لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد تطبيقات نفتحها بين لحظة وأخرى. بالنسبة لكثيرين، تحولت إلى جزء من الروتين اليومي: عند الاستيقاظ، أثناء العمل أو الدراسة، وقبل النوم. لكن السؤال الذي يزداد حضوره اليوم هو: متى يصبح هذا الاستخدام ثقيلاً على النفس، ومتى يبدأ في التأثير على النوم، التركيز، العلاقات، والشعور العام بالرضا؟
دراسة حديثة تعيد فتح النقاش
أعاد تقرير السعادة العالمي لسنة 2026 النقاش حول تأثير الاستخدام الكثيف لمواقع التواصل على الرفاه النفسي، خصوصاً لدى الشباب. وبحسب ما نقلته Reuters عن التقرير، فإن الاستخدام الثقيل لهذه المنصات يبدو مرتبطاً بانخفاض مستوى الرفاه لدى فئات شابة، ولا سيما الفتيات في بعض البلدان الناطقة بالإنجليزية. غير أن التقرير شدد أيضاً على أن العلاقة معقدة، ولا تثبت وحدها سبباً مباشراً ووحيداً لكل تراجع في الصحة النفسية.
أكثر من خمس ساعات يومياً.. رقم يثير القلق
من بين المؤشرات اللافتة أن الفتيات في سن 15 عاماً اللواتي يستخدمن مواقع التواصل لأكثر من خمس ساعات يومياً سجلن مستويات أقل من الرضا عن الحياة مقارنة بمن يستخدمنها وقتاً أقل. هذا لا يعني أن كل دقيقة على الهاتف ضارة، لكنه يوضح أن الإفراط، خاصة حين يتحول إلى تصفح سلبي طويل، قد يزاحم النوم والحركة والدراسة والعلاقات الواقعية.
المشكلة ليست في التواصل وحده
الخبراء لا يضعون كل أشكال الاستخدام في خانة واحدة. فالتواصل الحقيقي مع العائلة والأصدقاء قد يكون مفيداً أحياناً، بينما يبدو المحتوى الذي تدفعه الخوارزميات بشكل متواصل، خصوصاً محتوى المقارنات والمشاهير والمؤثرين، أكثر ارتباطاً بالشعور بالضغط والنقص وعدم الرضا. لهذا، فالسؤال الأهم ليس فقط: كم ساعة نقضي على المنصات؟ بل أيضاً: ماذا نشاهد؟ ولماذا نعود إلى التطبيق كل مرة؟
كيف يؤثر الاستخدام المفرط على الرفاه؟
قد يظهر التأثير عبر مسارات متعددة. فالتصفح الليلي يؤخر النوم ويقلل جودته، والتنقل المستمر بين المقاطع القصيرة يضعف التركيز، والمقارنات اليومية مع صور مثالية قد ترفع التوتر أو الشعور بعدم الكفاية. كما أن الإشعارات المتكررة تجعل الدماغ في حالة انتظار دائم، كأن الشخص لا يحصل على لحظة صمت حقيقية.
الشباب والفتيات أكثر حساسية لهذا الضغط
لا يتأثر الجميع بالطريقة نفسها. فالمراهقون والشباب، خاصة في مراحل بناء الهوية والثقة بالنفس، قد يكونون أكثر حساسية للمقارنات الاجتماعية، التعليقات السلبية، التنمر الرقمي، وضغط الصورة المثالية. لذلك، فإن الحديث عن حماية الرفاه النفسي لا يعني التخويف من التكنولوجيا، بل بناء عادات رقمية أكثر وعياً.
هل الحل هو حذف التطبيقات؟
ليس بالضرورة. بالنسبة لكثيرين، قد يكون الحل في تقليل الوقت، تغيير نوع المحتوى، إيقاف الإشعارات غير الضرورية، وتحديد فترات بلا هاتف خلال اليوم. كما يمكن تخصيص آخر ساعة قبل النوم لأنشطة هادئة بعيداً عن الشاشة، مثل القراءة أو المشي الخفيف أو الحديث العائلي. المهم هو أن يعود المستخدم إلى التحكم في المنصة، بدل أن تتحكم المنصة في يومه.
خطوات عملية لاستخدام أكثر توازناً
يمكن البدء بخطوات بسيطة: مراقبة وقت الاستخدام أسبوعاً كاملاً، حذف الحسابات التي تثير القلق أو المقارنة، ضبط حدود يومية للتطبيقات، ترك الهاتف خارج غرفة النوم، وتعويض جزء من وقت التصفح بنشاط حركي أو لقاء مباشر. كما يُنصح الآباء بمناقشة الموضوع مع الأبناء بهدوء، لا بمنطق المنع فقط، لأن التربية الرقمية تحتاج ثقة وحواراً مستمراً.
متى يصبح الأمر مقلقاً؟
يصبح الاستخدام المفرط أكثر خطورة عندما يبدأ في تعطيل الدراسة أو العمل، أو يسبب عزلة، أو يؤثر على النوم، أو يرتبط بقلق وحزن متكرر، أو يجعل الشخص عاجزاً عن التوقف رغم رغبته في ذلك. في هذه الحالات، من الأفضل طلب مساعدة مختص في الصحة النفسية، خصوصاً إذا ظهرت أفكار مؤذية للذات أو تراجع واضح في الأداء اليومي.
مواقع التواصل ليست شراً مطلقاً، لكنها ليست مساحة بلا تكلفة نفسية أيضاً. فحين يكون الاستخدام مفرطاً، سلبياً، ومبنياً على المقارنة الدائمة، قد يتراجع الرفاه النفسي ويتأثر النوم والتركيز والرضا عن الحياة. أما الاستخدام الواعي، الذي يضع حدوداً للوقت ويعطي الأولوية للعلاقات الواقعية، فقد يجعل التكنولوجيا أداة تواصل لا مصدراً يومياً للضغط.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله