أكادير إداوتنان.. هل تنجح مشاريع التنمية البشرية في صناعة الأثر؟

لا يكفي أن تصادق لجنة إقليمية على عشرات المشاريع حتى يتحقق الأثر التنموي المنشود. فالسؤال الأهم اليوم بعمالة أكادير إداوتنان لم يعد فقط: كم عدد المشاريع؟ وكم تبلغ كلفتها؟ بل: هل ستصل هذه المشاريع فعلا إلى الفئات المستهدفة؟ وهل ستحدث تغييرا ملموسا في حياة الساكنة؟

هذا السؤال حضر بقوة خلال اجتماع اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية، المنعقد يوم الثلاثاء 12 ماي 2026 بمقر عمالة أكادير إداوتنان، برئاسة السيد سعيد أمزازي، والي جهة سوس ماسة عامل عمالة أكادير إداوتنان، في إطار مواصلة تنزيل برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وتعزيز الدينامية التنموية على مستوى العمالة.

مشاريع التنمية البشرية وسؤال الأثر

صادقت اللجنة على برنامج عمل سنة 2026، الذي يضم 88 مشروعا بغلاف مالي إجمالي قدره 20.638.960 درهما، تساهم فيه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمبلغ 19.842.960 درهما.

هذه الأرقام مهمة، لكنها لا تشكل لوحدها معيار النجاح. فالقيمة الحقيقية لأي برنامج تنموي تقاس بقدرته على تحسين الولوج إلى الخدمات، تقليص الهشاشة، دعم الشباب، وتقوية الرأسمال البشري للأجيال الصاعدة.

المؤشرالرقم
عدد المشاريع المصادق عليها88 مشروعا
الكلفة الإجمالية20.638.960 درهما
مساهمة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية19.842.960 درهما
سنة البرنامج2026

الرهان إذن ليس في ضخ الاعتمادات فقط، بل في تحويل هذه الاعتمادات إلى نتائج قابلة للملاحظة داخل الأحياء، والدواوير، والمؤسسات، ومراكز المواكبة، والفضاءات الموجهة للشباب والفئات الهشة.

منطق جديد: مراجعة وتعديل وإلغاء

من بين النقط اللافتة في الاجتماع، أنه لم يقتصر على المصادقة على برنامج عمل جديد، بل شمل أيضا دراسة التعديلات التي طالت بعض المشاريع المصادق عليها سابقا، والتداول بشأن إلغاء عدد من المشاريع وفسخ بعض الاتفاقيات وفق الضوابط الجاري بها العمل.

هذا المعطى مهم للغاية، لأنه يعكس انتقالا ضروريا من منطق “إطلاق المشاريع” إلى منطق “تقييم قابلية المشاريع للتحقق”. فالمشروع الذي لا يتقدم، أو لا يستجيب للحاجة الأصلية، أو لم يعد قابلا للتنزيل بالشكل المطلوب، لا ينبغي أن يبقى حاضرا على الورق فقط.

بهذا المعنى، يصبح الإلغاء أو التعديل جزءا من الحكامة، وليس علامة فشل. فالحكامة الجيدة تعني تصحيح المسار في الوقت المناسب، حتى لا تتحول المشاريع إلى أرقام جامدة داخل محاضر الاجتماعات.

أربعة برامج.. لكن الأثر واحد

توزعت المشاريع المصادق عليها على أربعة برامج رئيسية، لكل واحد منها مجال تدخل خاص، لكنها تلتقي جميعا عند هدف واحد: تحسين شروط العيش وفتح فرص أوسع أمام الساكنة.

البرنامجعدد المشاريعالكلفة الإجماليةمساهمة المبادرة
تدارك الخصاص في البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية الأساسية176.473.960 درهما6.473.960 درهما
مواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة092.500.000 درهم2.500.000 درهم
تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب345.005.000 درهم4.209.000 درهم
الدفع بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة286.660.000 درهم6.660.000 درهم
المجموع8820.638.960 درهما19.842.960 درهما

هذا التوزيع يبين أن أكبر عدد من المشاريع يهم محور تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، بـ34 مشروعا، يليه محور الرأسمال البشري للأجيال الصاعدة بـ28 مشروعا. وهو ما يكشف أن الرهان الأساسي يتجه نحو المستقبل: الشباب والأطفال والفئات التي تحتاج إلى مواكبة دائمة.

الإدماج الاقتصادي للشباب.. الاختبار الأصعب

يحضر الشباب في صلب برنامج عمل 2026، من خلال 34 مشروعا موجها لتحسين الدخل والإدماج الاقتصادي. وهذا المحور هو الأكثر حساسية، لأنه يرتبط مباشرة بسؤال الشغل، والمبادرة، والقدرة على خلق أنشطة مستدامة.

غير أن نجاح هذا البرنامج لا يتحقق بمجرد تمويل مشاريع صغيرة أو دعم مبادرات فردية. فالاختبار الحقيقي يكمن في ما بعد التمويل: هل يستفيد الشباب من مواكبة قبلية كافية؟ هل تُدرس قابلية المشاريع للنجاح؟ هل يحصل المستفيدون على تتبع بعد الانطلاق؟ وهل ترتبط المشاريع بحاجيات السوق المحلي؟

فالتمويل دون مواكبة قد ينتج مشاريع قصيرة العمر، بينما التمويل المقرون بالتكوين والتتبع وربط المشاريع بسلاسل اقتصادية محلية يمكن أن يصنع أثرا حقيقيا.

الرأسمال البشري.. الاستثمار الذي لا يظهر بسرعة

خصص برنامج الدفع بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة 28 مشروعا بغلاف مالي قدره 6.660.000 درهم، ممول بالكامل من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

هذا المحور لا يعطي نتائجه بسرعة مثل مشروع بنية تحتية أو نشاط اقتصادي مباشر، لكنه من أكثر البرامج تأثيرا على المدى المتوسط والبعيد. فالاستثمار في الأطفال، والدعم التربوي، والصحة، والمواكبة الاجتماعية، هو استثمار في تقليص هشاشة الغد.

ولذلك، فإن تقييم أثر هذا البرنامج لا ينبغي أن يقتصر على عدد المستفيدين فقط، بل يجب أن يمتد إلى مؤشرات أعمق: تحسن التمدرس، تقليص الانقطاع، دعم الأسر، تحسين الولوج إلى الخدمات، وتقوية فرص النجاح لدى الأطفال والشباب.

الفئات الهشة.. الحاجة إلى أثر مباشر

يضم برنامج مواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة 9 مشاريع بكلفة 2.500.000 درهم، وهو محور اجتماعي بامتياز، يهم فئات تحتاج إلى تدخلات دقيقة ومستمرة.

في هذا النوع من البرامج، يصبح الأثر مطلوبا بشكل مباشر: تحسين خدمة، توفير مواكبة، دعم مؤسسة استقبال، أو تقوية آليات العناية بفئة معينة.

ومن هنا، تبرز أهمية اختيار المشاريع وفق حاجيات واضحة ومحددة، حتى لا تتشتت الاعتمادات في تدخلات محدودة الأثر. فالهشاشة لا تعالج بالشعارات، بل بخدمات قريبة، منتظمة، ومقاسة النتائج.

البنيات الأساسية.. تقليص الخصاص لا يعني فقط البناء

أما برنامج تدارك الخصاص في البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية الأساسية بالمجالات الترابية الأقل تجهيزا، فيضم 17 مشروعا بكلفة 6.473.960 درهما.

وتكمن أهمية هذا المحور في ارتباطه المباشر بالعدالة المجالية، خاصة عندما يستهدف مناطق تعاني نقصا في التجهيزات أو الخدمات الأساسية.

لكن هنا أيضا، لا يكفي إنجاز البنية. فالأثر الحقيقي يتحقق عندما تتحول هذه البنية إلى خدمة منتظمة ونافعة. فالمسألة ليست فقط “ماذا بنينا؟”، بل “من استفاد؟ وكيف تغيرت حياته اليومية؟”.

