تشهد قضية وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فاكر أثناء توقيفه من طرف الشرطة بمدينة بولونيا الإيطالية تطورات متسارعة، بعد ظهور تسجيل مصور جديد يوثق اللحظات الأخيرة لمحاولات إنقاذه، في وقت تتباين فيه رواية دفاع الشرطيين مع موقف أسرة الراحل ومحاميها بشأن ظروف التدخل الأمني.
وبينما يتمسك دفاع عنصري الشرطة بأن الأمر بدأ بتدخل أمني «روتيني» قبل أن ينتهي بمأساة، تطالب أسرة فاكر بإجراء تحقيق دقيق وشفاف، خصوصاً بعدما أظهر التسجيل الجديد الضحية ممدداً على الأرض ومكبلاً أثناء محاولات إنعاشه.
دفاع الشرطيين: التدخل بدأ بصورة عادية
قال محامي عنصري الشرطة الإيطالية، غابرييلي بوردوني، في تصريحات نقلتها صحيفة «كورييري ديلا سيرا»، إن موكليه يعيشان حالة من «الصدمة والحزن الشديدين» عقب وفاة المواطن المغربي.
وأوضح بوردوني أن التدخل الأمني كان في بدايته «عادياً» قبل أن يتحول إلى «مأساة»، مشيراً إلى أن رئيس الدورية، البالغ من العمر 28 عاماً، فعّل كاميرا الجسم منذ بداية العملية.
وبحسب رواية الدفاع، يمتد تسجيل كاميرا الجسم لنحو 20 دقيقة، ويبدأ منذ اللحظات التي سبقت وصول عناصر الشرطة، عندما أقدم فاكر، وفق الرواية نفسها، على دفع أحد الأشخاص والاعتداء على سيارته.
واعتبر المحامي أن تشغيل الكاميرا منذ البداية يدل، في تقديره، على عدم وجود نية لاستخدام القوة بصورة غير قانونية، مؤكداً أن التسجيل لا يُظهر، بحسب تقييمه، «أي استعمال مفرط للقوة».
وتظل هذه الأقوال جزءاً من رواية دفاع الشرطيين، في انتظار ما ستخلص إليه التحقيقات والخبرات القضائية المختصة.
شهود صوروا الواقعة من منازلهم
أفاد بوردوني بأن عدداً من سكان الحي صوروا التدخل الأمني من نوافذ منازلهم، فيما نزل بعض المواطنين إلى الشارع لمساعدة عناصر الشرطة.
وأضاف أن طاقم الإسعاف الذي حضر إلى المكان لم يسجل، بحسب روايته، ملاحظات بشأن وجود تجاوزات واضحة خلال عملية التوقيف.
وأكد الدفاع أن الشرطيين لم يُدرجا رسمياً ضمن قائمة المشتبه فيهم في التحقيق الذي فتحته النيابة العامة الإيطالية بشأن شبهة القتل غير العمد، كما لم يصدر قرار بإيقافهما عن العمل.
ووفق المعطيات المقدمة من الدفاع، يوجد أحد الشرطيين في إجازة، بينما يخضع الثاني لعطلة مرضية بسبب إصابته خلال التدخل، بعدما تعرض، بحسب الرواية الأمنية، لمحاولة عض من طرف فاكر.
74 ثانية تعيد القضية إلى الواجهة
في المقابل، أعاد تسجيل مصور جديد، تبلغ مدته 74 ثانية وصوره أحد سكان حي بيلاسترو، الجدل حول ظروف وفاة عبد الرحيم فاكر إلى الواجهة.
ويوثق الفيديو اللحظات الأخيرة لمحاولات إنعاش المواطن المغربي من طرف أربعة عناصر من الصليب الأحمر الإيطالي، بينما كان ممدداً على الأرض، وقدماه مكبلتين بأربطة بلاستيكية ويداه مثبتتين خلف ظهره.
وأثارت هذه المشاهد تساؤلات بشأن سبب استمرار تكبيل فاكر أثناء إخضاعه للإنعاش القلبي والتنفس الاصطناعي، ومدى توافق طريقة التعامل معه مع البروتوكولات الطبية والأمنية المعمول بها.
ولا يكفي التسجيل المصور وحده للحسم في سبب الوفاة أو تحديد المسؤوليات القانونية، لكنه يشكل عنصراً يتعين على جهات التحقيق فحصه إلى جانب تسجيل كاميرا الشرطي وشهادات الحاضرين والتقارير الطبية ونتائج الخبرة الشرعية.
محامي الأسرة يتحدث عن دماء وآثار داكنة
قال محامي أسرة الضحية، فابيو أنسيلمو، إن الفيديو يُظهر آثار دماء على وجه عبد الرحيم فاكر، إضافة إلى بقع داكنة رجح أنها قد تكون مرتبطة باستعمال رذاذ الفلفل من مسافة قريبة.
ولا يمكن تأكيد طبيعة هذه البقع أو مصدر الدماء اعتماداً على التسجيل وحده، وهو ما يجعل تحديدها مسألة مرتبطة بنتائج الخبرة الطبية والفحص الجنائي.
ودعا أنسيلمو إلى إجراء تحقيق دقيق بشأن كيفية تنفيذ التدخل الأمني والوسائل التي استُعملت خلاله، فضلاً عن طريقة تقديم الإسعافات الأولية للضحية.
كما انتقد استمرار تكبيل فاكر أثناء عمليات الإنعاش، معتبراً أن هذه المعطيات تثير أسئلة جدية حول مدى احترام البروتوكولات الطبية المتبعة في مثل هذه الحالات، وتستوجب توضيحات رسمية من الجهات المختصة.
الأسرة وافقت على نشر الفيديو
أكد محامي العائلة أن نشر التسجيل تم بموافقة أسرة الراحل، التي اختارت عدم حجب ملامح وجهه.
وتهدف الأسرة، بحسب دفاعها، من خلال إتاحة الفيديو للرأي العام، إلى إظهار الحالة التي كان عليها عبد الرحيم فاكر خلال اللحظات الأخيرة لمحاولات إنقاذه، وتسليط الضوء على معطيات تعتبرها أساسية لفهم حقيقة ما وقع.
غير أن نشر التسجيل لا يحسم وحده في الروايات المتعارضة، إذ تبقى نتائج التشريح الطبي وتحليل المقاطع المصورة والاستماع إلى الشهود وتقارير المسعفين عناصر حاسمة في تحديد سبب الوفاة وتسلسل الأحداث.
احتجاجات ومطالب بتحقيق شفاف
تأتي هذه التطورات وسط توتر تشهده مدينة بولونيا عقب الاحتجاجات التي اندلعت إثر وفاة المواطن المغربي، وارتفاع مطالب حقوقية وشعبية بإجراء تحقيق مستقل وشفاف يحدد ظروف الوفاة والمسؤوليات القانونية المحتملة.
وفي خضم الجدل، زار نائب رئيس الوزراء ووزير البنية التحتية والنقل الإيطالي، ماتيو سالفيني، المدينة، حيث التقى محافظ بولونيا وقائد الشرطة، وأعرب عن دعمه لعناصر الأمن وإشادته بدورهم في حماية النظام العام.
ويأتي موقف سالفيني في وقت لم تصل فيه التحقيقات القضائية بعد إلى نتائج نهائية معلنة، ما يجعل الفصل في المسؤوليات من اختصاص النيابة العامة والقضاء الإيطاليين.
التسجيلات والخبرة الطبية في صلب التحقيق
تتجه الأنظار حالياً إلى تسجيل كاميرا الجسم الذي يمتد، وفق دفاع الشرطيين، لنحو 20 دقيقة، وإلى الفيديو الجديد الذي يوثق مرحلة الإنعاش، إضافة إلى نتائج الخبرة الطبية وشهادات سكان الحي والمسعفين.
ومن المنتظر أن تساعد مقارنة هذه العناصر في تحديد تسلسل الأحداث، وطبيعة القوة التي استُعملت أثناء التوقيف، وسبب استمرار تكبيل الضحية خلال الإنعاش، فضلاً عن السبب الطبي الدقيق للوفاة.
وإلى حين صدور نتائج رسمية ونهائية، تبقى الروايات المتداولة مواقف أطراف في القضية لا يمكن اعتماد أي منها حقيقة قضائية ثابتة، بينما تتمسك أسرة عبد الرحيم فاكر بحقها في معرفة الحقيقة كاملة ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.




