بعض الأشياء تبدو لنا بسيطة في صيغتها النهائية، لكن يكمن وراءها عمل مضن ووقت طويل يأخذ أحيانا العمر جله. الأمور البسيطة في أغلبا هي تراكم تجارب مختلفة، وتوليف لنظريات وتطبيقات، إخفاقات ونجاحات، تعطينا في الأخير إما اختراعا علميا ناجعا، أو تحفة فنية رائعة، أو لعبا رياضيا سلسا، أو رأيا فكريا سديدا، أو صياغة تعبيرية بسيطة لفكرة مركبة.
لنأخذ هذه الأخيرة لأن الأمثلة الأخرى يسهل، مع بعض التفكر، الوقوف عليها، وكذا تقدير جسامة ما وراءها من بحث وفكر وعمل وإبداع. إن صياغة الأفكار المعقدة في قالب بسيط وتلخيص تجارب فكرية عظيمة في كلام بديهي، لهي قدرة مثيرة للإعجاب حقا، مثيرة لأن استحضار ما يكمن خلفها من جهد جهيد يتطلب هو الآخر قدرة ذهنية غير متاحة لكل الناس.
قبل أيام في ندوة صحفية بمناسبة مشاركتها في مهرجان موازين بمدينة الرباط، قالت الرايسة فاطمة تبعمرانت كلاما هاما، في صياغة بسيطة ومنسجمة، تحدثت عن دور المرأة في المجتمع، وأشارت إلى أن القيمة الحقيقية للإنسان هي فيما يقدمه للبشرية وللحياة، كما أبدت رأيها المقنع في الفوضى الرقمية التي تعرفها كل المجالات بما فيها الفنية، وسلطت الضوء على أهمية التكوين قبل الممارسة.
لا تهمنا ردود الفعل السطحية التي أثارها انتقادها للتطرف الديني، كما لن نخوض في نسبية مسؤولية المرأة لوحدها عن إنتاج أناس متشددين. المثير في تصريحات فنانتنا الأمازيغية هو مقدار الجهد الفكري والبحث الطويل الذي قامت به لكي تصل إلى هذه الخلاصات والقناعات أولا، ولكي تكتسب قدرة التعبير عنها بشجاعة وبهذه السلاسة والوضوح ثانيا.
ما بلغته فاطمة شاهو بعصامية من الأمية إلى التعلم، ومن التعلم إلى التنور، ومن التنور إلى القدرة على التعبير المقنع، لم يبلغه للأسف بعض من كان جوهر حرفته هو طرح السؤال ومعالجة الإشكاليات ووضع الفرضيات والتحقق منها للخروج باستنتاجات، من يفترض فيه أن يكون التفكير النقدي هو أداته الأولى في التعامل مع مختلف المعلومات والادعاءات ووجهات النظر.
بل من باحثينا ومثقفينا من يخضع كل شيء للنقد ولمنطق العقل والمناهج العلمية، يتناول الظواهر الاجتماعية والطبيعية بعقل منظم، يلاحظ ويفسر ويحاجج ويقوم ويقارن ويخترع حتى، غير أنه لما يتعلق الأمر بتلك المحددات الهامة التي تؤطر حركاته وسكناته اللحظية واليومية، يسلم فيها للتقليد دون تفكر أو تدبر، يفضل المسح على الخف دون سؤال، وهو ما لم تفعله فاطمة تبعمرانت الشاعرة الأمازيغية المتنورة.

