بوجلود بإنزكان.. حين تزاحم الصور الغريبة ذاكرة الفرح الشعبي

7 دقائق (معدل القراءة)
شباب يشاركون في احتفالات بوجلود بإنزكان

بوجلود ليس قناعا يضعه الشاب على وجهه ثم يرميه في آخر الليل. وليس جلدا يعلقه على كتفيه ليجري في الأزقة بلا معنى. بوجلود ذاكرة حي، وصوت دف، ورائحة جلد، وضحكة أطفال، وفرجة خرجت من عمق سوس لتمنح أيام العيد نكهتها الشعبية الخاصة.

لكن ما يحدث اليوم في بعض مشاهد بوجلود بإنزكان يطرح أسئلة مؤلمة. هناك صور بدأت تزاحم روح هذا الموروث. صور لا تخرج من حكايات الأجداد، ولا من الذاكرة الشعبية للمدينة، بل تبدو مستوردة من عوالم أخرى، غريبة في لباسها، صادمة في رموزها، ومربكة في رسائلها.

الغيرة على بوجلود لا تعني رفض الفرح، ولا محاصرة الشباب، ولا تحويل الاحتفال إلى درس جامد في التراث. الفرح حق. والشباب من حقهم أن يحتفلوا، يبدعوا، يضيفوا، ويمنحوا للموروث نفسا جديدا. لكن الفرق كبير بين التجديد والتشويه. كبير بين تطوير الفرجة الشعبية، وبين إغراقها في مظاهر لا تشبهها.

في السنوات الأخيرة، صار بعض المشاركين يذهبون بعيدا في التنكر. لم يعد الأمر يقتصر على الجلد والقناع والإيقاع والحركة الساخرة التي يعرفها الناس. دخلت أشكال غريبة، وملابس مستفزة، ورموز قاتمة، وملامح يربطها كثيرون بثقافات لا علاقة لها ببوجلود ولا ببيلماون ولا بذاكرة إنزكان.

وهنا يحق للغيورين أن يسألوا: ماذا بقي من بوجلود إذا ضاعت رموزه الأصلية؟ وماذا يبقى من الفرجة الشعبية إذا تحولت إلى خليط من صور مرعبة ولباس مشوش واستعراضات لا يعرف أحد من أين جاءت ولا ماذا تعني؟

المشكل ليس في أن يتنكر الشباب. التنكر جزء من الفرجة. والمشكل ليس في أن يضحك الناس أو يملؤوا الشوارع بالحركة. ذلك كان دائما من روح بوجلود. المشكل يبدأ حين تصبح الفرجة وسيلة للصدمة بدل البهجة، وحين يطغى الاستفزاز على المرح، وحين تتحول المناسبة إلى سباق في الغرابة بدل أن تكون لحظة جماعية تربط الحاضر بالماضي.

بوجلود، في أصله، كان بسيطا وقويا في الوقت نفسه. جلد أضحية، قناع، إيقاع، مشاهد ساخرة، تفاعل مع الناس، وبعض الفوضى المحكومة بعرف الحي وروح الجماعة. كان الناس يعرفون حدوده حتى وإن لم يكتبها أحد. كانت الفرجة تخرج من المجتمع وتعود إليه. أما اليوم، فهناك خوف من أن تخرج بعض المظاهر من شاشة الهاتف أكثر مما تخرج من ذاكرة المدينة.

لقد صار الإنترنت يصنع صورا أسرع من الحكاية. يشاهد الشاب قناعا غريبا، أو هيئة صادمة، أو رمزا لا يفهم خلفيته، فيحمله إلى الشارع كأنه جزء من بوجلود. ومع الوقت، قد يصدق الجيل الجديد أن هذه الصور من صميم التراث، بينما هي في الحقيقة طارئة عليه، وتحتاج إلى نقاش صريح قبل أن تتحول إلى عادة.

ولا يمكن تجاهل ملاحظة أخرى يرددها عدد من الغيورين: بعض أشكال التنكر التي يتشبه فيها شباب بالفتيات، أو التي تعتمد مبالغة في الهيئة واللباس والحركة، تثير بدورها نقاشا داخل المجتمع المحلي. هنا أيضا لا نحتاج إلى خطاب جارح ولا إلى أحكام على الأشخاص، بل إلى سؤال ثقافي واضح: هل ما يظهر اليوم يخدم روح بوجلود؟ هل يضيف إليها معنى؟ أم يحولها إلى مساحة مفتوحة لكل صورة مثيرة للجدل؟

الموروث الشعبي لا يعيش بالمنع وحده، ولا يحيا بالفوضى أيضا. يحتاج إلى توازن. يحتاج إلى من يحميه دون أن يخنقه، ومن يطوره دون أن يمسخ ملامحه. ولذلك فإن الدعوات إلى الحد من المظاهر الدخيلة ليست حربا على الشباب، بل نداء لإعادة البوصلة إلى مكانها.

المطلوب ليس إغلاق الشوارع في وجه بوجلود، ولا مطاردة المشاركين، ولا تحويل الفرح إلى ملف أمني. المطلوب تأطير ثقافي وتنظيم محلي ذكي. جمعيات، فنانان، باحثون، سلطات محلية، مجالس منتخبة، آباء وأمهات، وكل من يؤمن بأن التراث لا يُترك للصدفة.

يمكن تنظيم عروض واضحة في فضاءات محددة. يمكن تشجيع الفرق التي تحترم روح بوجلود الأصلية. يمكن تنظيم ورشات للأطفال والشباب حول تاريخ بيلماون ومعانيه. يمكن فتح نقاش محلي حول اللباس والرموز والسلوك في الشارع. ويمكن أيضا منح قيمة للفرق التي تبدع من داخل الذاكرة، لا من خارجها.

فبوجلود لا يحتاج إلى رموز سوداء حتى يكون قويا. ولا يحتاج إلى مظاهر صادمة حتى يجذب الأنظار. قوته في بساطته. في صلته بالعيد. في جلده ورقصه وإيقاعه وسخريته الشعبية. في تلك العلاقة العجيبة بين الخوف والضحك، بين القناع والحي، بين الطفل الذي يهرب ضاحكا والشاب الذي يؤدي دورا يعرف الجميع حدوده.

التراث عندما يفقد حدوده يتحول إلى فوضى. وعندما يفقد معناه يتحول إلى قشرة. وهذا ما يخشاه الغيورون اليوم: أن يبقى اسم بوجلود حاضرا، بينما تختفي روحه شيئا فشيئا تحت طبقات من الصور المستوردة والرموز المشوشة.

إنزكان مدينة تعرف قيمة الفرجة الشعبية. وسوس كله يعرف أن بيلماون ليس مجرد لباس احتفالي، بل جزء من ذاكرة جماعية عاشت مع الناس جيلا بعد جيل. لذلك، لا يليق أن يُترك هذا الموروث يتغير بلا نقاش، أو أن يصبح كل شيء مقبولا فقط لأننا نخاف من كلمة “تأطير”.

التأطير ليس قمعا. التأطير حماية. والتنبيه ليس كراهية. التنبيه غيرة. والنقد ليس رفضا للفرح. النقد محاولة لإنقاذ الفرح من التشويه.

قد يقول البعض إن كل جيل يحتفل بطريقته. هذا صحيح. لكن كل جيل مطالب أيضا بأن يحترم ما تسلمه من الأجيال السابقة. لا يمكن لأي جيل أن يغير التراث حتى يمحو وجهه، ثم يطلب منا أن نصفق له باسم الحداثة أو الحرية أو الفرجة.

بوجلود يستطيع أن يتجدد. بل يجب أن يتجدد. لكن من داخل روحه. من داخل رموزه. من داخل جماله الشعبي. أما أن يتحول إلى خليط لا يشبه إنزكان ولا سوس ولا ذاكرة العيد، فذلك ليس تطورا، بل ضياع تدريجي للمعنى.

اليوم، الدعوة واضحة: دعوا الشباب يفرحون، لكن علموهم معنى ما يحتفلون به. دعوا بوجلود يخرج إلى الشارع، لكن لا تتركوه يتوه في صور لا تخصه. دعوا الفرجة تكبر، لكن حافظوا على قلبها.

فإذا ضاع قلب بوجلود، لن تنفع الأقنعة. وإذا ماتت روحه، لن ينقذه الضجيج.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.