لم تعد الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران تعني هدوءًا حقيقيًا، بل تحولت إلى سباق صامت بين الدبلوماسية والسلاح، حيث تتقدم المفاوضات خطوة، بينما تبقى الجيوش في أقصى درجات الاستعداد. في اليوم الحادي عشر من وقف إطلاق النار، تتقاطع إشارات الانفراج القادمة من واشنطن مع تحذيرات إسرائيلية من انهيار مفاجئ، في وقت تواصل فيه إيران التلويح بأخطر أوراقها في مضيق هرمز، لتبقى المنطقة معلقة على خيط رفيع بين التهدئة والانفجار.
دخلت الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران يومها الحادي عشر وسط مشهد شديد التعقيد، حيث تتحدث واشنطن عن تقدم في الاتصالات السياسية، بينما تبدي طهران حذرا واضحا، وتتعامل إسرائيل مع الساعات المقبلة بوصفها مرحلة حساسة قد تشهد انهيارا مفاجئا لوقف إطلاق النار. الصورة العامة لا تعكس سلاما مستقرا، بل هدنة هشة تتقاطع فيها المفاوضات مع الاستعدادات العسكرية والضغوط البحرية في مضيق هرمز.
في الجانب الأمريكي، أشارت تقارير صحفية أمريكية إلى أن مسؤولين في البيت الأبيض يتوقعون حدوث انفراجة في المفاوضات مع إيران خلال الأيام القليلة المقبلة، مع تطلع لعقد مزيد من المحادثات في باكستان. كما ذكرت تقارير أخرى أن واشنطن لا تزال ترى في المسار التفاوضي فرصة قائمة، رغم استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين. هذا التوجه يتقاطع مع ما نقلته رويترز اليوم عن وجود حديث من الجانبين عن “تقدم” في المحادثات، لكن مع بقاء فجوات كبيرة تمنع إعلان اتفاق نهائي حتى الآن.
في المقابل، بدا الموقف الإيراني أكثر تحفظا. فقد نقلت رويترز اليوم عن نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده أن موعد الجولة المقبلة من التفاوض لم يُحدَّد بعد، وأن الأمر يتطلب أولا التوصل إلى إطار تفاهم متفق عليه بين الجانبين. وأضافت الوكالة أن المحادثات الرفيعة التي جرت في إسلام آباد، وهي الأعلى مستوى منذ الثورة الإيرانية عام 1979، انتهت من دون اتفاق، رغم حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية عقد لقاءات مباشرة جديدة قريبا. هذا يعني أن الحديث عن انفراجة محتملة لا يزال، حتى الآن، مؤشرا سياسيا أكثر منه اختراقا نهائيا مؤكدا.
أما في إسرائيل، فتسود حالة حذر أمني مرتفع. ورغم أن تفاصيل التأهب القصوى وردت أساسا في تقارير إعلامية إسرائيلية، فإن مؤشرات القلق من انهيار الهدنة لا تبدو معزولة عن التطورات الميدانية والسياسية الأوسع. تقارير إسرائيلية وأمريكية تحدثت عن استعدادات لاحتمال تعثر المسار الحالي، في وقت تؤكد فيه رويترز أن وقف إطلاق النار نفسه يقترب من نهايته مع بقاء احتمال استئناف العمليات العسكرية قائما إذا لم تُحسم الملفات الأساسية في التفاوض. لذلك، فإن القراءة الإسرائيلية للأوضاع تبدو مبنية على تقدير مفاده أن الهدنة لم تتحول بعد إلى تسوية مستقرة يمكن الركون إليها.
ويزداد هذا القلق مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، الذي تحول من ممر ملاحي إلى واحدة من أخطر نقاط الاشتباك في الأزمة. فقد أفادت رويترز سابقا بأن الحرس الثوري الإيراني أعلن أن أي سفينة تحاول المرور في المضيق ستكون معرضة للاستهداف، كما نقلت الوكالة في مارس أن طهران هددت بإطلاق النار على أي سفينة تحاول العبور بعد إعلانها إغلاق المضيق. وفي أبريل، عادت رويترز لتؤكد أن حالة الغموض لا تزال تخيم على المضيق رغم حديث متكرر عن تقدم في المباحثات، وأن إيران أعادت فرض سيطرتها عليه بعد هدنة سابقة قصيرة.
الرسالة الإيرانية في هذا الملف واضحة. طهران تريد أن تبقي مضيق هرمز ورقة ضغط حقيقية في التفاوض، لا مجرد ممر بحري منفصل عن الأزمة. رويترز ذكرت أيضا، قبل أيام، أن إيران عرضت ضمن مقترحاتها السماح للسفن بالخروج الآمن عبر الجانب العماني من المضيق إذا جرى التوصل إلى اتفاق يمنع تجدد الحرب. هذا الطرح يكشف أن حرية الملاحة باتت جزءا من المقايضة السياسية والأمنية، وليست فقط قضية تجارية أو بحرية.
في الجهة المقابلة، تواصل الولايات المتحدة تشديد الضغوط البحرية والاقتصادية. تقارير وول ستريت جورنال أفادت اليوم بأن الجيش الأمريكي يستعد لتوسيع عمليات اعتراض واحتجاز السفن المرتبطة بإيران في المياه الدولية، ضمن حملة أشد صرامة تستهدف الضغط على طهران ودفعها إلى تقديم تنازلات في الملف النووي وفتح مضيق هرمز بشكل كامل. وتشير هذه المعطيات إلى أن واشنطن تريد الجمع بين التفاوض من جهة، والضغط العسكري والاقتصادي من جهة أخرى، بدل الاكتفاء بمسار دبلوماسي منفرد.
هذا التداخل بين المفاوضات والتأهب العسكري يفسر لماذا تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى “وقف هش للنار” منها إلى تسوية مستقرة. رويترز أوضحت أن الحرب دخلت أسبوعها الثامن، وأنها خلفت آلاف القتلى وامتدت آثارها إلى لبنان وإلى حركة التجارة والطاقة عبر الخليج، كما أدت إلى ارتفاع أسعار النفط بسبب اضطراب المرور في هرمز. وعندما تكون ملفات بهذا الحجم مطروحة على الطاولة، يصبح أي تقدم محدود عرضة للتعثر السريع إذا لم يتحول إلى اتفاق شامل يحسم القضايا الأساسية.
على المستوى السياسي، تبدو باكستان مرة أخرى مرشحة للعب دور الوسيط. تقارير أمريكية تحدثت عن رغبة البيت الأبيض في إجراء مزيد من المحادثات هناك، كما أن وول ستريت جورنال أشارت إلى أن وسطاء يعتقدون بإمكانية بدء جولة تفاوضية جديدة قريبا في باكستان. لكن رويترز تؤكد في المقابل أن إيران لا تريد تحديد مواعيد جديدة قبل حسم إطار التفاهم، وهو ما يعني أن أي جولة مقبلة، إذا تمت، ستكون رهينة اتفاق أولي على قواعد التفاوض نفسها.
المشهد الحالي، إذن، يقوم على معادلة دقيقة. الولايات المتحدة تتحدث عن تقدم وتواصل الضغط. إيران لا تغلق باب التفاوض لكنها ترفض التسرع في إعلان اختراق غير مضمون. إسرائيل تتصرف على أساس أن الهدنة قد تنهار في أي وقت. أما مضيق هرمز فيظل النقطة الأكثر حساسية، لأنه يختصر توازن القوة في البحر، ويؤثر مباشرة في التجارة العالمية وأسعار الطاقة. هذه العناصر مجتمعة تجعل الهدنة قابلة للاستمرار نظريا، لكنها تبقى مهددة عمليا في كل لحظة.
في الخلاصة، لا يمكن القول إن الأزمة تتجه بثبات إلى الانفراج، كما لا يمكن الجزم بأن انهيار الهدنة بات حتميا. المؤكد فقط أن اليوم الحادي عشر من وقف إطلاق النار كشف عن حقيقة أساسية، وهي أن المسار الدبلوماسي ما زال حيا، لكنه يتحرك تحت سقف عسكري منخفض الارتفاع، يكفي أي احتكاك صغير لتمزيقه. وبين تفاؤل البيت الأبيض، وتحفظ طهران، وتأهب إسرائيل، تبقى المنطقة معلقة بين احتمالين متوازيين: اتفاق يثبت التهدئة، أو انتكاسة تعيد النار إلى الواجهة في وقت قصير.
