تتكرر داخل المشهد السياسي المغربي ظاهرة تثير الاستغراب والجدل: يصبح شخص ما قيادياً أو برلمانياً أو رئيساً لجماعة، وبعد سنوات يظهر الابن أو الزوجة أو الأخ أو أحد الأقارب في موقع انتخابي آخر، وأحياناً داخل الحزب نفسه والدائرة نفسها، وربما على رأس اللائحة التي كان يتقدمها قريبه.
لا تقف الظاهرة دائماً عند دخول فرد ثان من العائلة إلى العمل السياسي، بل قد نجد أفراداً من الأسرة نفسها موزعين بين البرلمان والجماعة والمجلس الإقليمي أو الجهوي والغرف المهنية والهياكل القيادية للحزب.
يخرج أحدهم من موقع فيدفع بقريب ليحل مكانه، أو يستمر في منصبه ويضع فرداً من أسرته بجانبه، وكأن المقعد السياسي أصبح جزءاً من ممتلكات العائلة، وكأن الحزب لم يعد فضاءً مفتوحاً أمام المناضلين والمواطنين، بل ممراً خاصاً تعبر منه الأسماء نفسها جيلاً بعد جيل.
هذه الظاهرة توصف عادة بـ«التوارث السياسي»، غير أن الدقة تفرض التمييز بين حق أي مواطن في الانخراط والترشح، وبين استغلال النفوذ الحزبي لتمكين الأقارب من التزكيات والمواقع.
هل يتعلق الأمر فعلاً بالتوريث؟
مصطلح «التوريث السياسي» ليس وصفاً قانونياً، لأن المقعد البرلماني أو الجماعي لا ينتقل آلياً من الأب إلى الابن وفق قواعد الإرث. لكل مرشح، من الناحية القانونية، ملف ترشيح وانتخابات ونتائج معلنة.
لكن المصطلح يستعمل سياسياً لوصف انتقال النفوذ والفرص والموارد والعلاقات من شخص إلى أحد أقاربه، بما يمنح أفراد عائلات معينة أفضلية لا تتوفر لبقية المناضلين.
الذي ينتقل هنا ليس المقعد وحده، بل مجموعة من الموارد التي تساعد على الوصول إليه: الاسم العائلي، والشبكة الانتخابية، والقدرة المالية، والعلاقات مع القيادات الحزبية، والنفوذ المحلي، ومعرفة خريطة الأعيان والوسطاء، والتحكم في أجهزة الحزب داخل الدائرة.
لذلك قد لا يكون هناك «توريث» بالمعنى القانوني الصريح، لكن يمكن أن يكون هناك امتداد عائلي للنفوذ السياسي، تنتقل بواسطته فرص الترشيح والقيادة من جيل إلى آخر.
ولا توجد، في المصادر الرسمية المفتوحة التي أمكن الاطلاع عليها، قاعدة بيانات وطنية تحصي صلات القرابة بين جميع البرلمانيين والمنتخبين والقيادات الحزبية. لذلك لا يمكن تأكيد نسبة دقيقة للعائلات التي تجمع بين عدة مناصب، ولا يجوز تقديم الظاهرة إحصائياً من دون دراسة وطنية موثقة.
لكن غياب الإحصاء لا يلغي وجود حالات معلنة ومعروفة، كما لا يعفينا من طرح السؤال حول طريقة صناعة النخب ومنح التزكيات داخل الأحزاب.
القرابة ليست جريمة ولا دليلاً كافياً على الفساد
من الضروري التأكيد أن وجود الأب والابن، أو الزوج والزوجة، أو الشقيقين في حزب واحد لا يشكل في حد ذاته جريمة أو مخالفة انتخابية.
الدستور يضمن للمواطنين حق المشاركة السياسية والترشح وفق الشروط التي يحددها القانون. ولا يمكن منع شخص من العمل السياسي فقط لأنه ابن برلماني أو زوجة رئيس جماعة أو شقيق قيادي حزبي.
قد يكون الابن أكثر كفاءة من والده، وقد تكون الزوجة صاحبة مسار مستقل ونضال حقيقي، وقد ينجح شقيقان في إقناع الناخبين كل واحد منهما داخل دائرة مختلفة. كما أن النشأة في أسرة مهتمة بالشأن العام يمكن أن تؤدي بصورة طبيعية إلى انتقال الاهتمام بالسياسة بين أفرادها، تماماً كما يحدث في المهن الحرة والعمل النقابي والمجتمع المدني.
لذلك لا يجوز اتهام شخص بالمحاباة أو الفساد لمجرد صلة القرابة. ولا يمكن اعتبار كل عائلة سياسية شبكة مصالح، لأن ذلك يحتاج إلى وقائع ووثائق وأدلة.
لكن المشروعية القانونية لا تمنع النقاش السياسي والأخلاقي. والسؤال ليس: هل يحق لابن البرلماني أن يترشح؟ بل: كيف حصل على التزكية؟ وهل خضع للمعايير نفسها التي يخضع لها بقية المناضلين؟ وهل امتلك مساراً سياسياً مستقلاً، أم أن اسمه العائلي كان مؤهله الأساسي؟
متى تتحول القرابة إلى محاباة سياسية؟
تبدأ المشكلة عندما يستخدم القيادي الحزبي نفوذه من أجل إعداد الطريق لأحد أفراد أسرته، أو عندما تتحول مؤسسة الحزب إلى أداة لحماية مصالح العائلة وتوزيع المواقع بين أفرادها.
تظهر المحاباة، سياسياً، عندما تمنح التزكية للقريب من دون منافسة داخلية حقيقية، أو عندما يُبعد مناضلون راكموا سنوات من العمل لإفساح المجال أمام ابن قيادي لم يعرفه التنظيم إلا قبل الانتخابات.
وتظهر أيضاً عندما ينتقل القريب مباشرة إلى مقدمة اللائحة، أو إلى موقع مؤهل للفوز، من دون إعلان معايير الاختيار أو نشر نتائج التداول داخل أجهزة الحزب.
وقد تأخذ الظاهرة صورة أكثر تعقيداً عندما يتوزع أفراد الأسرة بين مؤسسات مختلفة: واحد في البرلمان، وآخر على رأس جماعة، وثالث داخل مجلس إقليمي أو جهوي، ورابع في غرفة مهنية أو هيئة حزبية.
هذا التوزيع لا يثبت المخالفة وحده، لكنه يصبح مثيراً للقلق عندما يقترن بالتحكم في منح التزكيات، وتبادل الدعم، وحماية المصالح، وإغلاق الأبواب أمام المنافسين داخل الحزب.
عندها لا نكون أمام أسرة مهتمة بالشأن العام فقط، بل أمام احتمال تشكل مركز نفوذ عائلي يستخدم الحزب والانتخابات لإعادة إنتاج نفسه.
الحزب بين وظيفته الدستورية ومنطق العائلة
يمنح الفصل السابع من الدستور المغربي الأحزاب وظيفة مركزية، تتمثل في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وتدبير الشأن العام، والتعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب وبالوسائل الديمقراطية.
ويشدد الفصل نفسه على ضرورة أن يكون تنظيم الأحزاب وتسييرها مطابقين للمبادئ الديمقراطية. ويمكن الرجوع إلى النص الرسمي للدستور والقوانين التنظيمية الخاصة بالأحزاب عبر الأمانة العامة للحكومة.
وهنا يظهر التناقض: كيف يمكن لحزب أن يطالب بالديمقراطية في الدولة بينما تظل معايير توزيع التزكيات داخله غير معلنة؟ وكيف يقنع الشباب بالمشاركة السياسية إذا كانت المقاعد المؤهلة للفوز محجوزة للأسماء النافذة وأقاربها؟
إذا كانت قيادة الحزب تنتقل بين الأشخاص أنفسهم، وإذا كانت التزكيات تُمنح بناء على القرب العائلي أو المالي، فإن وظيفة التأطير والتكوين تفقد معناها. فما جدوى أن ينخرط الشاب في فرع حزبي ويشارك في الحملات والاجتماعات، إذا كان يعلم أن مستقبله السياسي سيتوقف أمام عائلة أكثر نفوذاً؟
الحزب الحقيقي يصنع القيادات ولا يستوردها ليلة الانتخابات. يفتح المجال أمام الكفاءة، ويجعل التدرج التنظيمي والعمل الميداني معيارين للتقدم. أما الحزب الذي يكتفي بإعادة إنتاج الأسماء العائلية، فيتحول تدريجياً من مؤسسة سياسية إلى شبكة انتخابية موسمية.
لماذا تجد الظاهرة طريقها داخل الأحزاب؟
لا يمكن تفسير التوارث السياسي بسبب واحد، إذ تتداخل فيه عوامل حزبية وانتخابية واجتماعية ومالية.
أول هذه العوامل ضعف الديمقراطية الداخلية. ففي عدد من الأحزاب لا تكون طريقة اختيار المرشحين واضحة بالقدر الكافي للمناضلين والرأي العام. وقد تمنح الأجهزة المركزية التزكية بناءً على حسابات «الفوز» والنفوذ المحلي، بدل اعتماد انتخابات داخلية مفتوحة.
العامل الثاني هو اعتماد بعض الأحزاب على الأعيان. فالشخص القادر على تمويل حملته وحشد الأصوات وبناء شبكة من العلاقات يصبح مطلوباً انتخابياً، حتى إن كان حضوره السياسي والفكري محدوداً. وعندما يتقاعد أو ينتقل إلى موقع آخر، تبحث القيادة عن شخص يحافظ على الشبكة نفسها، فتجد الحل الأسرع في الابن أو الزوجة أو الأخ.
أما العامل الثالث فهو ضعف التكوين الحزبي. فحين لا يستثمر الحزب في إعداد قيادات جديدة، يصبح رهيناً للأسماء المعروفة والعائلات القادرة على ضمان الاستمرارية الانتخابية.
وهناك كذلك عامل الاسم العائلي؛ فالناخب قد يعرف العائلة أكثر مما يعرف البرنامج. وفي بعض الدوائر، تتحول الانتخابات إلى منافسة بين شبكات محلية مرتبطة بالأسر والأعيان، وليس بين مشاريع سياسية واضحة.
عندما يصبح المناضل مجرد سلّم انتخابي
أخطر نتائج الامتداد العائلي داخل الأحزاب هو الشعور بالإحباط لدى المناضلين الذين يقضون سنوات في خدمة التنظيم، ثم يكتشفون أن الترقية السياسية لا تقوم على الكفاءة أو الأقدمية أو ثقة القواعد.
يُلصق المناضل الملصقات، ويحضر الاجتماعات، ويدافع عن الحزب في الأزمات، ويعبئ الناخبين خلال الحملات، لكنه عندما يحين موعد توزيع التزكيات يُطلب منه أن يصفق لابن القيادي أو لقريبه الذي وصل حديثاً.
في هذه الحالة يصبح المناضل سلّماً يصعد عليه الآخرون، وليس عضواً كاملاً يمتلك فرصة حقيقية للوصول إلى المسؤولية.
ولا يؤدي ذلك إلى مغادرة الأفراد فقط، بل يفرغ الأحزاب من طاقاتها الحية. فالشباب الذين يرون الأبواب مغلقة أمامهم إما ينسحبون من السياسة، أو يبحثون عن حزب آخر يمنحهم التزكية، أو يتحولون بدورهم إلى باحثين عن العلاقات عوض الاستثمار في التكوين والعمل الميداني.
تمثيل النساء أم إعادة إنتاج النفوذ؟
يجب التعامل بحذر شديد مع حضور زوجات وبنات القياديين داخل المؤسسات المنتخبة. فمن جهة، شكل ارتفاع تمثيلية النساء في البرلمان والمجالس المنتخبة تطوراً مهماً بعد عقود من الغياب شبه الكامل.
وتوضح دراسة منشورة في مجلة «دفاتر برلمانية» أن المغرب لم يعرف انتخاب أي امرأة في البرلمان خلال الاستحقاقات الأولى، قبل أن تدخل امرأتان إلى مجلس النواب عقب انتخابات 1993، ثم تتوسع التمثيلية النسائية لاحقاً. ويمكن الاطلاع على الدراسة عبر منصة المجلات العلمية المغربية.
لكن دعم مشاركة النساء لا ينبغي أن يتحول إلى نافذة لإعادة إنتاج نفوذ القيادات عبر الزوجات أو البنات أو القريبات. كما لا يجوز، في الاتجاه المعاكس، اختزال كل امرأة لها قريب في السياسة في كونها مجرد امتداد له.
المعيار المنصف واحد: هل تمتلك المرشحة مساراً مستقلاً وكفاءة وحضوراً ميدانياً؟ وهل اختيرت وفق مسطرة شفافة؟ وهل كانت الفرصة متاحة لنساء أخريات داخل الحزب؟
إذا توفرت هذه الشروط، فلا ينبغي أن تتحول القرابة إلى تهمة. أما إذا كانت اللائحة المخصصة لتمكين النساء تستخدم حصراً لترتيب مستقبل العائلات النافذة، فنكون قد انتقلنا من التمييز الإيجابي إلى الامتياز العائلي.
هل تعالج القوانين المشكلة؟
يخضع العمل الحزبي للقانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، الذي عرف تعديلات متعاقبة، آخرها القانون التنظيمي رقم 54.25 المنشور سنة 2026. وتعرض الأمانة العامة للحكومة النصوص الأصلية والتعديلات المتصلة بالأحزاب السياسية.
وأكدت المحكمة الدستورية في دجنبر 2025 أن القانون التنظيمي رقم 54.25 لا يتضمن ما يخالف الدستور، وفق ما أوردته SNRTnews.
لكن القوانين، مهما تطورت، لا يمكنها وحدها إنهاء المحاباة إذا بقيت التزكيات خاضعة لمفاوضات مغلقة. فالقانون يحدد شروط الأهلية وموانع الترشح والتمويل والمراقبة، لكنه لا يمنع كل أفراد العائلة نفسها من ممارسة السياسة، لأن المنع الشامل سيمس حقوقاً دستورية.
الحل لا يكمن في حرمان الأقارب من الترشح، بل في جعل طريقة اختيارهم قابلة للتدقيق والمساءلة.
الظاهرة لا تخص حزباً واحداً
من الخطأ تقديم التوارث السياسي باعتباره مشكلة حزب واحد أو تيار محدد. فالامتداد العائلي ظهر، بدرجات وأشكال مختلفة، داخل أحزاب تنتمي إلى الأغلبية والمعارضة، وإلى اليمين واليسار والوسط.
وقد تتغير العائلة من حزب إلى آخر عندما تتغير المصالح أو تتعذر التزكية. وهذا يكشف أن الرابط في بعض الحالات لا يكون فكرياً أو برنامجياً، بل يكون انتخابياً مرتبطاً بالبحث عن الموقع القادر على ضمان الفوز.
ولهذا لا ينبغي استعمال الموضوع لتصفية الحسابات مع حزب بعينه، بل لفتح نقاش مؤسساتي حول قواعد مشتركة تلزم الجميع.
كما ينبغي التمييز بين توثيق وجود أقارب في مواقع سياسية وبين إثبات أن أحدهم فرض الآخر أو تدخل لصالحه. الصلة العائلية يمكن التحقق منها، لكن ادعاء المحاباة يحتاج إلى محاضر أو شهادات موثقة أو قرارات حزبية أو معطيات واضحة. وما عدا ذلك يبقى استنتاجاً سياسياً لا يجوز تقديمه كحقيقة قضائية.
ماذا تخسر الديمقراطية؟
عندما تستقر لدى المواطنين فكرة أن السياسة مجال مغلق تحتكره العائلات والأموال والأسماء النافذة، تتضرر الثقة في الانتخابات قبل أن تبدأ الحملة.
فالناخب الذي يرى الأب يغادر ليأتي الابن، والزوج ينسحب لتدخل الزوجة، والقريب يعوض قريبه، قد يشعر بأن صوته لا يغير النخبة، بل يختار فقط أي فرع من العائلة سيدير الموقع.
كما تضعف المحاسبة، لأن المنتخب لا يعود معتمداً على ثقة المواطنين والمناضلين وحدها، بل على شبكة عائلية تحمي حضوره وتؤمن استمراره.
وتتضرر الكفاءة أيضاً، لأن أفضل المرشحين لا يصلون بالضرورة إلى مقدمة اللوائح. وقد يصبح الولاء للشخص أو العائلة أكثر فائدة من التكوين والنزاهة والقدرة على التشريع ومراقبة الحكومة.
وتخلص دراسة أكاديمية حول النخبة البرلمانية المغربية بين 2011 و2021 إلى أهمية الانتخابات في تجديد النخب أو تكريس استمراريتها، وهو ما يجعل آليات دوران القيادات محوراً أساسياً في تقييم الحياة السياسية. الدراسة منشورة في مجلة دفاتر برلمانية.
المطلوب ليس منع العائلات بل منع الاحتكار
لا تحتاج الحياة السياسية إلى قانون يمنع شخصاً من الترشح بسبب اسم والده أو زوجته. إنها تحتاج إلى ضمانات تمنع أي عائلة من احتكار الفرص والقرار الحزبي.
ويمكن البدء بإلزام الأحزاب بنشر معايير منح التزكيات قبل الانتخابات، مع الإعلان عن أسماء المتقدمين وبيان المسار التنظيمي والسياسي لكل مرشح.
كما يمكن اعتماد انتخابات داخلية فعلية في الدوائر التي يتقدم فيها أكثر من مرشح، مع توفير آلية مستقلة للطعن في قرارات التزكية، ونشر التعليل عندما تتجاوز القيادة اختيار القواعد المحلية.
ومن الضروري أيضاً التصريح بصلات القرابة عندما يشارك قيادي حزبي في هيئة تقرر منح التزكية لأحد أفراد أسرته، مع انسحابه من المداولة والتصويت منعاً لتعارض المصالح.
ويتعين على الأحزاب نشر بيانات دورية حول تجديد النخب، وأعمار المرشحين، ومدد تحملهم للمسؤولية، ومساراتهم التنظيمية، بدل الاكتفاء بشعارات دعم الشباب والنساء.
أما البرلمان والباحثون ومؤسسات الحكامة، فيمكنهم إنجاز دراسة وطنية توثق الحضور العائلي داخل المؤسسات المنتخبة وفق منهج علمي يحترم المعطيات الشخصية. فالنقاش الحالي يعتمد غالباً على حالات متفرقة، ولا يسمح بقياس الحجم الحقيقي للظاهرة.
الحزب ليس عقاراً ولا أصلاً تجارياً
السياسة ليست مهنة عائلية مغلقة، والحزب ليس عقاراً يتركه القيادي لأبنائه، والمقعد البرلماني ليس أصلاً تجارياً ينتقل إلى الزوجة أو الأخ عندما تقتضي الحسابات ذلك.
قد يكون للأبناء والأزواج والأقارب الحق الكامل في ممارسة السياسة، لكن هذا الحق لا يمنحهم أولوية تلقائية على آلاف المناضلين. وما يحسم المشروعية السياسية ليس اسم العائلة، بل الكفاءة والنزاهة والمسار الواضح والاختيار الديمقراطي.
إذا كان ابن القيادي يستحق التزكية، فليتقدم أمام القواعد إلى جانب الآخرين، وليعرض مساره وبرنامجه، وليفز وفق قواعد معلنة. وإذا كانت زوجة البرلماني تمتلك الكفاءة والاستقلالية، فلا شيء يمنعها من الترشح، على أن تخضع للمنافسة نفسها.
أما أن يختار القريب قريبه، ثم يطلب الحزب من المناضلين الدفاع عن القرار، فذلك لا يصنع نخبة سياسية، بل يعيد إنتاج النفوذ نفسه بوجوه وأسماء جديدة.
المشكلة، في النهاية، ليست أن تنخرط عائلة كاملة في السياسة؛ المشكلة أن تختصر عائلة كاملة الحزب في نفسها.
وحين يصبح الطريق إلى البرلمان أقصر لمن يملك أباً أو زوجاً أو أخاً في القيادة، وأطول لمن لا يملك سوى الكفاءة والعمل والنزاهة، فإننا لا نكون أمام تنافس ديمقراطي سليم، بل أمام امتياز سياسي مقنع بصناديق الاقتراع.
عبدالله بن عيسى




