قانون الجهات يعبر لجنة الداخلية بتعديلات جديدة حول الصلاحيات والحكامة

صادقت لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بمجلس النواب، مساء الجمعة 8 ماي 2026، على مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.

وحظي قانون الجهات بموافقة 12 نائبا برلمانيا، فيما امتنع ثلاثة نواب عن التصويت، بعد مناقشة 66 تعديلا همت اختصاصات الجهات، والتنمية الثقافية، وتثمين المؤهلات السياحية، وتمويل بعض البرامج الوطنية، وتحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات جهوية.

قانون الجهات يدخل مرحلة تشريعية جديدة

يندرج مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 ضمن ورش تعديل القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، وهو النص المؤطر لاختصاصات الجهات وشروط تدبيرها لشؤونها بكيفية ديمقراطية. وقد أدرج مجلس النواب مشروع القانون ضمن مسطرة القراءة الأولى، كما نشر نصه كما أودع بمكتب المجلس.

وكان المجلس الوزاري قد صادق، يوم 15 أبريل 2026، على مشروع القانون الرامي إلى تغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، في إطار مراجعة آليات اشتغال الجهة وتعزيز دورها في التنمية الاقتصادية، وفق ما نشرته المديرية العامة للجماعات الترابية.

كما أعلنت المديرية نفسها أن المشروع يتضمن تعديلات تهم آليات التنفيذ، خاصة تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، بما يهدف إلى تطوير نجاعة تنفيذ البرامج والمشاريع الجهوية.

التنمية الثقافية تثير نقاش الاختصاصات

همت إحدى أبرز نقاط النقاش إدراج “التنمية الثقافية” ضمن الاختصاصات الذاتية للجهات. فقد دافع الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية عن هذا التوجه، معتبرا أن الثقافة جزء من هوية كل جهة، وأن العناية بالتراث والمواقع الأثرية وتنظيم المهرجانات الثقافية تدخل ضمن صميم التنمية الترابية.

غير أن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت اعتبر، خلال المناقشة، أن المرحلة الحالية تقتضي ترتيب الأولويات، مبرزا أن الجهة لا يمكن أن تتحمل وحدها الدور الثقافي، وأن تعزيز المجال الثقافي يمكن أن يتم تدريجيا بعد تقوية قدرات الجهات.

وأوضح الوزير أن الصناعة الثقافية يمكن أن تندرج ضمن البعد الاقتصادي للتنمية الجهوية، مستحضرا نموذج مدينة ورزازات، باعتبارها مثالا على ارتباط الثقافة بالصناعة والإنتاج والاستثمار.

نحو اختصاصات “قابلة للتنفيذ”

اقترح فريق التقدم والاشتراكية توسيع اختصاص التنمية الاقتصادية ليشمل الأبعاد الاجتماعية والثقافية والبيئية. غير أن وزير الداخلية أوضح أن التجربة السابقة كشفت صعوبة تنزيل اختصاصات واسعة جدا على أرض الواقع.

وبحسب ما جاء في النقاش البرلماني، يقوم التصور الحالي على منح الجهات اختصاصات أكثر تكاملا وقابلية للتنفيذ بسرعة، قبل الانتقال مستقبلا إلى توسيع الصلاحيات. وأكد لفتيت أن الهدف النهائي هو تمكين الجهات من صلاحيات أوسع، لكن ذلك يقتضي التدرج وتحديد اختصاصات قابلة للتطبيق الفعلي، لا مجرد اختصاصات نظرية.

وفي المقابل، وافق الوزير على تعديل تقدم به فريق التقدم والاشتراكية، بعد إعادة صياغته، يقضي بإحداث وتنظيم مناطق للاقتصاد الاجتماعي والتضامني ضمن اختصاص التنمية الاقتصادية للجهات.

السياحة والتراث ضمن الاختصاصات المشتركة

حظي بالموافقة تعديل تقدم به الفريق الحركي بخصوص المادة 83، يقضي بإدراج القطاعات الثقافية والبيئية ضمن القطاعات الملتزمة بالاتفاقات المبرمة جهويا والمواكبة لبرنامج التنمية الجهوية.

كما تمت الموافقة، ضمن المادة 91 المتعلقة بالاختصاصات المشتركة بين الدولة والجهة، على مقترح ينص على العناية بتراث الجهة بشقيه المادي واللامادي، وإضافة تثمين المؤهلات السياحية الجهوية إلى اختصاصات إنعاش السياحة.

ويحمل هذا التعديل دلالة خاصة بالنسبة للجهات التي تراهن على السياحة الثقافية والطبيعية، ومنها جهة سوس ماسة، حيث يمكن أن يشكل تثمين المؤهلات المحلية جزءا من سياسة تنموية مرتبطة بالشغل والاستثمار والهوية المجالية.

تمويل المشاريع الوطنية يفتح نقاش الإمكانات

أثارت المادة 93 نقاشا واسعا، لأنها تتيح للجهة، بمبادرة من الدولة، المساهمة في تمويل إنجاز مشروع أو برنامج وطني داخل دائرتها الترابية، حتى إذا لم يكن داخلا ضمن اختصاصاتها الذاتية.

واقترحت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية إضافة عبارة “وذلك في حدود إمكاناتها الذاتية”، معتبرة أن القدرات المالية للجهة يجب أن تكون محددا أساسيا عند الحديث عن مساهمتها في مشاريع وطنية.

في المقابل، شدد وزير الداخلية على أن الدولة لها حق الاقتراح، وأن الجهة تحتفظ بحق القبول أو الامتناع، بما يعني أن مساهمة الجهة في مثل هذه البرامج لا تتم بشكل آلي، بل وفق تقديرها وقدراتها ومداولاتها.

من الوكالة الجهوية إلى الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع

تنص المادة 128 من مشروع القانون على تحويل الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركة مساهمة تحمل اسم “الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع”.

وفي هذا السياق، وافق وزير الداخلية على تعديل تقدم به الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، يقضي بتحديد المقر الاجتماعي للشركة بعاصمة الجهة، مع إمكانية إحداث فروع لها بمختلف أقاليم الجهة.

وشهدت المناقشات أيضا تفاعلا بشأن الغرض الاجتماعي للشركة الجهوية، وحالات التنافي بالنسبة للمدير العام الذي يعين بقرار من السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، حيث دعا عدد من النواب إلى تعزيز الحكامة والشفافية في تدبير هذه الشركات.

ويعد هذا التحول من أبرز نقاط مشروع القانون، لأنه ينقل آلية تنفيذ المشاريع من صيغة وكالة جهوية إلى شركة مساهمة، ما يطرح أسئلة حول الحكامة، التتبع، المسؤولية، والقدرة على تسريع تنفيذ برامج التنمية الجهوية.

ماذا يعني هذا التعديل للجهات؟

لا يعني تصويت لجنة الداخلية أن المسار التشريعي انتهى، إذ يظل مشروع القانون في حاجة إلى استكمال باقي المراحل البرلمانية والدستورية قبل دخوله حيز التنفيذ النهائي. ويكتسي ذلك أهمية خاصة لأن الأمر يتعلق بقانون تنظيمي، أي بنص ذي طبيعة مؤسساتية يؤطر عمل الجهات واختصاصاتها.

وتكمن أهمية التعديلات في كونها تحاول معالجة بعض الصعوبات التي رافقت تنزيل الجهوية المتقدمة، خاصة ما يتعلق بتداخل الاختصاصات، وضعف قابلية بعض المهام للتنفيذ، وبطء إنجاز المشاريع الجهوية.

وبالنسبة للمواطن، فإن الرهان الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المواد المعدلة، بل بقدرة الجهات على تحويل هذه الصلاحيات إلى مشاريع ملموسة: طرق، نقل، تشغيل، سياحة، بيئة، اقتصاد اجتماعي، وخدمات تواكب حاجيات الساكنة.

يعكس مرور قانون الجهات من لجنة الداخلية بمجلس النواب توجها نحو إعادة ضبط اختصاصات الجهات وآليات تنفيذ مشاريعها، مع التركيز على التدرج، والنجاعة، وقابلية التنفيذ.

وبين مطالب توسيع الصلاحيات الثقافية والاجتماعية، وتوجه وزارة الداخلية نحو اختصاصات عملية قابلة للتطبيق، يبدو أن النقاش حول الجهوية المتقدمة دخل مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي: كيف تتحول الجهة من مؤسسة تدبيرية إلى فاعل تنموي قادر على إنجاز مشاريع ملموسة داخل التراب؟

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *