بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
يأتي شهر رمضان كل عام محمّلًا بمعاني الرحمة والتقارب الإنساني، وكأنه فرصة جماعية لإعادة ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين. غير أن مفارقة واضحة تفرض حضورها في السنوات الأخيرة: فبينما تتسع مظاهر التدين الفردي والطقوس الرمضانية، تتراجع إحدى أعمق القيم الاجتماعية التي ارتبطت بهذا الشهر عبر التاريخ، وهي علاقة الجار بجاره. هكذا أصبح الجار في رمضان يعيش بين ذاكرة تضامن دافئة وواقع يميل إلى النسيان.
- ذاكرة رمضان… حين كان الجار جزءًا من العائلة
في الذاكرة الشعبية، لم يكن رمضان مجرد زمن للصيام، بل كان موسمًا للحياة المشتركة. كانت الأزقة تنبض بالحركة قبل أذان المغرب، وتتنقل أطباق الإفطار بين البيوت دون تكلف، في تعبير بسيط عن المشاركة والاهتمام. لم يكن السؤال عن الجار واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل سلوكًا تلقائيًا يعكس شعورًا عميقًا بالانتماء.
كان الأطفال يتعلمون منذ الصغر أن طرق باب الجار حاملاً طبقًا صغيرًا يساوي درسًا أخلاقيًا كاملًا، وأن القرب المكاني يعني مسؤولية إنسانية متبادلة. تلك التفاصيل اليومية صنعت شبكة تضامن غير معلنة، لكنها فعالة في مواجهة الفقر والوحدة والظروف الصعبة.
- واقع جديد… علاقات متقاربة جغرافيًا متباعدة إنسانيًا
اليوم تغيّرت الصورة. فالمباني الحديثة ارتفعت، لكن المسافات النفسية بين السكان اتسعت. يعيش كثيرون سنوات طويلة دون معرفة أسماء جيرانهم، وأصبح التواصل يمر عبر الشاشات أكثر مما يمر عبر الأبواب.
ساهمت عدة عوامل في هذا التحول؛ إيقاع الحياة المتسارع، ضغط العمل، تصاعد النزعة الفردية، إضافة إلى نمط السكن الحضري الذي يقلّص فرص اللقاء العفوي. ومع هيمنة العالم الرقمي، صار الإنسان على اتصال دائم بالعالم البعيد، لكنه أقل حضورًا في محيطه القريب.
وهنا تتشكل المفارقة الرمضانية: شهر يُفترض أن يعزز القرب الاجتماعي، لكنه يُعاش أحيانًا داخل دوائر ضيقة تقتصر على الأسرة الصغيرة.
- التضامن… من المبادرات الكبرى إلى التفاصيل الصغيرة
لا يعني تراجع علاقة الجوار غياب روح الخير؛ فالمبادرات الخيرية تتكاثر خلال رمضان، وحملات التبرع والإفطارات الجماعية تتوسع عامًا بعد آخر. غير أن التضامن الحقيقي يبدأ غالبًا من المسافة الأقرب: باب الجار.
فالسؤال عن جار مسن يعيش وحده، أو مشاركة وجبة بسيطة مع أسرة تمر بضائقة، قد يكون أكثر أثرًا من مبادرة بعيدة لا تُلامس الواقع اليومي. التضامن هنا ليس فعل إحسان عابر، بل بناء شعور بالأمان الاجتماعي، حيث يشعر الفرد أنه ليس وحيدًا في مواجهة الحياة.
- الجار… مؤشر صحة المجتمع
يُقاس تماسك المجتمعات أحيانًا بمدى قوة علاقات الجوار فيها. فحين يعرف الناس بعضهم بعضًا، تقل العزلة وتزداد الثقة، ويصبح الحي فضاءً إنسانيًا لا مجرد تجمع سكني. أما حين يغيب الجار عن الوعي الاجتماعي، تتحول المدن إلى أماكن مزدحمة بالأفراد لكنها فقيرة بالعلاقات.
ورمضان، بما يحمله من بعد روحي، يمنح فرصة سنوية لإحياء هذا المعنى؛ إذ يذكّر الإنسان بأن العبادة لا تنفصل عن حسن المعاملة، وأن القرب من الله يمر أيضًا عبر القرب من الناس.
- بين الحنين والفعل
ليس الهدف استعادة الماضي كما كان، فالمجتمعات تتغير بطبيعتها، لكن الممكن هو إعادة إحياء جوهر العلاقة الإنسانية في سياق جديد. خطوات بسيطة قد تعيد الدفء المفقود: تحية صادقة، طبق إفطار رمزي، تفقد محتاج بصمت، أو مبادرة صغيرة داخل العمارة أو الحي.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا مع كل رمضان: هل سنكتفي بالحنين إلى زمن التضامن، أم نحول الذكرى إلى ممارسة يومية؟
فالجار في رمضان ليس مجرد تقليد اجتماعي قديم، بل قيمة إنسانية قادرة على مقاومة العزلة الحديثة، إذا قررنا ألا نتركها تسقط في واقع النسيان.


التعاليق (0)