دعا المركز المغربي للإعلام الأمازيغي إلى فتح نقاش وطني جاد حول وضعية قناة “تمازيغت” والإنتاجات الناطقة بالأمازيغية داخل الإعلام العمومي، معتبرا أن المكتسبات الدستورية والمؤسساتية التي حققتها الأمازيغية خلال السنوات الأخيرة لم تنعكس بالشكل المطلوب على حضورها الإعلامي.
وأكد المركز، في بيان للرأي العام حرر بالدار البيضاء بتاريخ 24 يونيو 2026، أن مرور أزيد من 16 سنة على إطلاق أول قناة ناطقة بالأمازيغية بالمغرب سنة 2010، وما تلاه من اعتراف دستوري بالأمازيغية لغة رسمية سنة 2011، والمصادقة على القانون التنظيمي رقم 26-16، واعتماد رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا وعطلة مؤدى عنها سنة 2023، كلها محطات كان يفترض أن تمنح الأمازيغية موقعا أقوى داخل الإعلام الوطني.
واعتبر البيان أن مسلسل إنصاف الأمازيغية، الذي دشنه الخطاب الملكي بأجدير وتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، رافقه، في المقابل، ما وصفه المركز بـ“الركود والتراجع” داخل الإعلام العمومي، منتقدا ما يراه “تهميشا” للأمازيغية في قنوات القطب العمومي والخاص.
وسجل المركز أن الأمازيغية، رغم وضعها كلغة رسمية، لا تحظى، حسب تقديره، بما يكفي من الموارد المالية والبشرية والإنتاجية داخل القنوات الرسمية، معتبرا أن حضورها في عدد من القنوات يظل محدودا أو قائما على إعادة بث إنتاجات قديمة، أو على مواد تبث في أوقات ضعيفة من حيث المتابعة.
وانتقد المركز ما اعتبره “تمييزا” في الميزانيات المخصصة للإنتاجات الناطقة بالأمازيغية مقارنة بالإنتاجات الناطقة بالعربية، مشيرا إلى أن بعض طلبات العروض تخصص، حسب البيان، مبالغ أقل للإنتاج الأمازيغي، رغم ما يتطلبه أحيانا من ترجمة ودبلجة، وهو ما يرى فيه المركز رسالة سلبية لشركات الإنتاج وللمجتمع.
وفي ما يخص قناة تمازيغت، أوضح المركز أنه سجل عددا من الملاحظات على تسيير المرحلة الأخيرة، من بينها ضبابية في تدبير القناة بعد تحويل إدارتها من إدارة مركزية إلى إدارة برامج، وإضافة السترجة بالأمازيغية على البرامج الأمازيغية، وإلغاء الدبلجة دون تعويضها بإنتاجات جديدة، وتقليص عدد البرامج والإنتاجات، سواء خلال رمضان أو على امتداد السنة.
كما انتقد البيان اعتماد كتابة الأمازيغية بالخط العربي في الهوية البصرية للقناة، والتراجع عن استعمال خط تيفيناغ في النشرات الإخبارية، معتبرا ذلك مسا بالهوية البصرية للقناة وبالاختيارات الرسمية المرتبطة بالأمازيغية.
وأشار المركز أيضا إلى ما وصفه برفض تغطية بعض الأنشطة الإشعاعية للمجتمع المدني، والتضييق على عدد من العاملين داخل القناة أو المتعاونين مع شركات الإنتاج، وغياب برامج موجهة للطفل، إضافة إلى ملاحظات أخرى مرتبطة بطريقة إنتاج بعض المواد وبث بعض البرامج.
وقال المركز إنه كان قد تفاءل في البداية بالمرحلة الجديدة لتصحيح ما اعتبره “منزلقات” سابقة، مؤكدا أنه مد يده للمساعدة دون شروط أو مقابل، غير أنه سجل، حسب البيان، تهميش مطالبه وعدم اعتماد مقترحاته التي يعتبرها أساسا لخارطة طريق لإصلاح مسار القناة.
واعتبر البيان أن قناة تمازيغت تعيش، في السنوات الأخيرة، وضعا “مأزوما ومخنوقا” لم يسمح، وفق تعبيره، بالحفاظ على المكتسبات السابقة ولا بتطوير الإنتاج بما يستجيب لانتظارات الجمهور المغربي، الذي ينتظر إعلاما عموميا قريبا من هويته وثقافته وذوقه العام.
كما استنكر المركز ما اعتبره “تصنيفا دونيا” للقناة، مستدلا على ذلك بما قال إنه ضعف في الإمكانيات اللوجستيكية والبشرية، ونسف للهيكلة الإدارية التي كانت تتوفر عليها منذ إطلاقها، وتقزيم إدارتها من مدير مركزي إلى مدير برامج، ووضعها في وضعية تدبير من طرف مسؤول من القناة الأولى.
وفي جانب آخر، اعتبر المركز أن إقصاء القناة من بعض التغطيات الدولية، بما فيها تغطية كأس العالم الحالي، وقبلها التغطية التي وصفها بالباهتة لكأس أمم إفريقيا الأخيرة، يعكس ما وصفه البيان بالتمييز الذي تعانيه قناة تمازيغت مقارنة بباقي القنوات.
وبخصوص الإنتاجات الناطقة بالأمازيغية، سجل المركز استمرار غياب التجديد والابتكار، وهشاشة المحتوى، والانحدار الفني والنمطية، وغياب أعمال تاريخية مغربية، والقطيعة مع هوية وثقافة الجمهور، وفق تعبير البيان.
كما أشار إلى موجة استياء رصدها على منصات التواصل الاجتماعي، قال إنها تعكس رفضا واسعا لما وصفه بـ“الحموضة” والابتذال وهدر المال العام، والتنديد بما سماه “لوبيات الإنتاج الفني”.
وسجل المركز كذلك غيابا كبيرا للإشهار بالأمازيغية، حتى داخل قناة تمازيغت، حيث تبث، حسب البيان، الوصلات الإشهارية بالعربية، إضافة إلى غياب التوازن بين الإنتاج السينمائي الناطق بالعربية والإنتاج السينمائي الناطق بالأمازيغية، سواء من حيث حجم الأعمال المدعمة أو طلبات عروض القنوات الوطنية.
كما انتقد استمرار احتكار بعض شركات الإنتاج للبرامج الخارجية وحصولها على عدد من الأعمال التلفزيونية دون أن تنعكس، حسب تقييم المركز، على مستوى الجودة.
وأمام هذا الوضع، تقدم المركز المغربي للإعلام الأمازيغي بعدد من التوصيات الموجهة إلى الرأي العام والوزارة الوصية ومسؤولي القطب العمومي، في مقدمتها فتح نقاش جدي حول وضع القناة الثامنة والإنتاجات الناطقة بالأمازيغية عموما.
ودعا المركز إلى مراجعة آليات انتقاء طلبات العروض لضمان تكافؤ الفرص وفتح المجال أمام الطاقات الشابة والمبدعين الحقيقيين، بعيدا عما وصفه بمنطق الاحتكار والمحسوبية.
كما طالب بربط التمويل بالجودة، من خلال اعتماد نظام يجعل الدفعات المالية لشركات الإنتاج مرتبطة بمدى تحقيق الأعمال لأهدافها وباحترام معايير فنية مقبولة.
ومن بين التوصيات التي قدمها البيان، إحداث مرصد وطني لتقييم المحتوى يضم خبراء في الإعلام والسوسيولوجيا والفيلم، تكون مهمته تقييم الأثر القيمي والتربوي والثقافي للإنتاجات قبل وبعد العرض.
كما شدد المركز على ضرورة الاستثمار في السيناريو، معتبرا أن أزمة الإنتاج التلفزيوني المغربي هي، في جوهرها، أزمة كتابة، داعيا إلى دعم ورشات كتابة احترافية تبتعد عن الارتجال والإسقاط.
وطالب المركز، في السياق نفسه، بتفعيل المحاسبة الإعلامية، داعيا المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري إلى التشدد في مراقبة مدى التزام القنوات العمومية بالخدمة العامة، وليس فقط بالضوابط التقنية.
وختم المركز المغربي للإعلام الأمازيغي بيانه بالدعوة إلى “إنقاذ” القناة الثامنة “تمازيغت” من حالة الركود والجمود، عبر الرفع من ميزانية الإنتاج، وفتح الباب أمام شركات إنتاج متخصصة ومبدعين يمتلكون رؤية فنية حديثة، واختيار مسؤولين ببرامج عمل واضحة وأهداف محددة.
كما ندد المركز بما قال إنها حملة تعرض لها بعض أعضائه خلال مراحل سابقة، مؤكدا استمراره في الترافع من أجل إصلاح الإعلام، باعتباره جزءا من الإصلاح التنموي الشامل الذي انخرطت فيه المملكة، بقيادة جلالة الملك محمد السادس.

