في يوم استثنائي جمع ما تفرق في غير مكان، احتضنت مدينة تيزنيت حفلا تأبينيا مهيبا بمناسبة الذكرى الأربعينية لرحيل الأستاذة والمناضلة والشاعرة نزيهة أباكريم، في مشهد لم يكن مجرد وداع، بل احتفاء بالحياة وبإمرأة استطاعت أن تجمع في شخصيتها دفء الأستاذة، وقوة المناضلة، ورهافة الشاعرة. الحفل الذي جمع أطيافا متباينة من عالم الثقافة والسياسة والمؤسسات الرسمية وعائلة الفقيدة ومحبيها، تخللته فقرات موسيقية راقية وقراءات شعرية مؤثرة، وسط دعوات مدنية لتخليد إرثها عبر تأسيس مؤسسة تحمل اسمها وإطلاقه على أحد المراكز الثقافية بالمدينة.

لم تكن الذكرى الأربعينية للفقيدة نزيهة أباكريم مجرد مناسبة لاستذكار المسار، بل كانت يوما وفائيا امتزجت فيه الكلمات بالدموع، والحضور الجماهيري بالصدى العميق الذي تركته هذه المرأة الفريدة في وجدان تيزنيت والمنطقة. فقد بدا واضحا أن المدينة بكامل تعبيراتها السياسية والثقافية خرجت لتودع إحدى أيقوناتها، ليس بدافع الواجب، بل بحب صادق وامتنان لا ينضب.

تميز الحفل التأبيني بحضور نوعي جمع أطيافا متعددة، حيث تناوبت الشخصيات الرسمية والحزبية والنقابية والثقافية على منصة التكريم، ليؤكدوا جميعا على أن الفقيدة كانت “أكبر من الاصطفافات الحزبية والسياسية”.

وفي لمسة تعكس تعددية مواهب الفقيدة، التي كانت شاعرة ومبدعة قبل أن تكون ناشطة سياسية، تضمن الحفل فقرات موسيقية راقية وقراءات شعرية، أدّاها فنانون وأطفال وشعراء أحبوا الراحلة وتأثروا بتجربتها الإبداعية. جاءت هذه الفقرات لتترجم الجانب الآخر من شخصية نزيهة أباكريم، تلك التي كانت “تتنفس هموم المجتمع” وفي الوقت نفسه شاعرة مرهفة الحس صاغت بقلمها مشاعر الألم والأمل.

وشكلت القراءات الشعرية لحظة مؤثرة بامتياز، خاصة عندما تناوب شعراء على إلقاء قصائد كتبوها خصيصا للمناسبة. أعادت تلك القصائد الحضور إلى عمق تجربة نزيهة أباكريم الشعرية التي مزجت بين الذاتي والجمعي، بين الألم والأمل، بين النضالي والإنساني. كان الشعر هناك ليس مجرد كلمات، بل امتدادا لروحها التي كانت تعشق الحرف وتؤمن بقدرته على التغيير.

وسط هذا الجمع المهيب، دعت فعاليات مدنية إلى تأسيس “مؤسسة نزيهة أباكريم للتربية والثقافة” لتكون فضاء مفتوحا للحوار المدني في قضايا الثقافة والتربية، وورشا للمبادرات الخلاقة بتيزنيت. كما طالبت جماعة تيزنيت بإطلاق اسم الفقيدة على أحد المراكز الثقافية التابعة للجماعة، اعترافا بدورها “كمهندسة وملهمة مشاريع المدينة المربية”، وتخليدا لذكرى من كانت نموذجا في العطاء والإنسانية.

وما ميز هذا الحفل التأبيني عن غيره، أنه لم يكن مجرد مراسيم عادية، بل كان احتفاء بالحياة، بحضور الفعاليات المختلفة، وبالفن والشعر، وبكل ما أحبته الفقيدة وكرست حياتها من أجله. كان الوداع على طريقة نزيهة نفسها، مختلفا، متعدد الأبعاد، غنيا بالإحساس والجمال، بعيدا عن النمطية والبروتوكولات الجافة..كما جدد الحاضرون العهد للفقيدة بأن تظل نزيهة أباكريم حاضرة في الذاكرة الجماعية، ليس فقط كأيقونة نضالية، بل كمدرسة في الإنسانية، وكفكرة تحلق على أجنحة الحلم، الحلم بالثقافة والديمقراطية والمرأة التي ناضلت من أجلها بكل ما أوتيت من قوة وإخلاص وحب.