طفرة كهربائية في بريطانيا.. سوق السيارات يحقق أفضل أداء منذ ما قبل الجائحة

طفرة كهربائية في بريطانيا.. سوق السيارات يحقق أفضل أداء منذ ما قبل الجائحة

بعد سنوات من الضغط الذي خلفته الجائحة، واضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف السيارات الجديدة، عاد سوق السيارات في بريطانيا ليبعث إشارة قوية خلال شهر ماي 2026. فقد سجلت مبيعات السيارات الجديدة أفضل أداء لها في شهر ماي منذ سنة 2019، في مؤشر يقرأه المتابعون كعلامة على تحسن الطلب، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن تحول أعمق داخل السوق: السيارات الكهربائية لم تعد هامشاً صغيراً، بل أصبحت أحد محركات النمو الرئيسية.

المعطيات التي نشرتها جمعية مصنعي وتجار السيارات في بريطانيا SMMT، ونقلتها وكالة Reuters، تظهر أن السوق لم ينتعش فقط من حيث الأرقام الإجمالية، بل عرف أيضاً تغيراً واضحاً في اختيارات المستهلكين. فبينما تراجعت سيارات البنزين والديزل، قفزت السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن، ما يجعل شهر ماي لحظة مهمة لفهم الاتجاه الجديد لصناعة السيارات البريطانية.

160 ألف سيارة جديدة وارتفاع بـ7.1%

بلغ عدد السيارات الجديدة المسجلة في بريطانيا خلال ماي 2026 حوالي 160,662 سيارة، مقابل 150,070 سيارة في ماي 2025، أي بزيادة قدرها 7.1%. ووفق Reuters، يعد هذا الأداء الأقوى لشهر ماي منذ 2019، أي منذ الفترة التي سبقت اضطرابات كوفيد-19 وما تبعها من أزمات في سلاسل الإمداد ونقص الرقائق وتراجع ثقة المستهلكين.

هذه الأرقام لا تعني أن السوق عاد بالكامل إلى قوته التاريخية، لكنها تمنح القطاع جرعة ثقة مهمة. فالارتفاع جاء في شهر لا يعتبر عادة من أشهر الذروة مثل مارس أو شتنبر، حيث تؤثر لوحات التسجيل الجديدة في بريطانيا على قرارات الشراء. لذلك فإن تحسن ماي يعطي انطباعاً بأن الطلب الحقيقي صار أكثر صلابة، خصوصاً لدى الأفراد.

السيارات الكهربائية تقود الانتعاش

العنصر الأبرز في هذا التحسن هو الأداء القوي للسيارات الكهربائية العاملة بالبطارية. فقد سجلت هذه الفئة 43,931 سيارة في ماي، بنمو بلغ 34.2% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، لترتفع حصتها الشهرية إلى 27.3% من السوق. كما بلغ عدد السيارات الكهربائية المسجلة منذ بداية السنة 220,629 سيارة، بحصة سوقية تقارب 23.9%.

هذه الأرقام توضح أن التحول الكهربائي في بريطانيا لم يعد محصوراً في فئة صغيرة من المستهلكين الباحثين عن التكنولوجيا الجديدة. فالتوسع في الطرازات المتاحة، وتحسن العروض التجارية، وارتفاع تكاليف الوقود، كلها عوامل دفعت عدداً أكبر من المشترين إلى التفكير في الكهرباء كخيار عملي وليس فقط بيئياً.

الهجينة القابلة للشحن تكسب أرضاً أيضاً

إلى جانب السيارات الكهربائية الخالصة، حققت السيارات الهجينة القابلة للشحن PHEV نمواً قوياً أيضاً. فقد ارتفعت تسجيلاتها في ماي إلى 22,167 سيارة، بزيادة 23.9%، لتبلغ حصتها 13.8% من السوق. وبذلك وصلت السيارات التي يمكن شحنها من الكهرباء، سواء كانت كهربائية بالكامل أو هجينة قابلة للشحن، إلى أكثر من 66 ألف سيارة خلال شهر واحد.

هذه المعطيات تكشف أن المستهلك البريطاني لا ينتقل إلى الكهرباء بطريقة واحدة. فهناك من يختار السيارة الكهربائية الكاملة، وهناك من يفضل حلولاً هجينة تمنحه شعوراً أكبر بالأمان في السفر الطويل، خصوصاً في ظل استمرار النقاش حول البنية التحتية للشحن وسرعة انتشار نقاط الشحن خارج المدن الكبرى.

البنزين والديزل تحت الضغط

في المقابل، تراجعت سيارات البنزين بنسبة 7.1% خلال ماي لتسجل 66,223 سيارة، بينما تراجعت سيارات الديزل بنسبة 2.2% إلى 7,622 سيارة فقط. ورغم أن البنزين ما يزال الفئة الأكبر بحصة 41.2% خلال الشهر، فإن الاتجاه العام واضح: حصته تتآكل سنة بعد أخرى، بينما تواصل السيارات الكهربائية والهجينة الصعود.

على مستوى الأشهر الخمسة الأولى من 2026، تراجع البنزين بنسبة 2.5% والديزل بنسبة 7.4%. هذا التراجع لا يعني اختفاء المحركات التقليدية قريباً، لكنه يشير إلى أن السوق البريطاني يتحرك تدريجياً نحو مزيج جديد، تكون فيه الكهرباء أكثر حضوراً، وتصبح فيه قرارات الشراء مرتبطة بتكلفة التشغيل، الضرائب، والحوافز الحكومية.

عودة قوية للمشترين الأفراد

من التفاصيل المهمة أيضاً أن تسجيلات المشترين الأفراد ارتفعت بنسبة 17.2% في ماي، لتصل إلى 65,781 سيارة. وهذا مؤشر مهم لأن السوق البريطاني كان يعتمد في فترات كثيرة على مشتريات الأساطيل والشركات أكثر من طلب الأسر والأفراد. ارتفاع هذا النوع من الطلب يعني أن المستهلكين العاديين بدأوا يعودون بقوة إلى صالات العرض.

وتربط SMMT هذا التحسن بتنوع الطرازات، والعروض التنافسية من الوكلاء، ودعم الحكومة لبعض البرامج التي تستهدف تسريع تبني السيارات الكهربائية، مثل Electric Car Grant. لكن رغم ذلك، ما تزال الصناعة تعتبر أن الانتقال الكهربائي يحتاج دعماً أوسع حتى يواكب أهداف بريطانيا المناخية والتنظيمية.

الفجوة بين النمو والأهداف الرسمية

رغم الارتفاع القوي للسيارات الكهربائية، تؤكد الأرقام أن السوق ما يزال دون المسار المطلوب لتحقيق أهداف السيارات عديمة الانبعاثات. فحصة السيارات الكهربائية منذ بداية السنة تدور حول 24%، بينما يشير سياق القطاع إلى هدف أعلى يبلغ نحو 33%. هذه الفجوة تعني أن النمو الحالي مهم، لكنه غير كافٍ وحده لتلبية الطموحات التنظيمية.

هذا ما يجعل الخبر مزدوج القراءة: من جهة، هناك انتعاش واضح وثقة أكبر في السيارات الكهربائية. ومن جهة أخرى، لا تزال الأسعار، البنية التحتية للشحن، وتردد بعض المستهلكين عوامل تحد من سرعة الانتقال. لذلك يبقى السؤال الحقيقي ليس هل تكبر سوق السيارات الكهربائية، بل هل تكبر بالسرعة المطلوبة؟

لماذا يهم هذا الخبر خارج بريطانيا؟

أهمية هذه الأرقام لا تقف عند حدود بريطانيا. فالسوق البريطاني من أكبر أسواق السيارات في أوروبا، وما يحدث فيه يمنح مؤشراً مبكراً على سلوك المستهلك الأوروبي أمام التحول الكهربائي. إذا استمر الطلب على السيارات الكهربائية والهجينة في النمو، فسيضغط ذلك على الشركات التقليدية لتوسيع عروضها، وعلى الحكومات لتسريع البنية التحتية للشحن.

كما أن نمو السوق البريطاني يأتي في وقت تتسع فيه المنافسة بين الشركات الأوروبية، الأمريكية، والكورية، مع حضور متزايد للعلامات الصينية التي تقدم سيارات كهربائية بأسعار أكثر تنافسية. لذلك فإن أفضل شهر ماي منذ 2019 ليس مجرد رقم إيجابي، بل جزء من معركة أكبر على مستقبل صناعة السيارات في أوروبا.

انتعاش واعد.. لكن الطريق ما يزال طويلاً

سجلت بريطانيا في ماي 2026 أفضل أداء شهري لمبيعات السيارات الجديدة منذ 2019، مدفوعة بنمو قوي للسيارات الكهربائية وعودة واضحة للمشترين الأفراد. غير أن هذه الانتعاشة لا تخفي التحديات الكبرى أمام القطاع، خصوصاً في ما يتعلق بسرعة تبني السيارات عديمة الانبعاثات وتوفير بنية شحن كافية ومقنعة للمستهلكين.

الرسالة الأساسية من أرقام ماي واضحة: السوق البريطاني يتحرك، والكهرباء تتقدم، لكن تحقيق التحول الكامل يحتاج أكثر من نمو شهري قوي. يحتاج إلى ثقة طويلة الأمد، أسعار مناسبة، شحن أسهل، وسياسات مستقرة تجعل قرار شراء سيارة كهربائية أقل تردداً وأكثر وضوحاً.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله