من 1200 طن إلى 220 طنا.. هل تكشف نفايات أكادير تراجع ذبح الأضاحي؟

مخلفات أضاحي العيد

لا تقول النفايات كل الحقيقة، لكنها أحيانا تكشف ما لا تقوله الأسواق. وهذا بالضبط ما يفرض نفسه اليوم في أكادير، بعد المقارنة اللافتة بين كمية نفايات عيد الأضحى التي جُمعت سنة 2024، وتلك التي جُمعت هذه السنة 2026.

ففي عيد الأضحى 2024، تحدثت معطيات منشورة محليا عن جمع أزيد من 1200 طن من نفايات العيد بأكادير، بينما أظهرت معطيات حديثة متداولة هذه السنة تعبئة نحو 600 عامل نظافة وجمع أزيد من 220 طنا من مخلفات الأضاحي. الفارق كبير، ولا يمكن أن يمر دون سؤال: هل يتعلق الأمر فقط باختلاف في طريقة الإحصاء والجمع، أم أن جزءا مهما من الأسر لم يذبح الأضحية فعلا هذه السنة؟

إذا أخذنا الرقمين كما هما، فنحن أمام تراجع تقريبي من 1200 طن إلى 220 طنا، أي انخفاض بنحو 980 طنا، وبنسبة تقارب 82 في المائة. وحتى إذا اعتمدنا الرقم الذي ورد في توثيق حملة 2024، والذي تحدث عن جمع 1045.860 طنا إلى حدود فترة معينة من عملية النظافة، فإن الفارق مع 220 طنا يبقى ضخما، ويفوق 79 في المائة.

هذا الانخفاض لا يسمح وحده بإصدار حكم قطعي بأن 80 في المائة من الأسر لم تذبح. فكمية النفايات تتأثر بعوامل متعددة: طريقة الجمع، المجال الترابي الذي شملته العملية، توقيت احتساب الكميات، حجم الأضاحي، سلوك الأسر في التخلص من المخلفات، مدى استعمال الأكياس، وعدد الحاويات والنقط السوداء المعالجة. كما أن بعض المخلفات قد تدخل ضمن النفايات المنزلية العامة ولا تُحتسب دائما بنفس الطريقة.

لكن رغم هذه التحفظات، يبقى المؤشر قويا. لأن نفايات عيد الأضحى، بخلاف النفايات اليومية، ترتبط مباشرة بسلوك الذبح داخل المنازل والأحياء. عندما تتراجع بهذا الحجم، يصبح من المشروع طرح فرضية أن عددا مهما من الأسر لم يذبح الأضحية، أو أخر عملية الاقتناء، أو لجأ إلى حلول بديلة، أو اكتفى بالتقاسم العائلي، أو تخلى نهائيا عن الشعيرة بسبب الكلفة.

هذه الفرضية لا تأتي من فراغ. فالأيام التي سبقت العيد عرفت نقاشا واسعا حول ارتفاع أسعار الأضاحي، وارتباك العرض في عدد من فضاءات البيع، وشهادات مواطنين تحدثوا عن صعوبة العثور على أضحية مناسبة في الساعات الأخيرة. كما أن أسعارا تراوحت في السوق بين مستويات أرهقت القدرة الشرائية، خصوصا بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود، جعلت قرار الذبح أكثر صعوبة من السنوات السابقة.

الأضحية، دينيا، ليست واجبة على من لا يستطيع. لكن اجتماعيا، ظلت في المغرب علامة فرح وكرامة أسرية وحضور داخل الحي والعائلة. لذلك، حين تتخلى أسرة عن الذبح، فهي لا تتخذ قرارا اقتصاديا فقط، بل تعبر عن ضغط اجتماعي عميق: دخل محدود، غلاء معيشة، كراء، تمدرس، دواء، نقل، وفوق ذلك ثمن أضحية قد يتجاوز قدرة البيت بكثير.

من هنا تصبح نفايات العيد مؤشرا اجتماعيا أكثر مما هي معطى بيئيا فقط. فالأكياس التي لم تمتلئ، والحاويات التي لم تعرف الضغط نفسه، والطنّاج الذي لم يصل إلى مستويات السنوات السابقة، كلها قد تعكس تحولا في علاقة الأسر بالعيد. ليس لأن الناس تخلوا عن الشعيرة اختيارا، بل لأن السوق ربما دفع بعضهم إلى الانسحاب بصمت.

اللافت أيضا أن جماعة أكادير كانت قد اتخذت، هذه السنة، إجراءات استباقية لتدبير مخلفات العيد، شملت توزيع أكثر من 35 ألف كيس كبير الحجم عبر جمعيات الأحياء والسنديكات، إضافة إلى تعبئة بشرية وميدانية مهمة. وهذا يعني أن انخفاض الكمية لا يمكن تفسيره ببساطة بضعف التعبئة، لأن الاستعدادات كانت قائمة.

في 2024، كانت الاستعدادات أيضا واسعة، مع توزيع كميات كبيرة من الأكياس وتعبئة آليات وفرق نظافة، وتوقعات بأن تصل نفايات العيد إلى نحو 1200 طن، أي ما يعادل تقريبا ثلاثة أضعاف المتوسط اليومي للنفايات بجماعة أكادير. كما أعلنت الجماعة حينها عن تعبئة شاحنات وآليات وغسل وتعقيم الحاويات ومحيطها.

المقارنة، إذن، ليست بين مدينة مستعدة ومدينة غير مستعدة، بل بين عيدين يفترض أن يشكلا ضغطا بيئيا كبيرا. فإذا كان الضغط البيئي قد انخفض بهذا الشكل، فمن حق الصحافة والباحثين والمنتخبين أن يسألوا: هل انخفض الذبح فعلا؟ كم عدد الأسر التي لم تقتن أضحية؟ هل بسبب الغلاء؟ هل بسبب ضعف العرض؟ هل بسبب تغير السلوك؟ أم بسبب مزيج من كل ذلك؟

الجواب لا يجب أن يبقى في مستوى الانطباع. المطلوب اليوم أن تتحول هذه المؤشرات إلى معطيات دقيقة. يمكن لجماعة أكادير وشركات النظافة والسلطات المحلية أن تقارن بين أرقام 2022 و2023 و2024 و2026، حسب الأحياء، وحسب النقط السوداء، وحسب كمية مخلفات الأضاحي وحدها لا النفايات المنزلية العامة. عندها سنعرف هل يتعلق الأمر بانخفاض حقيقي في الذبح، أم بتغير في طريقة الجمع والإحصاء.

وإذا ثبت أن التراجع كبير فعلا، فسيكون ذلك مؤشرا اجتماعيا خطيرا. لأنه يعني أن عيد الأضحى، الذي كان مناسبة شبه جماعية داخل الأحياء، بدأ يتحول إلى شعيرة لا تستطيع فئات واسعة تحمل كلفتها. وهذا يفتح سؤالا أكبر حول القدرة الشرائية، وسلسلة إنتاج وتسويق الأضاحي، والدعم، والمضاربة، وشفافية الأرقام الرسمية حول الوفرة.

الأرقام البيئية قد تكون أصدق من الخطاب أحيانا. فإذا قالت الأسواق إن العرض كان موجودا، وقالت الأسر إنها لم تجد ما يناسب قدرتها، وقالت النفايات إن حجم مخلفات الذبح تراجع بشكل حاد، فإن الواجب لا يقتصر على تهنئة عمال النظافة، رغم أنهم يستحقون ذلك، بل يجب قراءة ما وراء الأكياس والحاويات.

عمال النظافة بأكادير كسبوا تحدي السرعة والتنظيم، لكن المدينة كشفت، من خلال حجم النفايات، سؤالا اجتماعيا عميقا: هل أصبح عيد الأضحى أثقل من قدرة عدد كبير من الأسر؟ وهل بدأت بعض العائلات تتخلى عن الذبح في صمت، دون أن يظهر ذلك في الإحصاءات الرسمية إلا من خلال مؤشرات جانبية مثل تراجع مخلفات الأضاحي؟

هذا السؤال لا يتهم أحدا، لكنه يطلب الحقيقة. لأن فهم ما وقع في أكادير قد يساعد على فهم ما وقع في مدن أخرى. وإذا كان انخفاض النفايات يعكس فعلا انخفاض الذبح، فنحن أمام تحوّل اجتماعي يستحق الدراسة لا التجاهل.

هذا، ولا يمكن للنفايات وحدها أن تحسم الجواب. لكنها تضع أمامنا دليلا أوليا قويا يستحق التوقف. من 1200 طن إلى 220 طنا، الفارق ليس تفصيلا. إنه رقم يطلب تفسيرا. والتفسير قد يكون في السوق، وفي جيوب الأسر، وفي ذاكرة عيد تغيّر هذه السنة أكثر مما نعتقد.

جدول المقارنة بين 2024 و2026

ملاحظة: يمكن تمرير الجدول أفقيا لمشاهدة جميع المعطيات
السنة كمية النفايات المعلنة الملاحظة
2024 أزيد من 1200 طن معطيات منشورة محليا حول نفايات عيد الأضحى بأكادير.
2026 أزيد من 220 طنا معطيات حديثة متداولة حول مخلفات الأضاحي، مع تعبئة نحو 600 عامل نظافة.
الفارق التقريبي ناقص نحو 980 طنا انخفاض يقارب 82%، مع ضرورة التحقق من منهجية احتساب كل سنة قبل بناء أي استنتاج نهائي.
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله