عاد فيروس هانتا إلى واجهة الاهتمام الصحي العالمي، بعد تسجيل بؤرة إصابات مرتبطة بسفينة سياحية، ما دفع منظمة الصحة العالمية ومراكز صحية أوروبية وأمريكية إلى متابعة الوضع وتحديث معطياتها حول طرق العدوى والوقاية. ورغم أن المرض نادر، فإن خطورته تكمن في أنه قد يتطور، في بعض الحالات، إلى مضاعفات تنفسية أو كلوية شديدة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن عدوى فيروس هانتا تنتقل أساساً إلى الإنسان عبر ملامسة بول أو براز أو لعاب القوارض المصابة، أو عبر استنشاق غبار ملوث بهذه الإفرازات، خصوصاً أثناء تنظيف أماكن مغلقة أو مهجورة تنتشر فيها القوارض. كما توضح المنظمة أن المرض قد يكون شديداً، لكنه لا ينتشر عادة بين البشر، باستثناء أنواع محددة مثل فيروس “أنديز”، حيث سُجل انتقال محدود بين الأشخاص في ظروف خاصة.
ما هو فيروس هانتا؟
فيروس هانتا ليس فيروساً واحداً فقط، بل عائلة من الفيروسات التي تحملها بعض أنواع القوارض. وتقول مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة CDC إن هذه الفيروسات قد تسبب مرضين رئيسيين: متلازمة هانتا الرئوية HPS، وهي مرض تنفسي شديد، والحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية HFRS، وهي حالة قد تصيب الكليتين وتظهر أكثر في أوروبا وآسيا.
وتختلف أنواع فيروس هانتا حسب المناطق الجغرافية ونوع القارض الحامل للفيروس. ففي الأمريكيتين، يرتبط بعض الأنواع بحالات تنفسية حادة، بينما ترتبط أنواع أخرى في أوروبا وآسيا بأعراض كلوية وحمى نزفية بدرجات متفاوتة. لذلك، لا يمكن التعامل مع كل حالات هانتا بنفس الطريقة، لأن الخطورة والأعراض تختلف حسب نوع الفيروس والمنطقة.
لماذا عاد فيروس هانتا إلى الأخبار الآن؟
عاد الاهتمام بالفيروس بعد إعلان منظمة الصحة العالمية، في 8 ماي 2026، عن بؤرة إصابات مرتبطة بسفر بحري على متن سفينة سياحية، حيث جرى الإبلاغ عن ثماني حالات، بينها ثلاث وفيات، مع تأكيد خمس حالات على الأقل في بلاغ سابق للمنظمة. وأكدت المنظمة أن التحقيقات الصحية تواصلت لتحديد مصدر العدوى وتتبع المخالطين.
كما نشرت رويترز، في 8 ماي 2026، أن منظمة الصحة العالمية تحدثت عن ست حالات مؤكدة مرتبطة بالسفينة، إلى جانب حالتين محتملتين، مع تقييم الخطر على عموم السكان بأنه منخفض، في انتظار استكمال التحقيقات الصحية.
هذا لا يعني أن العالم أمام وباء جديد شبيه بكوفيد-19. الفرق الأساسي أن فيروس هانتا ينتقل غالباً من القوارض إلى الإنسان، وليس عبر الانتشار السريع بين الناس. كما أن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن الخطر العام من هذه البؤرة يبقى منخفضاً، مع ضرورة اليقظة والمتابعة الطبية للمخالطين أو المعرضين للعدوى.
كيف ينتقل فيروس هانتا إلى الإنسان؟
ينتقل فيروس هانتا غالباً عندما يتعرض الإنسان لإفرازات القوارض المصابة، خاصة البول والبراز واللعاب. وقد تحدث العدوى عند تنظيف مخازن، أو بيوت مهجورة، أو حظائر، أو أماكن مغلقة توجد بها فضلات القوارض، لأن تحريك الغبار قد يؤدي إلى استنشاق جسيمات ملوثة بالفيروس.
وتذكر CDC أن الوقاية الأساسية تقوم على تجنب ملامسة القوارض وإفرازاتها، واتخاذ احتياطات خاصة عند تنظيف أماكن قد تكون موبوءة، بدل الكنس الجاف أو إثارة الغبار.
أما انتقال العدوى من شخص إلى آخر، فهو ليس القاعدة العامة في فيروسات هانتا. CDC توضح أن فيروس “أنديز” هو النوع المعروف بقدرته على الانتقال المحدود بين البشر، وغالباً بين أشخاص لديهم مخالطة قريبة مع المريض.
أعراض فيروس هانتا
تبدأ أعراض فيروس هانتا في كثير من الحالات بشكل يشبه الإنفلونزا، وهو ما قد يجعل اكتشاف المرض صعباً في البداية. وتشمل الأعراض المبكرة عادة الحمى، التعب الشديد، آلام العضلات، الصداع، الدوار، القشعريرة، الغثيان، القيء، أو آلام البطن. لكن بعض الحالات قد تتطور لاحقاً إلى ضيق في التنفس أو مشاكل رئوية خطيرة، خصوصاً في متلازمة هانتا الرئوية.
