بمجرد إعلان نتائج الامتحان الوطني للباكالوريا، عاشت التلميذة ملاك أبا عوص لحظة استثنائية، بعدما حصلت على معدل 16,14 في شعبة العلوم الفيزيائية خيار فرنسية، متوجة سنوات من الاجتهاد والصبر والإصرار.
ولم يكن هذا النجاح مجرد نتيجة مدرسية عادية، بل محطة مضيئة في مسار فتاة فقدت بصرها بالكامل وهي في الثانية عشرة من عمرها، حين كانت تتابع دراستها بالسنة الأولى من التعليم الإعدادي، لكنها اختارت أن تحول تلك الصدمة إلى دافع للتفوق.
فقدان البصر لم يوقف الحلم
تستعيد ملاك مرحلة فقدان البصر بكثير من الهدوء، رغم قسوتها عليها وعلى أسرتها. فقد كانت الصدمة كبيرة، لكن القرار كان واضحا منذ البداية: عدم الاستسلام.
وتقول ملاك، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن فرحة كبيرة اجتاحتها لحظة ظهور النتائج، ليس فقط لأنها حصلت على شهادة الباكالوريا بميزة حسن جدا، بل لأنها شعرت بأن سنوات من العمل والتحدي لم تذهب سدى.
وتعتبر أن فقدان البصر شكل نقطة تحول في حياتها، حيث قررت منذ تلك اللحظة أن تثبت لنفسها وللآخرين أن الشخص الكفيف قادر على الحلم، والنجاح، وتحقيق أهدافه.
العلوم الفيزيائية.. اختيار صعب وإرادة أقوى
رغم أن كثيرين استغربوا اختيارها لشعبة العلوم الفيزيائية، بالنظر إلى ما تتطلبه من رسومات وأشكال وتمارين دقيقة، فإن ملاك رأت في هذا المسار مجالا قريبا من ميولها وشغفها العلمي.
وتوضح أنها كانت تتوقع الحصول على معدل مرتفع، بالنظر إلى حجم المجهود الذي بذلته طيلة الموسم الدراسي، مشيرة إلى أنها اشتغلت رفقة أساتذتها على تطوير مهارات التحليل والتخيل، وهي مهارات أصبحت ضرورية في مسارها الدراسي.
غير أن دراسة العلوم بالنسبة لتلميذة كفيفة لم تكن مهمة سهلة، خاصة مع اعتماد المواد العلمية على الأشكال الهندسية والرسومات البيانية.
اللمس بدل النظر
لمواجهة هذه الصعوبات، كانت ملاك تعتمد على حلول بديلة. فقد كانت تستعين بأختها أو بصديقاتها من أجل إبراز تفاصيل الأشكال والرسومات بشكل واضح، حتى تتمكن من التعرف عليها بواسطة حاسة اللمس، قبل التعامل معها داخل الفصل كما يفعل باقي التلاميذ.
وبهذا الأسلوب، استطاعت أن تحول ما قد يبدو عائقا إلى طريقة تعلم مختلفة، قائمة على التركيز، والتخيل، والمثابرة.
الأيكيدو والموسيقى.. سند في مواجهة الصدمة
إلى جانب الدراسة، شكلت الرياضة جزءا أساسيا من شخصية ملاك. فمنذ سن الرابعة ارتبطت بعالم الرياضة، قبل أن تمارس رياضة الأيكيدو، التي حققت فيها مسارا لافتا.
وتوجت ملاك هذا المسار بحصولها على الحزام الأسود من الدرجة الثانية وطنيا، والدرجة الأولى دوليا.
وتؤكد أن الرياضة لم تمنحها اللياقة البدنية فقط، بل ساعدتها أيضا على اكتساب الانضباط، والهدوء، والقدرة على التحليل واتخاذ القرار.
كما تعتبر أن الأيكيدو والموسيقى كانتا من بين أبرز العوامل التي ساعدتها على تجاوز صدمة فقدان البصر، واستعادة الثقة في الذات.
أسرة آمنت بقدراتها
خلف هذا النجاح، تقف أسرة آمنت بملاك منذ البداية. فوالدتها، كما تحكي، كانت تحرص على ألا تشعر بأنها مختلفة عن باقي الأطفال، وكانت تكبر لها النصوص الدراسية عندما كان بصرها لا يزال يسمح بالقراءة، حتى لا تشعر بأي حرج داخل الفصل.
أما شقيقتها دنيا، فتصف نجاح ملاك بأنه “إنجاز كبير”، بالنظر إلى حجم التحديات التي واجهتها في مسارها الدراسي.
وتؤكد أن الأسرة عاشت هذه التجربة بكل تفاصيلها، منذ بداية تراجع البصر إلى لحظة إعلان نتائج الباكالوريا، مشيرة إلى أن ملاك كانت دائما متفوقة ومتميزة، رغم الصعوبات التي فرضها فقدان البصر.
طموح جديد بعد الباكالوريا
رغم كل ما واجهته، لم تفقد ملاك ثقتها في المستقبل. وهي تتطلع اليوم إلى متابعة دراستها بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، مع ميل خاص نحو تخصص الترويض الطبي، الذي ترى فيه مجالا يجمع بين اهتمامها بالعلوم وشغفها بالرياضة.
وعندما سئلت عن اللحظة التي شعرت فيها بأنها انتصرت على الخوف، توقفت قليلا قبل أن تقول إن ظهور النتائج جعلها تدرك أن كل ذلك العمل لم يذهب سدى، وأنها نجحت في كسب الرهان.
قصة إرادة قبل أن تكون قصة نجاح
قصة ملاك أبا عوص ليست فقط قصة تلميذة كفيفة حصلت على معدل متميز في الباكالوريا، بل حكاية إرادة اختارت أن ترى بالبصيرة ما عجزت العين عن رؤيته.
فقد حولت فقدان البصر إلى دافع للتفوق، وجعلت من الدراسة والرياضة والموسيقى جسورا نحو الثقة، لتقدم نموذجا ملهما في الإصرار والنجاح.

