ليست كل اختبارات السيارات ذاتية القيادة تجري في مختبرات مغلقة أو شوارع مشمسة؛ أحياناً يكفي طريق غارق بالمياه ليكشف سؤالاً أكبر: هل تستطيع الروبوتاكسي فهم الخطر كما يفهمه السائق البشري؟ هذا السؤال عاد بقوة بعدما اضطرت Waymo، التابعة لشركة Alphabet، إلى تعليق جزء من عملياتها في عدة مدن أمريكية، بعد حوادث أظهرت أن التعامل مع الطرق المغمورة بالمياه ما يزال تحدياً حساساً أمام أنظمة القيادة الذاتية.
وايمو توقف خدماتها.. ماذا حدث؟
بحسب وكالة Reuters، علّقت Waymo رحلاتها على الطرق السريعة في عدة مدن أمريكية، بينها سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس وفينيكس وميامي، من أجل إدماج تحديثات برمجية لتحسين تعامل سياراتها مع ظروف صعبة مثل مناطق الأشغال والطرق المغمورة بالمياه. كما أوقفت الشركة عملياتها في أتلانتا بعد حادثة علقت فيها سيارة روبوتاكسي غير مأهولة داخل مياه فيضان.
ليست المشكلة في المطر فقط
القضية لا تتعلق بمجرد هطول المطر، بل بكيفية تقدير السيارة لمدى قابلية الطريق للعبور عندما تكون المياه راكدة أو مرتفعة. وثائق الإدارة الوطنية الأمريكية لسلامة المرور على الطرق السريعة NHTSA تشير إلى أن نظام Waymo قد يسمح للمركبة بأن تبطئ ثم تدخل إلى مياه راكدة على طرق عالية السرعة، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على السيارة وزيادة خطر الحوادث أو الإصابات.
استدعاء آلاف الأنظمة ذاتية القيادة
في تقرير الاستدعاء، أوضحت NHTSA أن Waymo استدعت أنظمة القيادة الذاتية من الجيلين الخامس والسادس، مع عدد وحدات متأثرة يصل إلى 3,791. وتعود خلفية القضية إلى واقعة بتاريخ 20 أبريل 2026، حين واجهت سيارة Waymo غير مأهولة جزءاً غير قابل للعبور من طريق مغمور بالمياه، ورغم اكتشاف احتمال وجود مياه غير قابلة للعبور، واصلت السير بسرعة منخفضة بدل التوقف الكامل.
لماذا أوقفت الشركة خمس مدن؟
تعليق الخدمات في خمس مناطق لا يعني أن كل أسطول Waymo توقف بالكامل، بل إن الشركة قيّدت عمليات محددة، خصوصاً على الطرق السريعة أو في مناطق ترتفع فيها مخاطر الفيضانات. هذه الخطوة تعكس محاولة لتقليل المخاطر إلى أن تكتمل التحديثات، لكنها في الوقت نفسه تمنح خصوم القيادة الذاتية مادة جديدة للتشكيك في جاهزية الروبوتاكسي للتوسع السريع داخل مدن مختلفة المناخ والبنية التحتية.
الروبوتاكسي أمام اختبار “الحالات النادرة”
تسويق السيارات ذاتية القيادة يركز غالباً على تقليل الحوادث مقارنة بالسائقين البشر، وعلى قدرة الأنظمة على مراقبة الطريق دون تعب أو تشتت. غير أن الحوادث المرتبطة بالفيضانات تذكّر بأن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في السير داخل شارع منظم، بل في التعامل مع المواقف غير المتوقعة: طريق غمرته المياه فجأة، إشارة متوقفة، أشغال مفاجئة، أو تضارب بين الخرائط والواقع.
ماذا يعني ذلك للمستخدمين؟
بالنسبة للمستخدم العادي، الرسالة الأساسية هي أن خدمات الروبوتاكسي تتطور بسرعة، لكنها لا تزال خاضعة لتحديثات وتحسينات مستمرة. وعندما تعلن شركة مثل Waymo تعليق خدمة أو استدعاء برمجياً، فهذا لا يعني بالضرورة فشل التقنية، لكنه يؤكد أن السلامة في القيادة الذاتية تحتاج إلى اختبارات واقعية متكررة، وإلى شفافية أكبر عند وقوع الأخطاء.
سباق مع تسلا وزوكس.. لكن الثقة هي الرهان الأكبر
تأتي هذه التطورات في وقت تتسابق فيه شركات عدة، بينها Tesla وZoox التابعة لأمازون، لتوسيع حضورها في سوق السيارات ذاتية القيادة. غير أن السباق لا يُحسم بعدد المدن فقط، بل بثقة الركاب والمنظمين. فكل حادثة مرتبطة بفيضانات أو طرق غير متوقعة قد تؤثر على صورة التقنية، حتى لو لم تسفر عن إصابات.
هل يوقف ذلك مستقبل القيادة الذاتية؟
الأرجح أن الحادث لن يوقف مسار القيادة الذاتية، لكنه سيزيد الضغط على الشركات لتطوير أنظمة أكثر حذراً في الظروف الجوية الصعبة. كما قد يدفع الجهات التنظيمية إلى طلب اختبارات أعمق قبل السماح بالتوسع في مدن معروفة بالأمطار الغزيرة أو الفيضانات المفاجئة. المستقبل ما زال مفتوحاً، لكن الطريق إليه يبدو أكثر تعقيداً من مجرد وعد بسيارة تقود نفسها.
تكشف أزمة Waymo الأخيرة أن السيارات ذاتية القيادة قطعت شوطاً كبيراً، لكنها لم تغلق بعد كل ثغرات العالم الحقيقي. فالفيضانات، رغم بساطتها الظاهرية، تحولت إلى اختبار مهم لقدرة الذكاء الاصطناعي على تقدير الخطر واتخاذ قرار محافظ. وبين الطموح التجاري والرقابة التنظيمية، ستظل الثقة هي العنصر الحاسم في مستقبل الروبوتاكسي.