في الوقت الذي ترفع فيه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة شعارات “ترشيد الموارد” و”الحكامة الناجعة”، وتصدر المراسلات الصارمة، وآخرها المراسلة الوزارية عدد 0367$3 الصادرة بتاريخ 17 يوليوز 2025 بشأن إعداد الخريطة التربوية المعدلة، التي شددت بوضوح على دقة التوقعات، والاستغلال الأمثل للموارد، والتوزيع المتكافئ للأطر، وترشيد البنيات بما يضمن العدالة المجالية وتكافؤ الفرص، تفجر حالة “مجموعة مدارس المتنبي” بالمديرية الإقليمية لتيزنيت لغزاً تدبيرياً عصياً على الفهم، يضع صدقية الشعارات الرسمية على المحك.
وفي هذا السياق تبرز مجموعة مدارس المتنبي كنموذج صارخ للعبث التدبيري، حيث يتفرغ إطار إداري برتبة متصرف تربوي كلياً للإشراف على 15 تلميذاً و3 أساتذة فقط، في رفاهية تدبيرية تجعل من المؤسسة مدرسة خاصة فارهة بتمويل عمومي سخي، بينما يُترك “الخصاص” ينهش جسد المدرسة العمومية في مناطق أخرى من الإقليم.
وفي سياق متصل، تئن بعض مكاتب المديرية الإقليمية بتيزنيت ومؤسيات بالسلكين الثانوي والإعدادي بالإقليم تحت وطأة الخصاص المهول في الأطر الإدارية، وسط الشعارات الرسمية حول “الحكامة الناجعة” و”ترشيد الموارد”. مما يجعل هذا الاستثناء لا يضرب فقط عرض الحائط بالمراسلة الوزارية رقم 0367/25 الصادرة بتاريخ 17 يوليوز 2025، بل يضع صدقية شعارات “الخريطة التربوية المعدلة” في مهب الريح.
مدرسة بـ “تلميذة وحيدة”: استهتار تربوي أم عزل اجتماعي؟
تكشف المعطيات الصادمة القادمة من الميدان أن بنية هذه المؤسسة شبحية بامتياز؛ فمدير المؤسسة (متصرف تربوي) يشرف على طاقم من ثلاثة أساتذة فقط، لتدريس 15 تلميذاً! والأدهى من ذلك، أن إحدى الفرعيات (أكني نتيزكت) تم الإبقاء عليها مفتوحة من أجل تلميذة واحدة فقط في المستوى الأول، تؤطرها أستاذة كاملة الأوصاف، في مشهد ينسف كل منطق لـجماعة الفصل ويحرم الطفلة من حقها الطبيعي في التفاعل الاجتماعي والتربوي مع أقرانها.
هذا الوضع لا يمكن تصنيفه ضمن الهشاشة الديمغرافية، بل هو خطأ تدبيري جسيم مكتمل الأركان؛ فبدلاً من تفعيل آليات النقل المدرسي بتنسيق مع الجماعة الترابية لإلحاق هذه التلميذة بالمركزية وتوفير بيئة تعليمية سليمة، اختارت المديرية الإقليمية “الحل الأسهل” والمكلف للدولة: هدر مورد بشري (أستاذة) من أجل تلميذة واحدة، في وقت تئن فيه مؤسسات أخرى تحت وطأة الخصاص.
رائحة الزبونية تفوح من التكليفات
لم يقف العبث عند حدود البنية الفارغة، بل امتد لتدبير الموارد البشرية الذي أثار ريبة النقابيين والمتتبعين. فحين يتم تكليف أستاذ من هذه المؤسسة “شبه المهجورة” للعمل بمدرسة الفضيلة، وبالموازاة مع ذلك يتم نقل أطر قارة من مدرسة الفضيلة نحو وجهات أخرى، فإننا لا نتحدث هنا عن تخطيط تربوي، بل عن “هندسة للمحسوبية” تهدف لتلبية رغبات خاصة تحت غطاء ضرورات المصلحة.
هذا التخبط يطرح تساؤلات حارقة حول طبيعة التنسيق بين مصلحة تدبير الموارد البشرية ومصلحة التخطيط بتيزنيت: كيف يتم الإبقاء على مؤسسة شبحية بينما يتيح القانون ضمها لمجموعة قريبة؟ وكيف يسمح لمدير مؤسسة أن يعيش حالة بطالة مقنعة بتدبير 15 تلميذا بينما تعاني المصالح الإقليمية ومؤسسات السلكين الثانوي والإعدادي من خصاص مهول في الأطر الإدارية والحراس العامين؟ ومن يحمي هذا الريع التربوي من مقصلة الإصلاح.
من يحمي “الاستثناء” من التغيير؟
إن استمرار هذا الوضع “النشاز” في مجموعة مدارس المتنبي يعكس خللاً بنيوياً في مراقبة الخريطة المدرسية. فبدلاً من أن تكون الخريطة أداة دينامية لتصحيح الاختلالات، تحولت في تيزنيت إلى مجرد تمرين تقني لتثبيت الولاءات وكستارة لتثبيت الأمر الواقع وحماية المصالح الضيقة. إن تحويل الاستثناء المؤقت إلى وضع دائم هو تعطيل متعمد لروح الإصلاح وتواطؤ مفضوح ضد مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة المجالية.
المسؤولية تقتضي المحاسبة
إن ما يحدث في “مجموعة مدارس المتنبي” ليس مجرد سوء تقدير، بل هو نموذج صارخ لـ “الريع التربوي” الذي يستنزف ميزانية الدولة بلا طائل. إن الرأي العام التعليمي بتيزنيت ينتظر اليوم من الوزارة الوصية والأكاديمية الجهوية إيفاد لجان تفتيش لتقصي الحقائق، وتحديد المسؤوليات، والإجابة عن الأسئلة التي تؤرق الرأي العام من قبيل من المستفيد من بقاء هذه المؤسسة مفتوحة؟ وعلى أي أساس تُبنى التكليفات “المشبوهة” التي تضرب استقرار المنظومة بتيزنيت؟
إن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في تطهير الممارسة الميدانية من جيوب المقاومة التي تعطل منطق الإصلاح، وجعلت من تدبير القطاع ضيعة للمحسوبية والولاءات على حساب حق التلميذ وهيبة المدرسة العمومية. فالإصلاح التربوي يُقاس فقط حين تتحول روحه إلى عدالة فعلية في توزيع الموارد وخدمة حقيقية للمتعلم. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو الأسئلة التي تثيرها حالة م/م المتنبي أقل ارتباطًا بمؤسسة بعينها، وأكثر اتصالًا بمستقبل المدرسة العمومية نفسه.


التعاليق (0)