعة الفضة والحلي التقليدية. وتؤكد معطيات سياحية رسمية أن قيسارية المجوهرات تقع بالمدينة القديمة بجوار ساحة المشور، وأن تيزنيت راكمت تاريخا عريقا في صناعة الذهب والفضة، كما يحتضن مهرجان تيميزار عارضين من عدة مدن مغربية يعرضون المجوهرات والحلي الفضية إلى جانب حرفيي المدينة.
بهذا المعنى، لم تكن ساحة المشور مجرد مكان للمرور. كانت عنوانا اقتصاديا. كانت واجهة المدينة. وكانت، بالنسبة إلى عدد من التجار والحرفيين وأصحاب المقاهي والمطاعم، رئة تجارية تضمن الحركة، وتخلق فرص الرزق، وتحافظ على صلة المدينة بتراثها ومهنتها الأشهر.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة هو: كيف تحولت هذه الساحة، تدريجيا، من مركز رواج إلى مجال باهت الحركة؟ وكيف أصبحت منطقة يفترض أن تكون قطبا اقتصاديا وسياحيا، مجرد نقطة عبور لدى كثيرين؟
حين تفقد الساحة وظيفتها التجارية
المدن لا تموت دفعة واحدة. تفقد روحها عندما تُنتزع من فضاءاتها المركزية وظائفها الأصلية. وساحة المشور، كما يلاحظ كثير من المتتبعين، لا تعاني فقط من تراجع عادي في الحركة التجارية، بل من اختلال أعمق في تصور المدينة لمركزها.
الساحة التي كانت قادرة على جذب المتسوقين والزوار، لم تعد تؤدي الدور نفسه. والمحلات التي كانت تستفيد من تدفق يومي للناس، وجدت نفسها أمام واقع جديد: حركة أقل، توقف أقل، استهلاك أقل، وزبائن يعبرون المكان دون أن يقيموا فيه.
وهنا لا يتعلق الأمر بتغير عفوي فقط. فكل تحول عمراني كبير داخل مركز تجاري تاريخي ينتج رابحين وخاسرين. وحين يضعف الرواج في فضاء قديم، بالتوازي مع ظهور مراكز تجارية جديدة في مناطق أخرى من المدينة، يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام تطور طبيعي للمدينة، أم أمام إعادة توزيع غير معلنة للثقل التجاري؟
من المستفيد من إضعاف المركز القديم؟
لا يمكن الجزم، دون وثائق افتحاصية ومعطيات رسمية، بوجود “لوبي” أو جهة محددة استفادت من تراجع ساحة المشور. هذا أمر يجب أن يظل في حدود السؤال الصحفي المشروع، لا في خانة الاتهام المباشر.
لكن ما يمكن قوله، بوضوح، هو أن تراجع ساحة المشور لم يقع في فراغ. لقد تزامن مع بروز فضاءات ومراكز جديدة، بعضها يرتبط بمصالح عقارية وتجارية واضحة، وبعضها يوجد خلفه فاعلون لهم حضور في المشهد المحلي، أو علاقات داخل دوائر القرار الاقتصادي والسياسي.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه أكثر من متتبع: هل تم التعامل مع ساحة المشور باعتبارها رأسمالا تجاريا وتراثيا يجب حمايته، أم باعتبارها مساحة يمكن إفراغها من وظيفتها لصالح خريطة تجارية جديدة؟
هذا السؤال لا يستهدف أحدا بعينه، لكنه يفتح باب النقاش حول تضارب المصالح المحتمل، وحول علاقة القرار العمراني بالرواج التجاري، وحول من يربح ومن يخسر عندما يتغير مسار الزبون داخل المدينة.
التهيئة لا تكفي إذا قتلت الرواج
من حيث المبدأ، لا أحد يعارض تأهيل الساحات أو تحسين جاذبية المدن. بل إن برنامج عمل جماعة تيزنيت 2023-2028 يتحدث صراحة عن تثمين الموروث الثقافي والحضاري للمدينة العتيقة، وتثمين المنتوجات المحلية، وتعزيز الولوج إلى الخدمات الأساسية.
كما يقدم البرنامج نفسه مرجعية تقوم على التشاور، وإشراك المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها، انسجاما مع مقتضيات الدستور والقانون التنظيمي للجماعات.
لكن بين الخطاب والواقع توجد مسافة كبيرة. فالتهيئة الحقيقية لا تقاس فقط بجمالية الأرصفة، ولا بنوع البلاط، ولا باتساع الممرات. تقاس أيضا بقدرتها على حماية دورة الاقتصاد المحلي. أي مشروع يجمّل الفضاء لكنه يضعف التجار، أو يحول الساحة إلى ممر بارد بلا حياة، يحتاج إلى مراجعة عميقة.
الساحة الناجحة ليست التي تبدو جميلة في الصور فقط، بل التي تجعل الناس يتوقفون، يجلسون، يشترون، يزورون القيسارية، يدخلون المقاهي، يتجولون بين المحلات، ويعودون مرة أخرى.
أما الساحة التي يمر منها الناس بسرعة، فهي ليست مركزا حضريا، بل ممر واسع.
قيسارية المجوهرات ليست تفصيلا هامشيا
في حالة تزنيت، يصبح الأمر أكثر حساسية. فقيسارية المجوهرات ليست محلا تجاريا كبيرا فقط، بل جزء من العلامة الرمزية للمدينة. الموقع السياحي الجهوي يشير إلى أن القيسارية تقع بجوار ساحة المشور، وأن المدينة معروفة بتاريخها في صناعة الذهب والفضة.
هذا يعني أن إضعاف محيط الساحة ينعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تجارة المجوهرات التقليدية، وعلى الحرفيين، وعلى صورة المدينة لدى الزوار. فالزائر الذي يأتي إلى تزنيت بحثا عن الفضة يحتاج إلى مسار واضح، وفضاء نشيط، ومحيط تجاري مغر، لا إلى ساحة فاقدة للدفء الاقتصادي.
حين تتراجع الحركة حول القيسارية، لا يخسر أصحاب المحلات وحدهم. تخسر المدينة جزءا من هويتها. وتخسر تزنيت فرصة تحويل تراثها الحرفي إلى قوة اقتصادية وسياحية يومية.
هل تم الاستماع إلى التجار فعلا؟
برنامج عمل جماعة تيزنيت يتحدث عن ورشات تشاركية، وعن استبيان إلكتروني لعموم المواطنين والمواطنات، وعن تلقي آراء ومقترحات من قاطني المدينة ومن خارجها، كما يشير إلى محاور تشخيص تشمل الاقتصاد والتنمية الترابية، والثقافة والتراث، وتأهيل المدينة.
لكن السؤال المحلي الأكثر أهمية هو: هل تم الاستماع فعلا إلى التجار المتضررين من تراجع الرواج بساحة المشور؟ هل تم قياس أثر القرارات العمرانية والتنظيمية على مداخيل المحلات؟ هل توجد دراسة قبلية أو بعدية حول الحركة التجارية؟ هل تم تقييم أثر أي تغيير في السير والجولان، أو أماكن الوقوف، أو طبيعة التهيئة، على نشاط القيسارية والمقاهي والمطاعم والمحلات المجاورة؟
هذه أسئلة مشروعة. لأن التدبير الحضري ليس قرارا تقنيا فقط. هو قرار اقتصادي واجتماعي أيضا. وإذا لم يحضر صوت التاجر والحرفي والمهني في التخطيط، فإن النتيجة تكون غالبا ساحة جميلة على الورق، ومتعبة لأصحاب الأرزاق على الأرض.
حين تصبح المدينة في خدمة مراكز جديدة
الخطر الأكبر في مثل هذه التحولات هو أن تنتقل المدينة، تدريجيا، من منطق حماية المركز التاريخي إلى منطق صناعة مراكز بديلة تخدم مصالح محددة.
في كل مدينة، عندما تظهر فضاءات جديدة ذات جاذبية تجارية، من الطبيعي أن تتغير عادات الاستهلاك. لكن غير الطبيعي هو أن يتم ترك المركز القديم يذبل دون خطة إنقاذ واضحة، ودون سياسة تنشيط، ودون دعم للحرفيين، ودون ربط ذكي بين الساحة والقيسارية والسياحة والتراث.
إذا كانت هناك مراكز جديدة تستفيد من التحول التجاري، فهذا لا يعني أنها بالضرورة سبب تراجع ساحة المشور. لكن التزامن بين الأمرين يفرض على المنتخبين والسلطات والفاعلين الاقتصاديين تقديم توضيحات مقنعة: ما الرؤية التجارية للمدينة؟ هل توجد عدالة في توزيع الجاذبية؟ هل يتم إنعاش كل الفضاءات بنفس النفس؟ أم أن بعض المناطق تُترك لتفقد قيمتها لصالح مناطق أخرى؟
المشور لا يحتاج إلى رثاء.. يحتاج إلى قرار
ليس المطلوب أن نبكي على الماضي. المدن تتغير، وهذا طبيعي. لكن التغيير الذي لا يحمي الذاكرة الاقتصادية للمدينة يصبح هدما ناعما.
ساحة المشور تحتاج إلى رؤية إنقاذ، لا إلى خطابات موسمية. تحتاج إلى برمجة أنشطة منتظمة، وإعادة الاعتبار للقيسارية، وتنظيم مسارات سياحية وتجارية، وتسهيل الولوج، وتوفير شروط توقف الزوار، وربط الفضاء بالمهرجانات والأسواق الموضوعاتية، وإشراك التجار في أي قرار يهم محيطهم.
كما تحتاج إلى جواب رسمي واضح: لماذا تراجع الرواج؟ ما هي العوامل التي ساهمت في ذلك؟ هل الأمر مرتبط بالتهيئة، أم بالسير والجولان، أم بضعف التنشيط، أم بتغير مراكز الاستقطاب داخل المدينة، أم بكل هذه العوامل مجتمعة؟
السكوت لا يخدم أحدا. بل يترك المجال للشائعات، ويغذي الإحساس بأن هناك من استفاد من إضعاف قلب المدينة.
المطلوب: افتحاص حضري وتجاري
إذا كانت النية فعلا هي إنقاذ ساحة المشور، فالمطلوب ليس بلاغا إنشائيا، بل افتحاص حضري وتجاري مستقل يجيب عن أسئلة محددة:
ما حجم تراجع الرواج التجاري في محيط الساحة؟
كم عدد المحلات المتضررة؟
ما أثر التهيئة أو تغيير حركة السير على نشاط المنطقة؟
هل استفادت مناطق أخرى من تحويل التدفق التجاري؟
هل توجد مصالح عقارية أو تجارية متداخلة مع قرارات التهيئة؟
ما الإجراءات العملية لإعادة الساحة إلى وظيفتها الأصلية؟
هذه الأسئلة. جوهر الحكامة المحلية. فبرنامج عمل الجماعة نفسه يتحدث عن التشخيص، وترتيب الأولويات، والتتبع، وإشراك الفاعلين.
المدينة التي تفرط في قلبها تفقد توازنها
ساحة المشور ليست مجرد مساحة وسط تزنيت. إنها جزء من صورة المدينة، ومن ذاكرتها التجارية، ومن علاقتها بصناعة الفضة والذهب، ومن يوميات عشرات التجار والحرفيين والمهنيين.
لذلك، فإن تحويلها إلى منطقة عبور فقط ليس خسارة عمرانية، بل خسارة اقتصادية ورمزية. والأخطر أن يحدث ذلك في صمت، بينما تظهر مراكز جديدة وتتحول وجهة الرواج تدريجيا، دون أن يعرف الرأي العام من خطط، ومن قرر، ومن استفاد، ومن دفع الثمن.
لا يمكن اتهام جهة بعينها دون وثائق. لكن يمكن، بل يجب، طرح السؤال: هل تم إقبار الرواج التجاري بساحة المشور بفعل سوء تقدير، أم بفعل اختيارات خدمت مصالح أخرى؟
هذا سؤال مشروع. والجواب عنه لا يكون بالغضب من النقد، بل بكشف المعطيات، وفتح النقاش، وإعادة الاعتبار لقلب تزنيت التجاري قبل أن يصبح مجرد ذكرى جميلة في ذاكرة التجار القدامى.

