في الوقت الذي تخشى فيه شركات كثيرة من أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عنوان مباشر لتقليص الوظائف، تقدم Epsilon India صورة مختلفة: إنتاج أكثر، مسؤوليات أوسع، وسرعة أكبر في تنفيذ المهام، لكن من دون قفزة واضحة في عدد الموظفين. القصة لا تتعلق بمجرد أدوات تساعد على كتابة الكود، بل بتحول أعمق في طريقة عمل مراكز التكنولوجيا العالمية في الهند، حيث لم تعد الشركات تبحث فقط عن خفض الكلفة، بل عن نتائج أسرع وقيمة أعمال أوضح.
Epsilon India.. إنتاجية أعلى بنفس العدد تقريباً
قال براتيك ناث، المدير الإداري لـ Epsilon India، إن الشركة باتت تقدم حجماً أكبر من العمل اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، مع بقاء عدد الموظفين في حدود مستقرة تقريباً. ووفق ما نقلته Reuters، تعمل Epsilon India، الذراع التقنية وخدمات التسويق التابعة لمجموعة Publicis Groupe، من بنغالورو وتوظف قرابة 3000 شخص. الفكرة الأساسية في تصريحه أن الذكاء الاصطناعي لم يغيّر فقط سرعة الإنجاز، بل وسّع أيضاً نوعية المسؤوليات التي تستطيع الفرق المحلية تحملها.
كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي العمل داخل الفرق؟
بحسب ناث، بدأت الحدود التقليدية بين تطوير البرمجيات والهندسة والعمليات تتداخل أكثر، وهو ما ساعد على تسريع توليد الكود وتحسين التعامل مع المهام التقنية اليومية. كما أشار إلى أن الشركة ترى أثراً في تقليص الوقت اللازم لحل تذاكر الدعم التقني، وتسريع إطلاق مبادرات تسويقية مثل عروض الولاء عبر أدوات الخدمة الذاتية. هذه المؤشرات تعني أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل كأداة منفصلة، بل يدخل في صميم دورة العمل من التخطيط إلى التنفيذ.
الهند تتحول من مركز كلفة إلى مركز قيمة
يعكس هذا التصريح تحولاً أكبر داخل مراكز القدرات العالمية في الهند. فالشركات متعددة الجنسيات لم تعد تنظر إلى هذه المراكز باعتبارها مواقع منخفضة الكلفة فقط، بل باعتبارها منصات للابتكار، تطوير البرمجيات، الأمن السيبراني، البحث والتطوير، وحتى توليد الملكية الفكرية. وقال ناث إن الشركات أصبحت تبحث عن “المخرجات والقيمة” أكثر من البحث عن فرق رخيصة تنفذ أعمالاً مساندة.
هل يعني ذلك أن الوظائف في خطر؟
لا يقدم هذا النموذج جواباً بسيطاً. فمن جهة، إظهار إنتاجية أعلى بنفس عدد الموظفين قد يعني أن الشركات ستصبح أكثر حذراً في التوظيف مستقبلاً. ومن جهة أخرى، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى نقل الموظفين نحو مهام أعلى قيمة، مثل تصميم الحلول، تحسين العمليات، وتحويل البيانات إلى قرارات عملية. لذلك، تبدو الرسالة الأهم أن الخطر لا يطال الوظائف وحدها، بل يطال أيضاً المهارات التقليدية التي لا تتطور مع الأدوات الجديدة.
السباق الحقيقي: من يستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل أفضل؟
أشار ناث إلى أن المرحلة المقبلة قد تكون نقطة اختناق للشركات المتأخرة في اعتماد الذكاء الاصطناعي، ونقطة تحول للشركات التي تقوده بوضوح. هذا يعني أن المنافسة لن تكون فقط بين الشركات التي تمتلك أدوات ذكاء اصطناعي وتلك التي لا تمتلكها، بل بين المؤسسات القادرة على دمج هذه الأدوات في سير العمل، وقياس أثرها على النتائج، وتوجيه فرقها نحو الأولويات ذات القيمة التجارية.
دروس للمؤسسات الناشئة والأسواق القريبة من المغرب
بالنسبة للشركات في أسواق ناشئة مثل المغرب وشمال إفريقيا، يحمل المثال رسالة عملية: الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة شراء أدوات كثيرة أو تقليص الفريق بسرعة، بل يبدأ من تحديد المهام المتكررة، تدريب الموظفين، ربط الأدوات بمؤشرات أداء واضحة، ثم قياس ما إذا كانت السرعة والجودة تحسنتا فعلاً. الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كقدرة مؤسسية لا كموضة رقمية قد تكون الأقرب إلى تحويله إلى ميزة تنافسية.
تفاؤل حذر لا وعود جاهزة
رغم هذه المكاسب، يبقى من المبكر الجزم بحجم الأثر الطويل المدى على تقليص تراكم المشاريع أو تغيير بنية التوظيف. فالذكاء الاصطناعي قد يسرع العمل، لكنه يحتاج إلى بيانات جيدة، حوكمة واضحة، مراجعة بشرية، ومعايير أمنية. كما أن الإنتاجية الحقيقية لا تقاس بعدد النصوص أو الأكواد التي تنتجها الأدوات، بل بمدى تحسن جودة المنتج، رضا العملاء، وخفض الأخطاء والتأخير.
تصريحات رئيس Epsilon India تقدم مثالاً واضحاً على التحول الذي يدفعه الذكاء الاصطناعي داخل الشركات: فرق تعمل بعدد مستقر تقريباً، لكنها تنتج أكثر وتتحمل مسؤوليات أوسع. غير أن هذا التحول لا يعني نهاية الحاجة إلى البشر، بل يعيد تعريف قيمة الموظف داخل المؤسسة. ففي المرحلة المقبلة، قد لا يكون السؤال: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي الوظائف؟ بل: من سيعرف كيف يستخدمه ليصنع قيمة أكبر؟
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله