لم تعد قضية المنشآت الرياضية بأكادير تتعلق فقط بإصلاح ملعب، أو تهيئة قاعة، أو تجهيز فضاء لاحتضان مباراة كبرى. مع إحداث شركة AgadirRegionSport SA، تدخل المدينة وجهة سوس ماسة مرحلة مختلفة، عنوانها الأبرز: من سيدير هذه المنشآت بعد انتهاء الأشغال؟ وكيف ستشتغل طوال السنة؟ وهل ستتحول إلى عبء صيانة أم إلى رافعة رياضية واقتصادية دائمة؟
هذا هو السؤال الحقيقي خلف الشركة الجديدة. فالمغرب، وهو يستعد لاستحقاقات رياضية كبرى، لا يحتاج إلى ملاعب جاهزة يوم المباراة فقط، بل إلى منشآت تُدار بمعايير مهنية، وتستقطب الجماهير، وتنتج مداخيل، وتفتح أبوابها أمام الأندية والجمعيات والمدارس والفعاليات.
فكرة الشركة، بهذا المعنى، لا يمكن اختزالها في بنية إدارية جديدة. إنها اختبار لحكامة الرياضة بأكادير وسوس ماسة، واختبار لقدرة الجهة على تحويل بنياتها الرياضية من فضاءات موسمية إلى منشآت حية، تشتغل بمنطق الاستدامة، لا بمنطق الاستعداد المؤقت للتظاهرات.
بحسب المعطيات المنشورة، صادق مجلس جهة سوس ماسة، خلال دورة استثنائية عقدت يوم 5 دجنبر 2025، على إحداث الشركة الجهوية للرياضة Agadir Region Sport وعلى مشروع نظامها الأساسي. وقدم المشروع باعتباره آلية لتحديث حكامة تدبير المنشآت الرياضية، وتجويد خدماتها، ومواكبة الأوراش الكبرى التي تعرفها الجهة استعدادا لتظاهرات وطنية ودولية.
كما صادق المجلس الجماعي لأكادير، في دورة استثنائية بتاريخ 4 دجنبر 2025، على إحداث الشركة الجهوية للرياضة، ضمن شراكة تجمع جهة سوس ماسة، والدولة، والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، وجماعة أكادير، على أن تتولى هذه الشركة تدبير وتثمين البنيات الرياضية الجهوية.
وفي مرحلة لاحقة، نشر مرسوم بالجريدة الرسمية يقضي بإحداث شركة مساهمة باسم “شركة المنشآت الرياضية لأكادير – AGADIRREGIONSPORT SA”. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن المرسوم رقم 2.25.991 نُشر بتاريخ 21 يناير 2026، ويتعلق بالإحداث الرسمي لهذه الشركة.
المعطى المالي الأول يوضح طبيعة هذا المشروع. فقد حُدد الرأسمال التأسيسي للشركة في 20 مليون درهم، موزعة بين أربعة شركاء: الدولة، عبر وزارة الاقتصاد والمالية، بمساهمة 10 ملايين درهم، ومجلس جهة سوس ماسة بـ 4,5 ملايين درهم، والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بـ 3,5 ملايين درهم، وجماعة أكادير بـ 2 مليون درهم. كما تشير المعطيات ذاتها إلى أن رئاسة المجلس الإداري عُهدت إلى والي الجهة.
هذا التركيب ليس تفصيلا ماليا فقط. فهو يكشف طبيعة الشركة: ليست مقاولة خاصة بالمعنى التجاري الصرف، وليست مصلحة إدارية تقليدية، بل أداة تدبير مشتركة بين الدولة والجهة والجماعة والجامعة. وهذا النموذج قد يمنحها مرونة أكبر من الإدارة، لكنه يضع عليها، في المقابل، واجب الشفافية والنجاعة وقياس النتائج.
وتتمحور المهام المنتظرة من AgadirRegionSport SA حول أربعة اتجاهات رئيسية. الأول هو التدبير والاستغلال والصيانة المباشرة للمنشآت الرياضية بجهة سوس ماسة، بما يضمن جاهزيتها المستمرة. والثاني هو تحديث هذه المنشآت وتأهيلها وفق المعايير الدولية للجودة. أما الثالث فيرتبط بالتثمين التجاري وتطوير الأنشطة الاقتصادية، مثل رقمنة بيع التذاكر، واستغلال الفضاءات الإشهارية، وتنظيم الفعاليات، وتأجير المرافق للأنشطة الثقافية والتجارية. ويتمثل الاتجاه الرابع في تعزيز الرياضة القاعدية ورياضات القرب عبر إتاحة البنيات التحتية لفرق الأحياء والمدارس والجمعيات.
هذه المهام تضع الشركة أمام اختبار مزدوج: أن تخدم الرياضة القاعدية من جهة، وأن تخلق مداخيل وتثمن المنشآت من جهة أخرى. أي أن التحدي ليس رياضيا فقط، وليس ماليا فقط، بل هو تحدي حكامة يوازن بين الخدمة العمومية والمنطق الاقتصادي.
ولا يمكن الحديث عن AgadirRegionSport SA دون التوقف عند ملعب أدرار. فهذه المنشأة تمثل القلب الرمزي والعملي لهذا الرهان. المعطيات المنشورة حول الملعب تفيد بأنه افتتح سنة 2013، ويمتد على 32 هكتارا، ويقع على بعد حوالي 15 دقيقة من وسط المدينة و30 دقيقة من المطار. كما تشير المعطيات نفسها إلى أن طاقته الحالية تبلغ 43.500 مقعد، على أن ترتفع إلى 46.000 مقعد في أفق 2030.
ويخضع ملعب أدرار، وفق المعطيات المتوفرة، لمرحلتين من التأهيل: مرحلة أولى موجهة لمطابقته مع معايير الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، ثم مرحلة ثانية لملاءمته مع معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم في أفق مونديال 2030. وتشمل الرؤية المعلنة رفع الطاقة الاستيعابية، وتركيب سقف بانورامي بزاوية 360 درجة، وتحسين فضاءات كبار الشخصيات.
هذه المعطيات تجعل ملعب أدرار أول اختبار كبير للشركة. فالملعب لن يكون فقط فضاء لمباريات المنتخب أو التظاهرات الدولية، بل منشأة تحتاج إلى استغلال مستمر: مباريات الأندية، أنشطة رياضية، فعاليات تجارية، فضاءات ضيافة، إشهار، تذاكر رقمية، وصيانة تقنية لا تتوقف.
وهنا يظهر الفرق بين منطق “التهيئة” ومنطق “الاقتصاد الرياضي”. التهيئة تعني أن تكون المنشأة جاهزة في موعد محدد. أما الاقتصاد الرياضي فيعني أن تستمر المنشأة في إنتاج القيمة طوال السنة، عبر البرمجة، والتسويق، والخدمات، وتجربة الجمهور، والشراكات، والأنشطة الموازية.
قبل إحداث هذه الشركات الجهوية، كانت الشركة الوطنية لإنجاز وتدبير المنشآت الرياضية SONARGES حاضرة بقوة في تدبير عدد من الملاعب الكبرى. أما التحول الجديد فيتمثل في خلق شركات جهوية للتدبير، بينها AgadirRegionSport SA، ضمن موجة شملت مدنا أخرى مثل طنجة والدار البيضاء وفاس ومراكش وأكادير.
الفكرة، كما تظهر من المعطيات المتوفرة، هي نقل جزء من التدبير إلى مستوى جهوي أقرب إلى المنشآت والفاعلين المحليين. وهذا قد يسمح بسرعة أكبر في القرار، وتدبير أكثر ارتباطا بحاجيات المدينة والجهة. لكن النجاح لن يكون تلقائيا، لأن الشركة الجديدة ستحتاج إلى كفاءات، ونظام تعاقد واضح، وأهداف قابلة للقياس، وتنسيق دائم مع الأندية والجماعات والجامعة والقطاع الخاص.
أحد أهم التحولات في مفهوم المنشآت الرياضية هو الانتقال من “ملعب يستعمل يوم المباراة” إلى “منشأة متعددة المداخيل”. فملعب أدرار، وفق المعطيات التقنية المنشورة، يتوفر على فضاءات للوجبات والمشروبات، ومقصورات وصالونات لكبار الشخصيات، إضافة إلى فضاءات إشهارية وتجهيزات عرض وصوت وإنارة.
هذه العناصر تفتح الباب أمام اقتصاد رياضي حقيقي: ضيافة، إشهار، رعاية، فعاليات، متاجر، تذاكر رقمية، مطاعم مؤقتة، وتجارب مشجعين. وإذا أُديرت باحتراف، يمكن أن تخفف كلفة الصيانة وتخلق مداخيل جديدة للمنشأة والمدينة.
لكن الخطر أن تبقى هذه الإمكانات على الورق. فاستغلال الفضاءات يحتاج إلى عقود شفافة، وجاذبية تجارية، وجودة استقبال، وتسويق، وسلامة. كما يحتاج إلى برمجة لا ترتبط فقط بالمباريات الكبرى. فالملعب الحديث لا يعيش بعشرة أيام في السنة، بل بجدول أنشطة ممتد.
في المقابل، لا يجب أن يطغى البعد التجاري على البعد الاجتماعي. القيمة الحقيقية للشركة لن تقاس فقط بقدرتها على تنظيم حدث دولي، بل أيضا بمدى فتح المنشآت أمام الرياضة القاعدية. فالمعطيات المنشورة حول مهام الشركة تتحدث عن إتاحة البنيات التحتية لفرق الأحياء والمدارس والجمعيات، وتعزيز رياضات القرب.
هذا البعد مهم جدا لأكادير وسوس ماسة. فالمدينة والجهة لا تحتاجان فقط إلى منشآت براقة أمام كاميرات البطولات، بل إلى فضاءات تستقبل الشباب، وتوفر لهم ممارسة منظمة، وتخلق مسارا بين المدرسة والجمعية والنادي. وإذا بقيت المنشآت الكبرى مغلقة إلا في المناسبات، سيفقد المشروع جزءا من روحه الاجتماعية.
السؤال العملي هنا هو: هل ستنشر الشركة مستقبلا شروط استعمال المنشآت؟ هل ستكون هناك أثمنة تفضيلية للجمعيات والمدارس؟ هل ستخصص ساعات للرياضة القاعدية؟ هل ستفتح الملاعب الملحقة بشكل منظم؟ وهل ستُقاس استفادة الشباب بالأرقام؟
الزمن الرياضي للشركة واضح: كأس إفريقيا ثم كأس العالم 2030. فمجلس جماعة أكادير قدم إحداث الشركة ضمن سياق استعداد المدينة لاستقبال تظاهرات رياضية كبرى، بينما تربط المعطيات المتوفرة دورها بمواكبة مرحلة رياضية استثنائية يعرفها المغرب.
لكن الخطأ سيكون في حصر دور AgadirRegionSport SA في هذه المواعيد فقط. فالامتحان الأكبر سيبدأ بعد نهاية البطولات. حين تنطفئ الكاميرات، سيبقى السؤال: هل أصبح لدى أكادير نموذج مستدام لتدبير منشآتها الرياضية؟ أم ستعود المرافق إلى منطق الانتظار والصيانة الموسمية قبل كل حدث كبير؟
حتى لا تتحول الشركة إلى عنوان مؤسساتي جميل دون أثر واضح، يحتاج الرأي العام المحلي إلى تتبع مؤشرات محددة: كم منشأة ستديرها الشركة فعليا؟ ما برنامجها السنوي للاستغلال والصيانة؟ ما ميزانيتها التشغيلية؟ ما مداخيل التذاكر والإشهار والكراء؟ كم فعالية رياضية وثقافية ستحتضنها المنشآت سنويا؟ وما حصة الأندية والجمعيات والمدارس من الاستعمال؟
كما تطرح أسئلة أخرى لا تقل أهمية: هل ستنشر الشركة تقارير مالية وتدبيرية دورية؟ هل ستعتمد منصة رقمية للتذاكر والحجوزات؟ ما دورها في إدماج الشباب والرياضة النسوية ورياضة القرب؟ وكيف ستضمن ألا تتحول المنشآت إلى فضاءات نخبوية بعيدة عن أبناء الأحياء؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية الشركة، بل تمنحها إطارا للمساءلة. فالشركة التي تدبر منشآت عمومية، ممولة من مساهمات عمومية، يجب أن تقدم نتائج واضحة للسكان. والنجاح هنا لا يقاس فقط بصورة الافتتاح أو بجودة اجتماع إداري، بل بما سيشاهده المواطن بعد سنة وسنتين: منشآت مفتوحة، خدمات أفضل، برمجة منتظمة، ومداخيل واضحة.
هذا، وتبدو AgadirRegionSport SA أكثر من مجرد شركة جديدة في سجل المؤسسات. إنها اختبار جديد لحكامة الرياضة بأكادير وسوس ماسة. رأسمالها 20 مليون درهم، وشركاؤها يمثلون الدولة والجهة والجامعة والجماعة، ومهامها تمتد من الصيانة والتدبير إلى التثمين التجاري والرياضة القاعدية.
لكن قيمتها لن تظهر في قرار الإحداث وحده. ستظهر في قدرة الشركة على جعل ملعب أدرار وباقي المنشآت فضاءات نشيطة طوال السنة، لا مجرد واجهات للبطولات الكبرى. وستظهر أيضا في قدرتها على خلق مداخيل، وتحسين تجربة الجمهور، وصيانة المرافق، وفتح الأبواب أمام شباب الأحياء والجمعيات.
إذا نجحت AgadirRegionSport SA في هذا التوازن، فقد تتحول الرياضة في أكادير من تكلفة موسمية إلى اقتصاد حضري دائم. أما إذا بقيت منشآت المدينة مرتبطة فقط بالمواعيد الكبرى، فسنكون أمام مؤسسة جديدة بأدوات قديمة.
خلاصة المقال
تمثل AgadirRegionSport SA اختبارا جديدا لحكامة المنشآت الرياضية بأكادير، بين التحضير للتظاهرات الكبرى وبناء اقتصاد رياضي يشتغل طوال السنة.
- رأسمال الشركة يبلغ 20 مليون درهم بمساهمة الدولة والجهة والجامعة وجماعة أكادير.
- الرهان لا يقتصر على تأهيل ملعب أدرار، بل يشمل التدبير والصيانة والتثمين التجاري.
- نجاح الشركة سيتوقف على قدرتها على خدمة الرياضة القاعدية وخلق مداخيل مستدامة.