في لحظة تتزايد فيها الهجمات على المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين الصحيين في مناطق النزاع، خرجت ثلاث من أكبر المنظمات الإنسانية والصحية في العالم بنداء مشترك يحذر من تراجع خطير في احترام قواعد الحرب. الرسالة جاءت في الذكرى العاشرة لقرار مجلس الأمن الدولي 2286، الذي وُضع أصلاً لحماية الرعاية الصحية في النزاعات المسلحة، لكنها اليوم تتحول إلى مراجعة قاسية لعقد كامل من الإخفاق.
نداء مشترك في ذكرى قرار أممي حاسم
أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة أطباء بلا حدود، نداءً مشتركاً دعت فيه الدول إلى حماية الرعاية الصحية في النزاعات المسلحة، وتعزيز تطبيق الالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.
النداء، المنشور في 4 ماي 2026، يأتي بمناسبة مرور عشر سنوات على اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار 2286، الذي طالب أطراف النزاعات باحترام وحماية العاملين في المجال الطبي والمرافق الصحية ووسائل النقل الطبي والمعدات المرتبطة بالرعاية الصحية.
لكن الرسالة الأساسية للمنظمات الثلاث كانت صريحة: بعد عشر سنوات، لا يوجد إنجاز يُحتفى به، بل فشل سياسي وإنساني واضح في حماية المرضى والأطباء والمستشفيات.
“الصحة لا يجب أن تكون ضحية للحرب”
أكدت المنظمات أن العنف الذي يطال المرافق الطبية ووسائل النقل الصحي والعاملين في القطاع لم يتراجع، بل استمر وتفاقم في عدد من السياقات. ووصفت الوضع بأنه مؤشر واضح على تآكل القواعد التي وُضعت للحد من أضرار الحروب على المدنيين.
فالاعتداء على المستشفيات لا يعني فقط ضرب مبنى أو تعطيل خدمة، بل يؤدي إلى حرمان مجتمعات كاملة من العلاج، وإلى وفاة مصابين كان يمكن إنقاذهم، وإلى إجبار نساء على الولادة دون رعاية كافية، وإلى تعريض المرضى والطواقم الطبية للخطر في لحظات يفترض أن تكون فيها الرعاية الصحية أكثر حماية.
رسالة موجهة إلى الدول وأطراف النزاع
لم يكتف النداء بالتعبير عن القلق، بل دعا جميع الدول وأطراف النزاعات المسلحة إلى احترام القواعد التي تحمي الرعاية الصحية. كما شدد على أن التزام الدول لا يقتصر على احترام القانون بنفسها، بل يشمل أيضاً استخدام نفوذها لدى أطراف النزاع التي تدعمها أو تؤثر فيها لضمان احترام هذه القواعد.
وهنا يبرز البعد السياسي للنداء: المنظمات الثلاث لا تتحدث فقط عن انتهاكات ميدانية، بل عن غياب الإرادة السياسية لتحويل الالتزامات الدولية إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ والمحاسبة.
مطالب عملية لتعزيز الحماية
طالبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة الصحة العالمية، وأطباء بلا حدود الدول باتخاذ إجراءات عاجلة، بينها إدماج حماية الرعاية الصحية في عقائد القوات المسلحة وقواعد الاشتباك والتوجيهات العملياتية، ومراجعة القوانين الوطنية أو تعزيزها لحماية المستشفيات والطواقم الطبية في زمن الحرب.
كما دعت إلى تخصيص موارد مالية وتقنية وتشغيلية كافية لتنفيذ تدابير الحماية، وإجراء تحقيقات سريعة وشفافة ومحايدة في الهجمات على الرعاية الصحية، ودعم جهود المساءلة وفق الأطر القانونية المعمول بها.
ومن بين المطالب أيضاً تقديم تقارير منتظمة وشفافة حول تنفيذ القرار 2286، بما يسمح برصد التقدم والصعوبات والممارسات الجيدة والدروس المستخلصة.
أرقام مقلقة حول الهجمات على الرعاية الصحية
يأتي هذا النداء في ظل معطيات مقلقة حول تزايد الهجمات على القطاع الصحي. تقارير حديثة تشير إلى توثيق ما يقارب 10 آلاف هجوم على مرافق صحية وعاملين في الرعاية خلال ما يزيد قليلاً عن عشر سنوات، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الميداني.
كما ذكرت رويترز، نقلاً عن منظمة الصحة العالمية، أن الهجمات على المرافق والعاملين الصحيين ارتفعت عالمياً، وأن بعض مناطق النزاع شهدت إغلاق مراكز صحية وتضرر مستشفيات، ما يضع المرضى والمدنيين أمام خطر مضاعف: خطر الحرب وخطر انهيار العلاج.
لماذا يهم هذا النداء الآن؟
أهمية النداء لا تكمن فقط في أنه صادر عن ثلاث منظمات كبرى، بل في توقيته. فالعالم يمر بمرحلة تتعدد فيها النزاعات المسلحة، وتزداد فيها صعوبة عمل الطواقم الطبية والإنسانية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح استهداف الرعاية الصحية أو تعطيلها عاملاً يفاقم الكوارث الإنسانية ويطيل آثار الحرب حتى بعد توقف القتال.
كما أن حماية المستشفيات ليست مسألة طبية فقط، بل قضية قانونية وأخلاقية وسياسية. فالقانون الدولي الإنساني يمنح حماية خاصة للجرحى والمرضى والعاملين الصحيين والمرافق الطبية، لكن هذه الحماية تفقد معناها إذا لم تقترن بالتحقيق والمساءلة والضغط السياسي الفعلي.
بين القانون والإرادة السياسية
تشدد المنظمات الثلاث على أن المشكلة ليست في غياب القواعد، بل في ضعف تنفيذها. فقواعد الحرب واضحة، والقرار 2286 أكد منذ سنة 2016 ضرورة حماية الرعاية الصحية في النزاعات، لكن الهجمات المستمرة تكشف أن الالتزامات لا تتحول دائماً إلى سلوك ميداني أو قرارات سياسية رادعة.
ولهذا جاء النداء ليضع المسؤولية على عاتق الدول، سواء كانت طرفاً مباشراً في نزاع، أو داعمة لطرف آخر، أو عضواً في المجتمع الدولي قادراً على الضغط من أجل احترام القانون.
النداء المشترك من رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، والرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود، ليس بياناً بروتوكولياً عابراً، بل تحذير من أن حماية الرعاية الصحية في الحروب وصلت إلى نقطة حرجة.
بعد عشر سنوات على القرار 2286، تبدو الرسالة أكثر وضوحاً: المستشفيات ليست أهدافاً عسكرية، والأطباء والمرضى ليسوا جزءاً من المعركة، والرعاية الصحية يجب ألا تتحول إلى ضحية إضافية للحرب. وما لم تتحول الالتزامات الدولية إلى إجراءات ومحاسبة، فإن العقد المقبل قد يحمل مزيداً من الانهيار في واحدة من أهم قواعد الإنسانية أثناء النزاعات.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله