اليوم العالمي لشجرة الأركان… هل نحتفل بالشجرة أم نودّعها بصمت؟

5 دقائق (معدل القراءة)

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام والصناعة الثقافية

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بـاليوم العالمي لشجرة الأركان 22 ماي 2026 باعتبارها رمزاً للصمود والتوازن البيئي والتنمية المستدامة، تتسلل من قلب الوسط المغربي صور صادمة تكشف واقعاً مختلفاً تماماً؛ واقعاً لا يشبه خطابات الاحتفاء ولا شعارات الحماية.
فعلى الطريق الرابطة بين تزنيت وسيدي إفني، وبالضبط بمنطقة ( اگرامن وزلن ادباها بوتزلافت …. ) قرب الأربعاء الساحل، تبدو شجرة الأركان وكأنها تخوض معركة صامتة ضد الموت:
جذور يابسة، أغصان منهكة مغلفة بمادة بيضاء مجهولة، وأشجار لفظت أنفاسها الأخيرة… مشهد يثير الخوف على واحدة من أعرق الثروات الطبيعية بالمغرب.

  • شجرة الأركان تحتضر بصمت

من يحتفل باليوم العالمي للأركان بينما المرض يلتهم آخر قلاعها؟
بينما تُرفع الشعارات وتُنظم الندوات احتفاءً بـ “اليوم العالمي لشجرة الأركان”، تكشف مشاهد ميدانية مؤلمة وجهاً آخر أكثر قسوة وصدمة: أشجار أركان مريضة، جذوع يابسة، وأخرى ماتت بالكامل في مشهد يبعث على القلق والخوف على واحدة من أعرق الأشجار التي ارتبطت بتاريخ الإنسان والمكان في المغرب.
ما شاهدته العين المجردة هناك لا يشبه مجرد تراجع طبيعي في الغطاء النباتي، بل يشبه كارثة بيئية حقيقية تتسلل بصمت. فهل يعلم المعنيون بالأمر بما يحدث؟ وهل توجد دراسات ميدانية تفسر هذا النزيف؟ أم أن الأمر سيُترك حتى نصل إلى نقطة اللاعودة؟
السكان المحليون الذين استفسرناهم حول الظاهرة تحدثوا عن “الرعي الجائر” باعتباره أحد الأسباب المحتملة، لكن السؤال الأكبر يبقى مطروحاً: هل يكفي تعليق المسؤولية على الرعي دون تقديم تفسير علمي واضح للرأي العام؟ وأين التقارير والمعطيات التي توضح حقيقة ما يجري داخل هذا المجال البيئي الحساس؟
لقد عاش المغاربة من قبل “مهزلة القرمزية” التي اجتاحت حقول الصبار وأتت على مساحات شاسعة منه، وسط غياب التواصل المبكر والشفافية الكافية. فهل يتكرر السيناريو نفسه اليوم مع شجرة الأركان؟
شجرة الأركان ليست مجرد مورد اقتصادي لإنتاج الزيت أو مادة للاحتفال في المؤتمرات والملتقيات، بل هي ذاكرة بيئية وحضارية ضاربة في عمق هذه الأرض. إنها شجرة قاومت الجفاف والتصحر لقرون، ورافقت الإنسان المحلي في تفاصيل حياته اليومية، حتى أصبحت جزءاً من الهوية الطبيعية والثقافية للمنطقة.
لكن ما الذي يحدث اليوم لهذه الشجرة الصامدة؟

  • أسئلة تنتظر أجوبة عاجلة
  • هل هناك مرض حقيقي يضرب أشجار الأركان في هذه المنطقة ؟
  • هل قامت المصالح المختصة بمعاينات ميدانية وتحاليل علمية؟
  • لماذا لا توجد بلاغات رسمية تطمئن المواطنين أو تشرح الوضع؟
  • هل يتعلق الأمر فقط بالرعي الجائر، أم أن هناك عوامل أخرى مرتبطة بالتغير المناخي أو الآفات أو الاستنزاف البيئي؟
  • ما حجم الأشجار المتضررة فعلياً؟
  • ألا يُعدّ هذا المرض خطرًا يهدّد الثروة الشجرية للأركان في الوطن؟
  • وهل توجد خطة استعجالية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
    إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في موت بعض الأشجار، بل في الصمت الذي يرافق هذا المشهد. لأن انقراض الأركان إن حدث لن يكون خسارة بيئية فحسب، بل خسارة حضارية وإنسانية لا يمكن تعويضها بسهولة، خصوصاً أن هذه الشجرة الفريدة ليست مجرد نبات يمكن إعادة زرعه في أي مكان، بل منظومة طبيعية متجذرة في تربة الجنوب المغربي منذ قرون طويلة.
    وفي الوقت الذي تُخصص فيه الاحتفالات والخطابات الرسمية للحديث عن “الاستدامة” و”حماية الأركان”، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى النزول للميدان، والإنصات لصوت الأرض قبل أن يتحول الاحتفال إلى رثاء متأخر لشجرة كانت يوماً رمزاً للحياة والصمود.
    كما أن المسؤولية اليوم لا تقع على جهة واحدة فقط، بل هي مسؤولية جماعية تستدعي تعبئة جميع المتدخلين؛ من السلطات المختصة، ووزارة الفلاحة، والجماعات الترابية، وجمعيات المجتمع المدني، والتعاونيات المحلية، والباحثين والخبراء البيئيين، من أجل فتح نقاش جاد ومسؤول حول ما تتعرض له شجرة الأركان، والعمل بشكل استعجالي على تشخيص الوضع واتخاذ إجراءات حقيقية لحماية هذا الإرث الطبيعي قبل فوات الأوان.
  • خاتمة

قد يكون أخطر ما تواجهه شجرة الأركان اليوم ليس المرض وحده، ولا الجفاف، ولا حتى الرعي الجائر… بل الاعتياد على المشهد والصمت تجاهه. فحين تبدأ الأشجار بالموت بصمت، وتغيب الحقيقة عن المواطنين، تصبح الكارثة أكبر من مجرد أزمة بيئية؛ تصبح أزمة وعي ومسؤولية.
واليوم، في مناسبة يفترض أن تُكرَّس لحماية الأركان، يبدو السؤال الحقيقي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل ما زلنا نحتفل بشجرة حية، أم نؤجل فقط لحظة الاعتراف بأنها تستغيث؟

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.