سعيد أمزازي يشدد على تعبئة الشركاء

خلال الاجتماع، أكد السيد سعيد أمزازي، والي جهة سوس ماسة عامل عمالة أكادير إداوتنان، أهمية مواصلة تعبئة مختلف المتدخلين والشركاء، من أجل ضمان استمرارية المشاريع وتحقيق الأثر الاجتماعي والاقتصادي المنشود لفائدة الفئات المستهدفة.

هذه الإشارة مهمة، لأن مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لا يمكن أن تنجح بمنطق المتدخل الوحيد. فهي تحتاج إلى سلطات ترابية، ومصالح خارجية، وجماعات، وجمعيات، وشركاء اقتصاديين واجتماعيين، كل واحد منهم يتحمل جزءا من المسؤولية.

فالتنسيق ليس تفصيلا إداريا، بل شرط أساسي لصناعة الأثر. وغيابه قد يجعل المشروع يتعثر رغم توفر التمويل.

كيف نقيس نجاح هذه المشاريع؟

حتى تكون مشاريع التنمية البشرية بأكادير إداوتنان مؤثرة فعلا، لا بد من قياسها بمؤشرات واضحة، لا بعدد الاجتماعات أو الاعتمادات فقط.

مجال التدخلسؤال الأثر
مشاريع الشبابهل خلق المشروع دخلا مستقرا أو فرصة شغل؟
مشاريع الهشاشةهل تحسنت خدمة موجهة لفئة هشة؟
الرأسمال البشريهل تحسن وضع الأطفال أو الشباب المستهدفين؟
البنيات الأساسيةهل صار الولوج إلى الخدمة أسهل وأقرب؟
الشراكاتهل التزم كل طرف بما تعهد به؟

هذه الأسئلة يجب أن ترافق المشروع من البداية إلى النهاية، لأن الهدف ليس إنجاز المشروع شكليا، بل ضمان فائدته العملية.

من يستفيد فعلا؟

السؤال المركزي الذي ينبغي أن يبقى حاضرا هو: من يستفيد فعلا من هذه المشاريع؟

فإذا كان المستفيد شابا يبحث عن فرصة إدماج اقتصادي، فيجب أن يجد مواكبة حقيقية لا مجرد دعم عابر. وإذا كانت المستفيدة أسرة في وضعية هشاشة، فيجب أن تلمس أثرا مباشرا في الخدمة أو المواكبة. وإذا كان المستفيد طفلا، فيجب أن يظهر الأثر في فرصه التعليمية والصحية والاجتماعية.

كلما اقترب المشروع من الحاجة الواقعية للمستفيد، زادت فرص نجاحه. وكلما ظل المشروع عاما أو بعيدا عن التشخيص المحلي، ضعف أثره مهما بلغت كلفته.

التحدي المقبل: التنزيل وليس المصادقة

بعد المصادقة على برنامج عمل سنة 2026، يبدأ الاختبار الحقيقي. فالمرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت هذه المشاريع ستتحول إلى نتائج ملموسة، أم ستبقى أرقاما ضمن حصيلة إدارية.

ولهذا، تكتسي المتابعة الميدانية أهمية كبيرة. فكل مشروع يحتاج إلى جدول زمني، ومسؤوليات واضحة، ومؤشرات قياس، وآلية لتجاوز التعثرات.

كما أن التواصل مع الساكنة ضروري، لأن المواطن لا يقيس التنمية بلغة الوثائق، بل بما يراه في حياته اليومية: خدمة تتحسن، فرصة تفتح، مرفق يشتغل، أو وضعية اجتماعية تجد مسارا للحل.

عنوان المرحلة في أكادير إداوتنان لم يعد هو عدد مشاريع التنمية البشرية فقط، بل قدرتها على صناعة الأثر. فالمصادقة على 88 مشروعا بغلاف مالي يفوق 20 مليون درهم خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق.

النجاح الحقيقي سيقاس بمدى قدرة هذه المشاريع على دعم الشباب، ومواكبة الفئات الهشة، وتقوية الرأسمال البشري، وتدارك الخصاص في المجالات الأقل تجهيزا.

وبين التمويل، والتنسيق، والتتبع، والمساءلة، يبقى السؤال مفتوحا: هل تنجح مشاريع التنمية البشرية بأكادير إداوتنان في صناعة أثر يلمسه المواطن فعلا؟

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *