بعد أسابيع طويلة من التوتر العسكري والسياسي، دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران منعطفا جديدا، عقب الإعلان عن التوصل إلى اتفاق أولي يهدف إلى وقف الحرب، وفتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران.
غير أن هذا الإعلان، رغم أهميته، لا يعني أن الحرب انتهت فعليا. فالمعطيات المتوفرة إلى حدود اليوم تشير إلى أن الأمر يتعلق بإطار تمهيدي أو مذكرة تفاهم، ينتظر أن يتم توقيعها رسميا يوم الجمعة في سويسرا، قبل أن تبدأ مرحلة التنفيذ العملي.
وهنا تكمن حساسية اللحظة. فالمنطقة لا تقف أمام سلام مكتمل، بل أمام اختبار سياسي وأمني دقيق: هل يتحول الاتفاق إلى نهاية فعلية للتصعيد، أم يبقى مجرد هدنة واسعة قابلة للانهيار عند أول خلاف؟
بحسب وكالة أسوشيتد برس، أكدت إيران وجود الاتفاق، لكنها شددت في الوقت نفسه على أنها لن تبدأ تنفيذ بنوده قبل التوقيع الرسمي. وهذا التفصيل مهم، لأنه يفرض الحذر في قراءة الحدث، ويمنع التعامل معه كأنه إعلان نهائي بانتهاء الحرب.
ويرتكز الاتفاق، وفق ما رشح من معطيات، على ثلاث نقاط مركزية: تمديد وقف إطلاق النار، إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ورفع الحصار البحري الأمريكي. وهذه البنود ليست مجرد تفاصيل تقنية، لأن مضيق هرمز يمثل واحدا من أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، وأي إغلاق أو اضطراب فيه ينعكس بسرعة على أسعار النفط والغاز والأسواق الدولية.
وقد ظهر أثر الإعلان مباشرة في الأسواق، حيث تراجعت أسعار النفط وانخفض الدولار، بعدما تلقى المستثمرون خبر الاتفاق باعتباره مؤشرا على تراجع خطر التصعيد في الخليج. لكن هذا الارتياح المالي يبقى مشروطا بمدى تنفيذ الاتفاق فعليا، لا بمجرد الإعلان عنه.
اللافت في هذا الاتفاق أنه يمنح كل طرف فرصة لتقديم الرواية التي تناسبه. واشنطن تستطيع أن تقول إنها فتحت طريقا للخروج من حرب مكلفة سياسيا واقتصاديا. وطهران تستطيع أن تقول إنها لم تنكسر، وأنها انتزعت رفع الحصار وفتح المضيق ضمن تسوية تحفظ لها هامشا من القوة.
لكن خلف هذه اللغة الدبلوماسية، ما زالت الملفات الثقيلة معلقة. فالاتفاق لا يحسم بشكل نهائي مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ولا مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، ولا برنامج الصواريخ، ولا علاقة طهران بحلفائها في المنطقة. ووفق رويترز، فإن هذه القضايا ستبقى موضوع مفاوضات لاحقة، ضمن مهلة زمنية قد تكون صعبة ومعقدة.
وهذا ما يجعل الاتفاق أقرب إلى “باب مفتوح” لا إلى “نهاية مغلقة”. فقد ينجح إذا التزم الطرفان بخفض التصعيد، ونجحت الوساطات في تحويل البنود العامة إلى إجراءات واضحة. وقد يتعثر إذا اختلفت واشنطن وطهران حول تفسير الاتفاق، أو إذا انفجرت إحدى الجبهات المرتبطة بالصراع.
وتبقى الجبهة اللبنانية واحدة من أكثر النقاط حساسية. فاستمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان، خاصة ضد مواقع مرتبطة بحزب الله، يمكن أن يربك مسار التهدئة، لأن طهران تنظر إلى هذه الساحة باعتبارها جزءا من معادلة الضغط الإقليمي. وفي المقابل، لا تبدو إسرائيل معنية تلقائيا بكل ما تتفق عليه واشنطن وطهران، وهذا ما يزيد هشاشة الاتفاق.
ومن زاوية أوسع، يظهر أن الحرب لم تعد فقط مواجهة عسكرية مباشرة، بل أصبحت صراعا على الاقتصاد والممرات البحرية والطاقة والنفوذ. لذلك لم يكن غريبا أن يكون مضيق هرمز في قلب الاتفاق. ففتح المضيق لا يعني فقط عودة السفن إلى العبور، بل يعني أيضا محاولة إعادة الثقة إلى سوق الطاقة، وطمأنة الدول المستوردة للنفط والغاز.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى نهاية الحرب ما زال يحتاج إلى أكثر من إعلان. يحتاج إلى توقيع واضح، وآلية تنفيذ، وضمانات، ومراقبة، وتفاهمات لاحقة حول الملفات التي تسببت أصلا في الانفجار. ومن دون ذلك، قد يتحول الاتفاق إلى استراحة قصيرة بين جولتين من التوتر.
الوساطة الباكستانية والقطرية لعبت دورا مهما في دفع الطرفين إلى هذه النقطة. لكن نجاح الوساطة لا يقاس فقط بإخراج بيان سياسي، بل بقدرتها على تثبيت التهدئة عندما تبدأ التفاصيل الصعبة: من يفتح المضيق؟ متى يرفع الحصار؟ كيف تتم مراقبة الالتزامات؟ وماذا سيحدث إذا خرق طرف من الأطراف الاتفاق؟
لذلك، فإن القراءة الأدق لما يجري اليوم هي أن واشنطن وطهران اقتربتا من لحظة فاصلة، لكنهما لم تصلا بعد إلى نهاية الطريق. الاتفاق الأولي مهم، وربما يكون بداية انفراج كبير، لكنه يظل مشروطا بالتوقيع والتنفيذ، وبقدرة الطرفين على منع الملفات العالقة من تفجير المسار من جديد.
هذا، والمنطقة أمام فرصة نادرة للتهدئة، لكنها فرصة هشة. فإذا تم توقيع الاتفاق واحترام بنوده، فقد يكون ذلك بداية نهاية الحرب. أما إذا بقيت البنود غامضة، أو استمرت الجبهات الموازية في الاشتعال، فقد يكتشف الجميع أن ما تم الإعلان عنه لم يكن نهاية الحرب، بل مجرد محاولة لتأجيل انفجار أكبر.
