التصعيد النقابي وإعادة تدوير الأزمة: من يخدع من؟

أخبار وطنية

أصدرت النقابات التعليمية الأكثر تمثيلية بلاغا مشتركا أعلنت من خلاله عن برنامج نضالي تصعيدي، دعت فيه الشغيلة التعليمية إلى خوض إضرابات وطنية أيام 11 و12 فبراير، تليها أيام 17 و18 و19 من الشهر نفسه، مع تنظيم وقفة احتجاجية ممركزة بالرباط، وذلك احتجاجًا على ما وصفته بنهج التسويف والمماطلة الذي تنهجه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في تعاطيها مع الملفات المطلبية.
غير أن هذا البلاغ، في توقيته ومضمونه، يفتح بابا واسعا للتساؤل حول مسار الفعل النقابي في القطاع التعليمي، وحول أسباب هذه العودة المفاجئة إلى منسوب مرتفع من الاحتجاج، بعد مرحلة طويلة من الصمت والارتباك. فما الذي تغيّر اليوم حتى تقرر النقابات رفع سقف النضال؟ ههل نمارس الفعل النقابي أم ردود الأفعال؟ ولماذا لم يُواجَه منطق التسويف، الذي تشتكي منه اليوم، في حينه وبالزخم نفسه؟
إن المتتبع لمسار الحراك التعليمي خلال الموسمين الأخيرين يَستحضر بوضوح كيف دُفِع الأساتذة إلى تعليق احتجاجاتهم والعودة إلى أقسامهم، استجابة لدعوات رسمية من النقابات نفسها، تحت شعار ″إعطاء فرصة للحوار″( الحوار المغشوش). غير أن حصيلة هذه اللقاءات التقنية والموضوعاتية جاءت دون مستوى الانتظارات، بل خلّفت إحباطا واسعا في صفوف الشغيلة التعليمية، دون أن يصاحب ذلك أي تقييم صريح أو مساءلة داخلية لمسؤولية الاختيارات النقابية المتَّبعة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال الشرعية التنظيمية بقوة: هل بادرت النقابات إلى عقد جموع عامة أو دورات لمجالسها الوطنية لتقييم المرحلة السابقة، وتحديد مكامن الخلل، وصياغة رؤية نضالية واضحة؟ أم أن القرار النضالي ما يزال حبيس منطق فوقي، يُتخذ بمعزل عن إشراك فعلي للقواعد التعليمية التي يُفترض أنها المعنية الأولى بمخرجات هذا الصراع؟
كما يظل الغموض قائما بخصوص طبيعة العلاقة التي ربطت النقابات بالوزارة خلال الفترة الماضية. فكم عدد اللقاءات التي عُقدت؟ وما مضامينها ومخرجاتها؟ ولماذا تقرر اليوم فقط فك الارتباط مع منهجية اللقاءات الثنائية؟ وهل لهذا التحول المفاجئ صلة بسياقات سياسية وانتخابية قادمة، أكثر مما له علاقة بتراكم موضوعي في انسداد الحوار؟
الأخطر من ذلك أن البرنامج النضالي المعلن يتجاهل، أو يؤجل مرة أخرى، ملفات مركزية تمس جوهر الوضع المهني والاجتماعي لنساء ورجال التعليم، من قبيل إسقاط الساعات التضامنية، وتقليص ساعات العمل، والتعويض عن العمل بالمناطق القروية والنائية، ومآل مشروع مدارس الريادة، وإدماج أساتذة التعليم الأولي، وتسوية ملفات الأساتذة المفروض عليهم التعاقد، وحاملي الشهادات العليا، وتوحيد الأجور، والترقيات، ووضعية المبرزين،… فضلا عن الصمت غير المفهوم حول قضايا كبرى(قانون 54.23) كإدماج “الكنوبس” مع “السنيسيس”، وملف التقاعد.
إن حصر الصراع اليوم في شعار “رفض التسويف والمماطلة” يظل طرحا قاصرا، بل فاقدا لجزء من مصداقيته، ما دامت هذه الممارسة نفسها تُستنسخ في علاقة النقابات بقواعدها. فالمعركة الحقيقية لا تُختزل في مواجهة الوزارة فقط، بل تمرّ أيضا عبر مراجعة جذرية لأداء العمل النقابي، واستعادة الثقة المفقودة، وبناء فعل نضالي ديمقراطي واضح الأفق، صادق مع قواعده، وقادر على الدفاع الفعلي عن الحقوق المشروعة للشغيلة التعليمية.
لا يبدو أن القواعد النقابية تعيش حالة انسجام أو رضا تجاه السلوكات التي تطبع أداء القيادات المركزية، وهي سلوكات باتت توحي بصراع محموم لا يتوقف حتى عند حدود الظهور الإعلامي والتقاط الصور، أكثر مما تعكس انشغالًا فعليًا بالدفاع عن قضايا الشغيلة التعليمية. فالفجوة بين القواعد والقيادات تتسع باطراد، في ظل إحساس متنامٍ بأن القرار النقابي لم يعد يُصاغ من داخل هموم الميدان، بل داخل حسابات ضيقة تحكمها منطق الاصطفاف والتنافس الداخلي.
وفي المقابل، يصعب الاعتقاد بأن الوزارة مستعدة للتخلي عن هذه النخب النقابية التي أنهكتها البيروقراطية، وأثقلتها الشيخوخة التنظيمية، وتغلغلت داخلها المصالح الذاتية، إذ يوفر وجودها، في كثير من الأحيان، شريكا مطمئنا وموثوقا به لحوار فاقد للنجاعة. فحين يتحول الحوار الاجتماعي إلى مجرد صالونات للدردشة، وتُرحَّل الملفات الكبرى أو تُفرَّغ من مضمونها، مقابل تسويات جزئية أو تغييرات شكلية في وضعيات بعض الأطر النقابية، خصوصا أعضاء اللجن التقنية، يصبح الاحتقان القاعدي نتيجة طبيعية لا مفر منها.
وفي مثل هذا السياق، لا يكون مستغربا أن يفقد خطاب التنسيق الخماسي قدرته على التأثير، وأن يغيب صداه في وجدان الشغيلة التعليمية، لأن المطلب النضالي حين ينفصل عن المصداقية، وحين يُحمَل من قبل قيادات فقدت ثقة قواعدها، يتحول إلى مجرد إعلان شكلي لا يلامس جوهر الأزمة ولا يستنهض الفعل الجماعي الحقيقي.
ذ. سمير محمد المحندي

التعاليق (0)

اترك تعليقاً