من غريب ما نراه في هذا العصر الرقمي السريع أن الأرقام التي لا تكذب أبداً أصبحت تصاب بالعمى السياسي في بعض الشاشات..
يجلس ثلاثة محللين في وقار مصطنع أمام سبورة زرقاء ليعيدوا اختراع علم الحساب أمام ملايين البشر فيحولون الثمانية الكبار في ربع النهائي بقدرة قادر إلى ستة منتخبات فقط.. وهي عملية بديهية يفهمها الراعي القابع في عزلته فوق قمم الهملايا ويعرفها رجل “الإسكيمو” وهو يشعل لفافته وسط الجليد:
الدورة تقسم على اثنين لتبدأ التصفية لكن في منطق إعلام العسكر الجزائري الذي يفضّل ان يظهر أمام العالم كله بغباء حسابي مخجل على أن يمر اسم المغرب أو يظهر علمه وهو في قمة مجده الرياضي بين الكبار.
والحقيقة أن هذا السلوك ليس مجرد موقف سياسي بل هو انعكاس لخوف دفين وبند دستوري غير مكتوب يرتعد منه الجميع.. فمن ينطق بالحقيقة هناك يُعزل أو يُسجن كما حدث لمدير هذا التلفزيون نفسه حين تجرأ يوماً وأذاع اسم المغرب في نصف نهائي مونديال قطر. هذه الحالة لم تعد صراعاً جيوسياسياً على مراكز النفوذ بل تحولت إلى عقدة نفسية مستعصية عن الفهم والعلاج والمفارقة الضاحكة هنا أن المغاربة بسخريتهم الذكية وحسهم الفكاهي المعهود استقبلوا هذا الإخفاء بابتسامة تفاؤل واعتبروه مؤشراً على انتصار قادم أمام فرنس
فقد علمتنا التجارب أن طريق هذا النظام مشؤوم وأن تجاهله للمغرب ليس إلا فأساً حسناً يبشر بالهزيمة لخصومه.
وإذا تركنا هذه الشاشة والتفتنا إلى شاشات أخرى سنجد رصداً عجيباً للطبيعة البشرية حيث يبرز المثل المغربي البليغ ( طاحت الصمعة علقوا الحجام) ليفسر حالة بعض المحللين في مصر هؤلاء الذين لم يحتملوا مرارة الهزيمة أمام الأرجنتين وبدلاً من أن يواجهوا عيوبهم الرياضية بشجاعة قاموا بإسقاط عدوانيتهم وعقدهم النفسية على المغرب، لسان حالهم يقول: ( هُزمت مصر.. إذن تعالوا نشنق المغرب) .
وهو هجوم عنيف وشمولي لا تجد له تفسيراً منطقياً تماماً كالذي ظهر في كأس إفريقيا بالرباط مما جعلنا نقف في ذهول أمام هذا السيل من الغضب في موضوع لا علاقة لنا به من قريب أو بعيد.
والتفسير النفسي لكل هذه الجلبة يكمن في “البروباغندا” الضخمة التي خدرت العقول فلم يكن الهدف من رحلة المنتخب المصري تحقيق مجد ذاتي أو الذهاب بعيداً في البطولة.. بل كان همهم الأكبر والأوحد هو القفز فوق السقف العالي الذي بناه المغرب وصنعه في كأس العالم بقطر لذلك يصرون على الصراخ الدائم: نحن أسياد إفريقيا وأبطالها وأحسن منتخب عربي
نعم والف نعم خذوا كل الألقاب والصفات والكلمات التي تشبع نرجسيتكم.. لكن لماذا تهاجموننا ونحن لم ننافسكم ولم ندخل معكم في اي سباق؟ إنه الحقد والغل والنرجسية المريضة وحين يصاب الإنسان بعمى البصيرة تحجب الرؤية عن العين فلا يرى إلا أوهامه الخاصة.
ومع كل هذا الضجيج وجب علينا أن نضع النقاط على الحروف بوعي ومسؤولية فنحن نعلم علم اليقين أن هذه الفهلوات الكلامية والخرجات الإعلامية غير المحسوبة لبعض المحللين لا تمثل بأي حال من الأحوال الشعب المصري الشقيق ولا تعكس موقف قياداته الرسمية التي جسدت عمق الروابط الأخوية حين تضامنت بشكل مطلق مع المملكة المغربية ضد الخلية الإرهابية التي تم تفكيكها وافتكاكها أول أمس في عملية استخباراتية دقيقة.
هذا التضامن الرسمي والشعبي الصادق يعكس المعدن الحقيقي للعلاقات ويفصل بوضوح بين شطحات “البلاطوهات” التلفزيونية وبين المواقف الاستراتيجية والتاريخية المشرّفة.
لذلك، سأختم بما يلي:
استحضر هنا ما قاله صحفي رياضي برازيلي مخضرم :
( لم أشاهد في حياتي غباءً تدريبياً كمدرب منتخب مصر.. أن تكون متقدماً بهدفين نظيفين قبل 12 دقيقة فقط من نهاية المقابلة ثم تقوم بإفراغ الدفاع وتحصين الهجوم!
هذا انتحار تكتيكي مكتمل الأركان
لقد أخطأتم أيها المصريون الطريق نحو تصحيح المسار وبدل مواجهة الحقيقة المُرّة على المستطيل الأخضر فضلتم الهروب إلى الأمام وتوجيه السهام نحو المغرب.
عودوا إلى الصمت..
واعملوا في صمت..
لأن كل ما هو حقيقي وأصيل يكون دائماً صامتاً،
وذاك هو الشيء الوحيد الذي يبقى راسخاً حين ينتهي حفل الصراخ…
يوسف غريب كاتب صحفي