وفي أوروبا، يوضح المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها ECDC أن بعض عدوى أورثوهانتا قد تسبب حمى نزفية مصحوبة بمتلازمة كلوية، تتميز بالحمى وإصابة حادة في الكلى.
لهذا السبب، يجب عدم الاستهانة بحمى أو أعراض تنفسية تظهر بعد التعرض المحتمل للقوارض أو فضلاتها، خاصة إذا كان الشخص قد نظف مكاناً مغلقاً أو زار منطقة ريفية أو مزرعة أو مخزناً تنتشر فيه القوارض.
هل فيروس هانتا قاتل؟
قد يكون فيروس هانتا خطيراً في بعض الحالات، لكنه لا يؤدي دائماً إلى الوفاة. مستوى الخطورة يعتمد على نوع الفيروس، سرعة التشخيص، الحالة الصحية للمريض، ومدى تطور المضاعفات. منظمة الصحة العالمية تصفه بأنه مرض نادر لكنه قد يكون شديداً ومميتاً في بعض الحالات.
وتشير مصادر صحية أوروبية إلى أن فيروس “أنديز”، المرتبط ببعض حالات أمريكا الجنوبية، قد يسبب مرضاً تنفسياً شديداً، مع نسب وفاة مرتفعة في بعض السياقات. لكن من المهم هنا عدم تعميم هذه النسب على كل أنواع هانتا أو كل المناطق، لأن الأنواع تختلف في شدتها وانتشارها.
هل يوجد علاج أو لقاح؟
لا يوجد علاج نوعي شائع يقضي مباشرة على فيروس هانتا في كل الحالات. وتؤكد تقييمات صحية أوروبية حديثة أن الرعاية الداعمة تبقى أساسية لتحسين فرص النجاة، خصوصاً عند الحالات التي تتطور إلى صعوبات تنفسية أو مشاكل كلوية.
ويعني ذلك أن العلاج يركز غالباً على إدخال المريض إلى المستشفى عند الحاجة، مراقبة التنفس، دعم الأوكسجين، معالجة الصدمة أو الجفاف، ومراقبة وظائف الكلى. لذلك، كلما وصل المريض مبكراً إلى الرعاية الطبية، زادت فرص السيطرة على المضاعفات.
الوقاية من فيروس هانتا
الوقاية من فيروس هانتا تبدأ من مكافحة القوارض وتقليل الاحتكاك بها. توصي CDC بتجنب ملامسة القوارض أو فضلاتها، وسد الفتحات التي قد تدخل منها إلى المنازل، وتخزين الطعام بشكل محكم، والحفاظ على النظافة في الأماكن التي قد تجذب الفئران.
وعند تنظيف مكان يُحتمل وجود فضلات قوارض فيه، الأفضل عدم الكنس الجاف أو استعمال المكنسة الكهربائية مباشرة، لأن ذلك قد يثير الغبار الملوث. توصي الإرشادات الصحية عموماً بتهوية المكان، وترطيب الفضلات بمطهر مناسب قبل إزالتها بعناية، مع استعمال وسائل حماية مثل القفازات، ثم غسل اليدين جيداً بعد الانتهاء.
في المناطق الريفية أو الفلاحية، تزداد أهمية هذه الاحتياطات داخل المخازن، الحظائر، البيوت القديمة، الأكواخ، والمستودعات التي قد تدخلها القوارض. كما ينبغي الانتباه إلى مخيمات الرحلات أو الإقامات الطويلة في أماكن طبيعية إذا ظهرت آثار واضحة للفئران.
متى يجب طلب المساعدة الطبية؟
ينبغي طلب المشورة الطبية بسرعة إذا ظهرت حمى أو تعب شديد أو آلام عضلية أو أعراض تنفسية بعد التعرض المحتمل للقوارض أو فضلاتها، خصوصاً إذا تطورت الحالة إلى ضيق في التنفس أو ألم في الصدر أو دوخة شديدة. CDC تنبه إلى أن الأعراض المبكرة قد تشبه الإنفلونزا، لكن بعض أنواع هانتا قد تتطور إلى مرض تنفسي شديد.
كما ينبغي إخبار الطبيب بأي تعرض محتمل للقوارض أو تنظيف مكان ملوث أو سفر حديث إلى منطقة سجلت حالات، لأن هذه التفاصيل تساعد في توجيه التشخيص بسرعة.
فيروس هانتا مرض نادر لكنه قد يكون خطيراً، وينتقل غالباً من القوارض إلى الإنسان عبر البول أو البراز أو اللعاب أو الغبار الملوث. ولا ينتشر عادة بين البشر، باستثناء حالات محدودة مرتبطة بأنواع معينة مثل فيروس “أنديز”.
الاهتمام الحالي بالفيروس جاء بعد بؤرة إصابات مرتبطة بسفينة سياحية، لكن منظمة الصحة العالمية تقيم الخطر العام بأنه منخفض، مع استمرار المتابعة الصحية. لذلك، أفضل تعامل مع الموضوع هو الوعي لا الهلع: مكافحة القوارض، تنظيف الأماكن الملوثة بطريقة آمنة، وتلقي الرعاية الطبية بسرعة عند ظهور أعراض بعد تعرض محتمل.

