قبل مواجهة المغرب وهولندا في دور الـ32 من كأس العالم 2026، بدا المشهد الإعلامي لافتاً. الصحافة الهولندية، وهي المعنية أولاً بالمباراة وبخصم منتخبها، تحدثت عن “أسود الأطلس” باحترام واضح، وناقشت نقاط القوة والضعف بلغة كروية هادئة.
لكن في جزء من الإعلام الرياضي الجزائري، حضرت نبرة أخرى: تقليل، استعلاء، تشكيك، ومحاولة دائمة لتصغير ما ينجزه المنتخب المغربي، وكأن الأمر لا يتعلق بمباراة كرة قدم، بل بمعركة نفسية مع صورة المغرب الصاعدة في العالم.
وهنا لا يتعلق النقد بالجزائر كشعب، ولا بكل الصحافيين الجزائريين، بل بتيار إعلامي اختار أن ينظر إلى الكرة المغربية من ثقب السياسة والخصومة، لا من عين التحليل الرياضي.
الهولنديون يحترمون المغرب.. فلماذا يصر البعض على التقليل؟
المفارقة الكبرى أن الهولنديين أنفسهم لم يتعاملوا مع المغرب كخصم صغير.
قبل المباراة، تحدث مدرب هولندا رونالد كومان عن مواجهة جاءت مبكراً بين منتخبين يملكان جودة عالية. كما حذر فيرجيل فان دايك من قوة أسماء مغربية بارزة، في مقدمتها أشرف حكيمي، إسماعيل الصيباري، إبراهيم دياز، وأيوب بوعدي.
الصحافة الهولندية ذهبت أبعد من ذلك، ودرست طريقة لعب المغرب، وتحركاته، ومرونته التكتيكية، ونقاط قوته في التحول الهجومي. بمعنى آخر، الخصم نفسه احترم المغرب، وفهم أن المباراة ليست نزهة.
فلماذا يصر بعض الإعلام الجزائري على تبخيس هذه الصورة؟
الجواب لا يوجد في الملعب وحده. إنه يوجد في عقلية إعلامية مأزومة، ترى في كل إنجاز مغربي خسارة رمزية لها، وفي كل إشادة دولية بالمغرب استفزازاً يجب الرد عليه.
من التحليل إلى التنفيس
الصحافة الرياضية، في أصلها، تفكك المباراة: الخطة، التشكيلة، ضغط الوسط، الأطراف، التحولات، نقاط الضعف، الحالة البدنية، قراءة المدرب، وسيناريوهات اللعب.
لكن عندما يتحول الحديث عن منتخب المغرب إلى سخرية أو تقليل أو تلميحات سياسية، فإننا لا نكون أمام تحليل رياضي، بل أمام تنفيس نفسي.
المحلل الحقيقي لا يفرح لأن خصماً عربياً أو إفريقياً قد يخسر. والمعلق المهني لا يبحث عن عبارات تقلل من قيمة فريق وصل إلى مراحل متقدمة، وفرض احترامه في أكبر محفل كروي.
المشكلة ليست في أن يتوقع صحافي جزائري فوز هولندا. هذا حقه. المشكلة أن يتحول التوقع إلى نبرة استعلاء، وكأن المغرب لا يستحق مكانه، أو كأن “أسود الأطلس” وصلوا إلى هذا الدور بالصدفة.
المغرب لم يعد بحاجة إلى شهادة الخصوم
المنتخب المغربي لم يعد في حاجة إلى من يمنحه شهادة حسن سلوك كروية. نتائجه تتحدث عنه.
هذا المنتخب أصبح رقماً حقيقياً في كرة القدم العالمية، منذ إنجازه التاريخي في مونديال قطر، ثم عبر حضوره القوي في مونديال 2026، حيث دخل الأدوار الإقصائية بثقة، وفرض نفسه أمام منتخبات كبيرة.
الأهم من النتائج أن المغرب غير صورته. لم يعد منتخباً ينتظر المفاجأة، بل منتخباً تدرسه الصحافة الهولندية، ويذكر قادة الخصوم أسماء لاعبيه، ويتعامل معه كبار المدربين بحذر واحترام.
هذه الصورة الجديدة هي ما يزعج بعض الأصوات. لأنها تكسر السردية القديمة التي كانت تحاول حصر الكرة المغربية في الحماس والجمهور فقط. اليوم هناك موهبة، تنظيم، احتراف، مشروع، وجيل يفرض النقاش.
حين تصبح عقدة المغرب أكبر من حب الكرة
في جزء من الخطاب الرياضي الجزائري، يظهر المغرب أحياناً وكأنه الخصم الدائم حتى عندما لا تكون الجزائر طرفاً في المباراة.
المغرب يواجه هولندا، لكن بعض التعليقات تبدو كأنها صادرة من غرفة خصم مباشر، لا من صحافة يفترض أن تراقب وتفسر.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يتحدث بعض هؤلاء عن كرة القدم فعلاً، أم عن عقدة سياسية متنكرة في لباس رياضي؟
فالصحافي الذي لا يستطيع الاعتراف بقوة خصم لأن اسمه المغرب، فقد خسر شرطاً أساسياً في المهنة: القدرة على رؤية الواقع كما هو، لا كما يتمناه.
الفارق بين الصحافة والوهم
الصحافة الهولندية، رغم أنها تساند منتخب بلادها طبيعياً، لم تنفِ قوة المغرب. لم تسخر من “أسود الأطلس”، ولم تعتبر المباراة محسومة، ولم تنظر إلى المغرب من فوق.
بل فعلت ما تفعله الصحافة الجادة: حددت مكامن الخطر، تحدثت عن حكيمي والصيباري ودياز وبوعدي، ربطت المباراة بسياقها الثقافي والرياضي، وناقشتها كقمة حقيقية في دور الـ32.
أما بعض المنابر الجزائرية، فتبدو أحياناً وكأنها تكتب لجمهور يريد سماع ما يريحه، لا ما يشرح له الحقيقة. وهذا أسوأ ما قد تقع فيه الصحافة: أن تتحول من نقل الواقع إلى صناعة وهم جماعي.
النقد ليس عداءً.. لكنه دفاع عن المهنة
من حق أي صحافي جزائري أو عربي أو أوروبي أن ينتقد المنتخب المغربي. لا أحد فوق النقد. يمكن القول إن المغرب يعاني دفاعياً، أو أن هولندا أقوى بدنياً، أو أن المباراة صعبة، أو أن اختيارات المدرب قابلة للنقاش.
لكن النقد شيء، والتقليل شيء آخر.
النقد يستند إلى وقائع. التقليل يستند إلى رغبة. النقد يحلل المباراة. التقليل يحاكم الهوية. النقد يرى الخصم كما هو. التقليل يراه كما يريد أن يكون.
وهذا هو الفرق بين صحافة تحترم نفسها، وصحافة تتحول إلى مدرج متوتر.
“أسود الأطلس” يردون في الملعب
الرد الحقيقي على هذه النبرة لا يكون بالصراخ، ولا بالتراشق، ولا بجر الجمهور إلى معارك جانبية. الرد يكون داخل الملعب.
كلما لعب المغرب بثقة، وكلما احترم تاريخه وجمهوره وقميصه، سقطت تلقائياً تلك القراءات المتعالية. لأن كرة القدم في النهاية لا تعترف بالرغبات، بل بالنتيجة، الأداء، والشخصية.
وإذا كان الخصم الهولندي، بكل تاريخه ونجومه، يتحدث عن المغرب باحترام، فإن مشكلة من يقلل من “أسود الأطلس” ليست مع المغرب فقط، بل مع الواقع نفسه.
النبرة المتعالية التي يعتمدها بعض الإعلام الرياضي الجزائري تجاه مباريات المغرب لا تضعف صورة “أسود الأطلس”، بل تكشف مأزق أصحابها.
فالمنتخب المغربي أصبح موضوع احترام لدى خصومه المباشرين، وتحليل لدى الصحافة الدولية، وقلق لدى المنتخبات الكبرى. ومن لا يرى ذلك، فمشكلته ليست في الكرة المغربية، بل في الزاوية التي ينظر منها.
نعم، قد يفوز المغرب أو يخسر أمام هولندا، فهذه كرة قدم. لكن ما لا يمكن إنكاره أن “أسود الأطلس” دخلوا مرحلة جديدة: مرحلة لا ينتظرون فيها اعتراف المتوترين، لأن احترام الكبار وصل قبل صافرة البداية.

