دبلوماسية “الإنعاش الاصطناعي”… حين تتحول السياسة إلى غرفة إنعاش دائمة

أخبار وطنية
Advertisement

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

في مشهد يكاد يُدرّس في كليات “إدارة الأزمات المستعصية”، تعود الجماعة الإنمائية لأفريقيا الجنوبية ( الصادك) إلى الواجهة، لا بسبب إنجاز اقتصادي أو تكامل إقليمي، بل لأنها وجدت نفسها مجددًا مسرحًا لمحاولة “بعث الروح” في مشروع سياسي يرفض الواقع الاعتراف به منذ عقود.
القصة باختصار: تم تقديم شخص يُدعى الهيبة عباس ممثلاً لما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، في خطوة بدت وكأنها حلقة جديدة من مسلسل طويل عنوانه: كيف تُبقي فكرة على قيد الحياة رغم غياب مقومات الحياة؟
غير أن هذه الحلقة لا يمكن فهمها دون الإشارة إلى الفاعل الأكثر حضورًا في الكواليس: النظام العسكري الجزائري، الذي لم يكتفِ بدعم هذا الطرح، بل تحول إلى الراعي الأساسي له سياسيًا ودبلوماسيًا منذ نشأته.

  • إنعاش مستمر منذ نصف قرن

إذا كانت هناك جائزة عالمية لأطول عملية إنعاش سياسي، فبلا شك سيحصدها هذا الملف. أكثر من نصف قرن من الضخ المالي والسياسي والإعلامي، ومع ذلك لا تزال “الحالة” في العناية المركزة، تعتمد على أجهزة خارجية للبقاء.
المفارقة الساخرة أن هذا “الإنعاش” لم يعد مجرد دعم، بل أقرب إلى تبنٍّ كامل: تحركات دبلوماسية، ضغط داخل المنظمات، وسعي دائم لتوسيع رقعة الاعتراف. وكأننا أمام مشروع لا يعيش بذاته، بل بما يُضخ فيه.

  • دبلوماسية الضغط… أم دبلوماسية الإحراج؟

ما جرى داخل الجماعة الإنمائية لأفريقيا الجنوبية، وفق متابعين، لا يمكن فصله عن ضغط سياسي واضح يمارسه النظام العسكري الجزائري داخل بعض الهيئات الإقليمية. وهنا تتحول الدبلوماسية من فن الإقناع إلى تمرين في “ليّ الذراع”، حيث يصبح المطلوب ليس بناء توافق، بل تمرير موقف حتى لو كان بلا وزن فعلي على الأرض.
أما تصريحات إلياس ماغوسي، التي ألمحت إلى دعم الطرح الانفصالي، فتبدو كأنها جزء من هذا المشهد الرمزي: كلمات كبيرة، لكن أثرها الواقعي يظل محدودًا، خاصة حين يُنظر إليها في سياق توازنات وضغوط أكثر من كونها قناعات راسخة.

  • “الاعتراف” كمنتج قابل للتصدير

واحدة من أكثر المفارقات إثارة للسخرية هي فكرة “شراء الاعتراف”. كأننا أمام منتج دبلوماسي يُسوّق في الأسواق: كلما زاد الضخ سياسيًا وماليًا زادت فرص الحصول على مواقف مؤقتة. غير أن هذا “الاعتراف” غالبًا ما يكون هشًا، يتغير بتغير المصالح، وينتهي بانتهاء الظرف.
وهنا تبرز مفارقة أخرى: في وقت تُصرف فيه موارد معتبرة في الخارج لخدمة هذا الملف، تتصاعد تساؤلات داخلية حول جدوى هذا الاستثمار السياسي الطويل، وحول أولوياته مقارنة باحتياجات داخلية أكثر إلحاحًا.

  • الوهم حين يواجه الواقع

المعضلة الأساسية ليست في قلة المحاولات، بل في طبيعة المشروع نفسه. فكما يقول المثل: ما بُني على باطل فهو باطل. لا يمكن لفكرة أن تستمر فقط لأنها تُموَّل، ولا لكيان أن يكتسب شرعية لأنه يُسوَّق له سياسيًا.
بل إن الإصرار على إعادة تدوير نفس الطرح، بنفس الأدوات، يعطي انطباعًا بأننا أمام سياسة لا تبحث عن حل، بقدر ما تسعى إلى إبقاء الملف قائمًا ،ولو عبر “إنعاش اصطناعي” دائم.

  • “العكر على الخنونة”… استراتيجية رسمية؟

في النهاية، يبدو أن ما يحدث هو مجرد إضافة طبقة جديدة من “العكر على الخنونة”. خطوة رمزية تُقدَّم كإنجاز، بينما هي في الواقع محاولة أخرى لإخفاء مأزق عميق، تُدار خيوطه من خلف الستار بجهد سياسي مستمر.
لكن الواقع، كعادته، أقل قابلية للتزييف من البيانات الرسمية. وكلما تم وضع “ياجورة” جديدة، سقطت عشر ،ليس لأن هناك مؤامرة، بل لأن الأساس نفسه غير قابل للبناء.

  • الخلاصة

ما جرى ليس تحولًا استراتيجيًا، بل تكرار لنفس الأسلوب: ضخ مستمر، ضغط سياسي، ورعاية واضحة من النظام العسكري الجزائري لهذا المسار، مقابل نتائج محدودة تدور في حلقة مفرغة.
وبينما تستمر محاولات الإنعاش، يبقى السؤال الحقيقي:
هل المشكلة في نقص الجهد… أم في طبيعة المشروع نفسه؟
إلى أن يُجاب عن هذا السؤال، سيظل المشهد كما هو:
غرفة إنعاش مفتوحة… ومريض لا يغادرها.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً