هذا المقال من رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن توجه أكادير 24.

وحدة المحامين ورهان كسب الرأي العام: مدخل أساسي لتجاوز أزمة مشروع قانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة

كُتّاب وآراء

لم تعد الأزمة المرتبطة بمشروع قانون مهنة المحاماة مجرد خلاف تقني حول مضامين تشريعية أو صيغ تنظيمية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمكانة الدفاع داخل منظومة العدالة، وللقدرة الجماعية للمحامين على حماية استقلال مهنتهم باعتبارها ضمانة أساسية لحقوق المواطنين. ففي لحظات من هذا النوع، يصبح نجاح أي فعل مهني رهينًا، في المقام الأول، بمدى وحدة الجسم المهني وتماسكه حول اختيارات واضحة ومشتركة.

إن تعدد الهيئات وتنوع الآراء داخل مهنة المحاماة يظل مصدر غنى وقوة، لكنه في زمن الأزمات قد يتحول إلى نقطة ضعف إن لم يُحسن تدبيره ضمن إطار وحدوي جامع. ولذلك، فإن الرهان الأساسي اليوم لا يكمن فقط في حجم الخطوات النضالية أو أشكالها، بقدر ما يكمن في وضوح الرسالة ووحدة الموقف. فكلما كان صوت المحامين موحدًا، كلما تعززت مصداقية مطالبهم، وانتقلت من دائرة الدفاع الفئوي الضيق إلى فضاء الدفاع عن مصلحة عامة تتعلق بجودة العدالة واستقلالها.

وفي هذا السياق، يبرز تحدٍّ لا يقل أهمية، يتمثل في ضرورة كسب تفهم الفرق البرلمانية والرأي العام الوطني لطبيعة هذه الأزمة. فمشروع القانون يوجد اليوم في قلب المسطرة التشريعية، حيث يصبح البرلمان فضاءً حاسمًا لتصحيح الاختلالات وإعادة الاعتبار للتوازنات الضرورية. غير أن نجاح هذا المسار يظل مشروطًا بقدرة المحامين على إقناع الفاعل البرلماني بأن الأمر لا يتعلق بمقاومة الإصلاح، بل بالسهر على ألا يتحول الإصلاح إلى أداة لإضعاف أحد أعمدة العدالة.

إن إضعاف المحاماة أو المساس باستقلاليتها لا يمكن فصله عن مآلاته المباشرة على حق المواطن في الدفاع، وعلى شروط المحاكمة العادلة كما يقرها الدستور والمواثيق الدولية. فالمحامي المستقل هو الضامن لعدالة متوازنة، وهو الحلقة التي تحمي المواطن، خاصة في لحظات الهشاشة القانونية، من تغول السلطة أو اختلال ميزان القوة داخل المسار القضائي. ومن ثم، فإن أي تشريع ينتقص من استقلال الدفاع، مهما كانت مبرراته، ينعكس حتمًا على ثقة المواطن في العدالة وعلى شعوره بالأمان القانوني.

ومن هنا، تكتسي معركة التوضيح والتواصل مع الرأي العام أهمية قصوى. فنجاح المحامين لا يتوقف فقط على قدرتهم على الاحتجاج، بل على قدرتهم على شرح موقفهم بلغة هادئة ومسؤولة، تُبرز أن الدفاع عن استقلال المهنة هو دفاع عن حق المجتمع في عدالة منصفة، لا عن امتيازات مهنية. وكلما استوعب الرأي العام هذا المعطى، تحولت مطالب المحامين إلى مطلب مجتمعي واسع، يصعب تجاوزه أو التقليل من شأنه.

إن تجاوز هذه الأزمة يمر، في جوهره، عبر معادلة دقيقة: وحدة داخلية صلبة، وانفتاح خارجي ذكي على البرلمان والرأي العام. فبهذين الشرطين فقط يمكن لمهنة المحاماة أن تحصن مكتسباتها، وأن تساهم، من موقعها الدستوري والوظيفي، في بناء عدالة قوية، مستقلة، وقادرة على حماية حقوق المواطنين وصون دولة القانون.

الاستاذ خالد الغريص محام بهيئة اكادير كلميم و العيون

التعاليق (0)

اترك تعليقاً