بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في محطة دبلوماسية جديدة تعكس تموقعه المتصاعد داخل المنظومة الإفريقية، انتُخب المغرب، بأديس أبابا، لولاية جديدة مدتها سنتان في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، وذلك من الدور الأول وبأغلبية مريحة بلغت 34 صوتاً، أي أكثر من ثلثي أصوات الدول الأعضاء. ويأتي هذا الانتخاب في سياق انعقاد الدورة العادية الثامنة والأربعين للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي، تمهيداً لقمة رؤساء الدول والحكومات، بما يمنح هذه النتيجة بعداً سياسياً مضاعفاً يتجاوز الطابع الإجرائي للانتخاب.
هذا التطور لا يندرج ضمن خانة المكاسب الظرفية، بل يحمل أبعاداً استراتيجية تعكس مكانة المغرب داخل القارة، كما يكشف في الآن ذاته عن تحولات أعمق في موازين النفوذ داخل الاتحاد الإفريقي، خاصة في ظل تعثر محاولات أطراف أخرى فرض أجندات لم تعد تجد صدى واسعاً داخل البيت الإفريقي.
- انتخاب من الدور الأول: تصويت على مسار دبلوماسي
الحصول على 34 صوتاً من الدور الأول يشكل مؤشراً واضحاً على مستوى الثقة الذي تحظى به المملكة لدى شركائها الأفارقة. فعضوية مجلس السلم والأمن غالباً ما تخضع لتجاذبات وتحالفات دقيقة، ما يجعل الفوز بأغلبية موصوفة دليلاً على شبكة دعم عابرة للتكتلات الجغرافية والسياسية.
ويمكن قراءة هذا الانتخاب باعتباره تصويتاً على حصيلة الحضور المغربي داخل الاتحاد الإفريقي منذ عودته سنة 2017، حيث تبنت الرباط سياسة إفريقية قائمة على الشراكة جنوب-جنوب، والاستثمار في مشاريع تنموية، وبناء علاقات ثنائية تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتوازن. بذلك، لم يعد الحضور المغربي رمزياً، بل تحول إلى حضور مؤسساتي مؤثر داخل أجهزة القرار الإفريقية.
- تراكم الخبرة داخل جهاز محوري
ليست هذه المرة الأولى التي يشغل فيها المغرب مقعداً داخل مجلس السلم والأمن، إذ سبق له أن تولى ولايتين متتاليتين، ما منحه خبرة مؤسساتية ومعرفة دقيقة بآليات اشتغال هذا الجهاز التقريري الدائم المكلف بالوقاية من النزاعات وتدبيرها وتسويتها.
وخلال ولاياته السابقة، دافع المغرب عن مقاربة تقوم على دعم الحلول الإفريقية للنزاعات الإفريقية، وتعزيز آليات الإنذار المبكر، وربط الأمن بالتنمية باعتبارهما مسارين متلازمين. هذه الخبرة التراكمية تمنحه أفضلية نسبية في ولايته الجديدة، خاصة في سياق قاري يتسم بتعقيدات متزايدة، من أزمات سياسية وانتقالات عسكرية في بعض الدول، إلى تنامي تهديدات الجماعات المتطرفة وتداعيات التغيرات المناخية والهجرة غير النظامية.
- سياق موازٍ: تعثر رهانات قديمة
في موازاة هذا الصعود المغربي، شهدت كواليس الاتحاد الإفريقي محاولة فاشلة لفرض ما يُعرف بـ“الجمهورية الصحراوية” كمرشح لمقعد شمال إفريقيا داخل مجلس السلم والأمن. غير أن هذا الترشيح انتهى إلى انسحاب معلن قبل المرور إلى التصويت، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول خلفياتها ودلالاتها.
فالإعلان عن الانسحاب قبل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع فُسّر من قبل مراقبين على أنه مؤشر على غياب أي دعم فعلي داخل القارة، وعلى صعوبة إقناع الدول الأعضاء بجدوى هذا الترشيح. كما اعتُبر دليلاً إضافياً على تراجع المقاربات التقليدية القائمة على الاصطفافات الإيديولوجية، في مقابل صعود منطق الشراكات التنموية والاستقرار الإقليمي.
هذا التطور يعكس، في العمق، تحوّلاً في أولويات الدول الإفريقية، التي باتت تمنح الأفضلية للتعاون الاقتصادي والاستثمار ونقل الخبرات، بدل الانخراط في صراعات سياسية ممتدة. وفي هذا السياق، تبدو الدبلوماسية المغربية أكثر انسجاماً مع المزاج الإفريقي الراهن، بحكم تركيزها على مشاريع ملموسة في مجالات البنية التحتية والطاقة والفلاحة والخدمات المالية، إضافة إلى التعاون في محاربة الإرهاب والتكوين الديني.
- بين الأمن والتنمية: رؤية تتقدم
منذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي، عمل المغرب على ترسيخ تصور يعتبر أن معالجة جذور النزاعات تمر عبر التنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار المجتمعي. لذلك لم يقتصر حضوره على الجانب السياسي، بل امتد إلى الاستثمار في مشاريع بنيوية كبرى، وإطلاق مبادرات للتعاون الديني والأمني، ما عزز صورته كفاعل يزاوج بين البعد الاستراتيجي والبعد التنموي.
هذا التموقع يمنحه هامشاً أوسع للتأثير داخل مجلس السلم والأمن، خاصة في الدفع نحو سياسات وقائية تعالج الأسباب البنيوية للهشاشة، بدل الاكتفاء بتدبير نتائجها الأمنية.
- رهانات المرحلة المقبلة
رغم رمزية الفوز وأبعاده السياسية، فإن الولاية الجديدة لن تخلو من تحديات. فالمجلس مطالب بتفعيل آلياته في بيئة إقليمية معقدة، والتوفيق بين مواقف دول أعضاء تختلف في أولوياتها وحساباتها السياسية. كما سيكون على المغرب أن يوازن بين الدفاع عن مصالحه الوطنية والمساهمة في بناء توافقات إفريقية أوسع، بما يحافظ على صورته كفاعل مسؤول يسعى إلى الحلول التفاوضية والاستقرار الإقليمي.
- خلاصة
إن انتخاب المغرب من الدور الأول لولاية جديدة في مجلس السلم والأمن الإفريقي يشكل محطة متقدمة في مسار عودته القوية إلى محيطه القاري. فهو تتويج لتراكم دبلوماسي منذ 2017، ورسالة ثقة من الشركاء الأفارقة، كما يعكس في المقابل تحولات في موازين النفوذ داخل الاتحاد الإفريقي، حيث تتراجع رهانات قائمة على منطق الصراع، لصالح مقاربات ترتكز على التنمية والشراكة.
وبين رمز الثقة وتحدي المسؤولية، تفتح الولاية الجديدة صفحة إضافية في سجل الحضور المغربي داخل إفريقيا، عنوانها: شراكة عملية من أجل قارة أكثر استقراراً، في زمن تتغير فيه قواعد التأثير داخل البيت الإفريقي.


التعاليق (0)