تشهد الأوساط التربوية بالمغرب خلال الموسم الدراسي الحالي نقاشاً واسعاً حول جهاز كشف وسائل الغش الإلكتروني الذي تم اعتماده ببعض مراكز الامتحانات في إطار تعزيز نزاهة الاستحقاقات الإشهادية.
وبينما ترى الجهات المدافعة عن هذا الإجراء أنه يندرج ضمن جهود محاربة الغش وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين، تعالت أصوات أخرى عبرت لموقع أكادير 24 عن استيائها من طريقة تنزيله داخل بعض المؤسسات التعليمية.
وأفاد عدد من التلاميذ والأطر التربوية أن استعمال هذا الجهاز خلف حالة من الارتباك والتوتر لدى بعض الممتحنين، خاصة أولئك المعروفين بتفوقهم الدراسي واعتمادهم على التحضير الجيد أكثر من أي وسائل أخرى. واعتبر بعضهم أن الأجواء التي رافقت عمليات المراقبة المكثفة أثرت نسبياً على التركيز النفسي والذهني خلال الساعات الأولى من الامتحانات، إلى درجة وصف الجهاز من طرف البعض بـ”جهاز الخوف و الترهيب” أكثر منه وسيلة للردع.
وفي المقابل، سجلت معطيات متداولة تفاوتاً في تطبيق هذا الإجراء بين عدد من اقسام الامتحان، حيث أكد متابعون أن الوقت وعدد المؤسسات لحسن الحظ لم يسعف في تنفيذ ذات الإجراء ببعض الأقسام بنفس المؤسسة مثلا ، كما أشار عدد من التلاميذ إلى أن فعالية هذه الوسائل تبقى محل نقاش، معتبرين أنها لم تحقق الأثر المنتظر منها في عدد من الحالات معتبرينها غير فعالة.
ويبقى الحكم النهائي على جدوى هذه التجربة رهيناً بتقييم موضوعي وشامل بعد الإعلان عن النتائج وانتهاء مختلف مراحل الامتحانات، بما يتيح الوقوف على مدى مساهمة هذه الإجراءات في الحد من الغش من جهة، وضمان مرور الامتحانات في أجواء نفسية وتربوية سليمة من جهة أخرى. فالتحدي الحقيقي يظل في تحقيق التوازن بين صرامة المراقبة واحترام راحة المترشحين وطمأنينتهم أثناء اجتياز الامتحانات.
وللاشارة فقد صرح المركز المغربي لحقوق الإنسان إنه يتابع بـ”بالغ القلق والاستياء المجريات والظروف التي مر فيها الامتحان الجهوي، وما ستعرفه أجواء الامتحان الوطني المقبل لنيل شهادة البكالوريا، بخصوص نظام جهاز كشف الغش الذي اعتمدته وزارة التربية الوطنية خلال الموسم الدراسي الحالي”.
وأضاف المركز، استنادا إلى معطيات وصفها بـ”المقلقة”، الواردة من مختلف الأقاليم، أنه وقف على “تجاوزات خطيرة رافقت تنزيل قرار الاستعانة بأجهزة كشف الغش الإلكتروني داخل قاعات الامتحان”، مبرزا أن “هذه الممارسات حوّلت فضاءات التربية والتعليم إلى ما يشبه ثكنات للاستنطاق والترهيب، وهو ما يستدعي دق ناقوس الخطر عبر مجموعة من النقاط”.
وأشارت الهيئة ذاتها، في بيان لها، إلى أن “دخول اللجان باستعمال أجهزة الكشف بعد ولوج التلاميذ وجلوسهم تسبب في ضياع قسري لزمن الامتحان، يتراوح بين 15 إلى 40 دقيقة من التأخير في كل حجرة دراسية”، مضيفا أن “هذا الإجراء العشوائي في منهجيته يشكل حيفا صارخا، خاصة في حق التلاميذ المجدين والمثابرين الذين استعدوا طيلة السنة بنزاهة، ليجدوا أنفسهم ضحية هدر زمن هم أولى بكل ثانية منه لإنجاز اختباراتهم”.
وأوضح البيان أن “الطريقة الارتجالية التي استعملت بها هذه الأجهزة داخل القاعات أنتجت أجواء مشحونة بالترهيب والتخويف والتشويش الذهني والنفسي الخطير على المترشحين”، مؤكدا أنه “بدل توفير مناخ تربوي هادئ ومحفز يساعد على التركيز جرى التعامل مع التلاميذ بمنطق ‘التلميذ متهم حتى تثبت براءته’، عبر تفتيش بطرق غريبة تتجاوز الضوابط التربوية لتشبه عمل لجان الضابطة القضائية في خرق سافر لحقوق الطفل والتلميذ”.
وأضاف المركز المغربي لحقوق الإنسان أنه يجدد انخراطه “المبدئي والصارم في كل الجهود الرامية إلى تحصين مصداقية الشواهد الوطنية ومحاربة كل أشكال الغش”، غير أنه يعبر في المقابل عن رفضه القاطع لـ”المقاربات الارتجالية والأمنية التي تمس بكرامة المتعلمين وتضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الصميم”.
وأكد المصدر ذاته أن المركز المغربي لحقوق الإنسان وإن كان يؤكد بقوة أنه ضد الغش بكل تلاوينه، ومع حماية مصداقية الشهادات التعليمية الوطنية، فإنه يطالب بـ”ضرورة اتخاذ تدابير عملية ملائمة وغير مضرة بالعملية التعليمية ولحظة الامتحان، التي تبقى لحظة حساسة جدا واستثنائية في مسار المتعلم”.
وأبرزت الوثيقة أن “الضرر النفسي والزمني الناتج عن هذه الإجراءات العشوائية يدفع ثمنه بالدرجة الأولى التلاميذ النجباء والتلميذات النجيبات، الراغبون والراغبات في تحصيل معدلات متميزة تخول لهم ولوج المدارس والمعاهد والمسارات ذات الاستقطاب المحدود”، معتبرا أن “هذه المقاربة تمثل ضربا مباشرا للاستحقاق وتكافؤ الفرص”.
ش.عبدالرحيم
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله