في زمن اعتاد فيه جمهور كرة القدم ربط المدربين الكبار بماضيهم كلاعبين، يقدم الناخب الوطني المغربي محمد وهبي نموذجاً مختلفاً تماماً. الرجل لم يصل إلى دكة “أسود الأطلس” عبر نجومية كروية سابقة، ولم يصنع اسمه من أهداف أو ألقاب كلاعب محترف، بل جاء من طريق أطول وأصعب: التعليم، التكوين، الأكاديميات، والعمل اليومي الصامت مع الناشئين.
وهنا تكمن خصوصية الرجل.
محمد وهبي ليس من ذلك النوع من المدربين الذين يبيعون سيرتهم بماضيهم داخل الملعب. سيرته الحقيقية توجد في الحصص التدريبية، في دفاتر الملاحظات، في ملاعب الفئات الصغرى، وفي عقلية المدرس الذي يرى اللاعب مشروع إنسان قبل أن يراه قدماً تلمس الكرة.
صحيفة “Eurosport” الفرنسية لخصت هذه المفارقة بوضوح، حين كتبت أن محمد وهبي، البالغ 49 عاماً، لم يكن لاعب كرة قدم محترفاً، بل ولم يسبق له أن كان مدرباً رئيسياً لفريق كبار قبل توليه قيادة المنتخب المغربي الأول. والأهم أنه يقدم نفسه أساساً كـ“أستاذ تربية بدنية”، اشتغل حوالي 15 سنة في التعليم الابتدائي مع أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 و12 سنة.
هذه ليست مجرد معلومة في السيرة الذاتية. إنها مفتاح لفهم شخصية محمد وهبي، وطريقته في التدريب، ونظرته إلى اللاعب، وسبب نجاحه في تحويل جيل من الشباب إلى مشروع كروي كبير.
من أستاذ تربية بدنية إلى مدرب وطني
ولد محمد وهبي في شيربيك ببلجيكا سنة 1976، وسط بيئة متعددة الثقافات، قبل أن يبني مساره الكروي من خارج الطريق التقليدي للنجومية. لم يكن لاعباً محترفاً، لكنه كان قريباً من كرة القدم من زاوية مختلفة: زاوية التربية والتكوين.
تؤكد “Eurosport” أن وهبي تخرج في مجال التربية البدنية، وأنه اشتغل لسنوات في التعليم الابتدائي. كما نقلت عن يانيك فيريرا، المدرب البلجيكي المعروف، أنه تعرف على وهبي خلال دراستهما ليصبحا أستاذين في التربية البدنية، قبل أن يجمعهما العمل لاحقاً في تدريب الفئات الصغرى.
هذا المسار الأكاديمي والتربوي يفسر الكثير. فالرجل لا يرى التدريب مجرد خطة ونتيجة، بل عملية بناء. لذلك ظل اسمه مرتبطاً طويلاً بالتكوين، بالصبر، بالتدرج، وبالعمل على التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر دائماً في العناوين.
ولعل هذا ما جعل صعوده مختلفاً. محمد وهبي لم يتجاوز المراحل. عاشها واحدة واحدة.
البدايات في الهامش.. حيث لا أضواء ولا شهرة
بدأ محمد وهبي التدريب مبكراً، في فضاءات بعيدة عن الأضواء، داخل أندية متواضعة في بروكسيل. هناك تعلم أن كرة القدم ليست فقط موهبة، بل بيئة، تواصل، انضباط، وثقة.
منصة “BX1” البلجيكية، التي خصصت مادة لمساره، نقلت شهادات تصفه بأنه كان منذ بداياته منظماً ودقيقاً، يدخل الحصة التدريبية بدفتر صغير، وكل شيء عنده واضح ومهيكل. أحد الذين اشتغلوا معه قال إنه كان “محترفاً” بطريقة لافتة حتى داخل أحياء لم تكن معتادة على هذا النوع من الصرامة في العمل.
هذه الصورة مهمة جداً. فقبل أن يصبح وهبي ناخباً وطنياً، كان مدرباً يراكم احترامه في التفاصيل: دفتر، حصة منظمة، أهداف واضحة، وتواصل قريب مع اللاعبين.
هكذا تتكون شخصية المدرب الحقيقي. ليس في المؤتمرات الصحفية، بل في ملاعب التدريب حين لا أحد يصفق.
أندرلخت.. المختبر الكبير
المنعطف الأهم في مسار محمد وهبي كان التحاقه بمركز تكوين نادي أندرلخت، وتحديداً أكاديمية نيربيده، واحدة من أشهر مدارس التكوين في بلجيكا. هناك قضى سنوات طويلة، واشتغل مع فئات عمرية مختلفة، وشارك في تكوين لاعبين صاروا لاحقاً أسماء معروفة في الكرة الأوروبية.
حسب “BX1”، قضى وهبي 17 موسماً في أندرلخت، بين فرق الشباب ودور مساعد مع الفريق الأول، كما شارك في تكوين أسماء من قبيل روميلو لوكاكو، عدنان يانوزاي، ويوري تيليمانس. وتضيف المنصة أن فريقه لأقل من 19 سنة بلغ نصف نهائي دوري أبطال أوروبا للشباب موسم 2014-2015، وهو إنجاز عكس جودة عمله في التكوين.
هذا الجزء من مساره يوضح أن وهبي لم يكن مجرد مدرب ناشئين بالمعنى التقليدي. كان جزءاً من مصنع كروي كبير، داخل ناد يعرف قيمة التكوين، ويعيش يومياً تحت ضغط تحويل الأطفال الموهوبين إلى لاعبين محترفين.
وفي أندرلخت أيضاً، اصطدم وهبي بسقف غير معلن يعرفه كثير من المدربين الذين لم يكونوا لاعبين محترفين. فقد نقلت “BX1” أن الوصول إلى تدريب الفريق الأول كان في ذلك الوقت شبه مستحيل بالنسبة لمدرب لا يملك مساراً كلاعب محترف.
وهنا تظهر قوة الرجل. لم يستسلم لهذه العقدة. واصل التكوين، راكم الشهادات، وبنى شرعيته من الكفاءة لا من الماضي الكروي.
شهادة UEFA Pro.. المسار الأكاديمي داخل كرة القدم
من أهم المحطات في المسار المهني لمحمد وهبي حصوله على شهادة UEFA Pro Licence، وهي أعلى شهادة تدريبية في منظومة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
نادي أندرلخت أعلن رسمياً في 14 ماي 2018 أن محمد وهبي، إلى جانب جان كيندرمانس، كريم بلحسين، ونيكولاس فروتوس، حصلوا على دبلوم UEFA Pro، موضحاً أن هذه الشهادة هي أهم دبلوم تدريبي، وتسمح نظرياً لحامليها بتدريب أي ناد. وكان وهبي وقتها مدرباً لفريق أقل من 17 سنة في أندرلخت.
هذه النقطة حاسمة في فهم “المسار الأكاديمي” للرجل. فهو لم يعوض غياب مسار اللاعب السابق بالكلام أو الحماس، بل بالشواهد، الدراسة، والعمل المنهجي. هو مدرب تكون داخل منظومة أوروبية صارمة، ثم نقل ذلك إلى مشروع مغربي أكبر.
لذلك لا يجب النظر إلى محمد وهبي كمدرب “جاء من لا شيء”. بل جاء من مدرسة أخرى: مدرسة التربية البدنية، التكوين، الأكاديمية، الشهادات، والاحتكاك الطويل مع المواهب.
مدرب تكوين قبل أن يكون مدرب نتائج
ما يميز محمد وهبي أنه ظل يحمل معه روح “المكوّن”، حتى عندما انتقل إلى مستويات أعلى. في شهادة نقلتها “BX1”، قال يانيك فيريرا إن أكثر ما كان يلفته في وهبي هو “روحه كمكوّن”، موضحاً أن هدفه لم يكن الفوز فقط، بل تطوير اللاعبين وجعلهم يتقدمون.
هذه العبارة تختصر جوهر الرجل.
هناك مدرب يدخل المباراة فقط ليسأل: كيف أفوز اليوم؟
وهناك مدرب يسأل أيضاً: كيف أجعل اللاعب أفضل غداً؟
وهبي ينتمي إلى الصنف الثاني. وهذا لا يعني أنه لا يريد الفوز، بل يعني أن الفوز عنده يأتي من البناء، لا من الصدفة.
ربما لهذا السبب نجح مع الفئات السنية. لأن تدريب الشباب يحتاج إلى مدرب لا يستعجل النتيجة، ولا يحرق اللاعب قبل نضجه، ولا يتعامل مع الخطأ كجريمة، بل كجزء من التعلم.
تجربة قصيرة خارج بلجيكا
بعد سنوات طويلة في أندرلخت، فتح محمد وهبي صفحة جديدة خارج بلجيكا. تشير “BX1” إلى أنه انتقل سنة 2021 إلى نادي الفتح السعودي ضمن طاقم يانيك فيريرا، لكن التجربة لم تدم طويلاً، إذ غادر الثنائي بعد حوالي ستة أشهر.
قد تبدو هذه التجربة قصيرة، لكنها تكشف شيئاً آخر: وهبي كان يعرف أن عليه مغادرة منطقة الراحة إذا أراد التقدم. في أندرلخت، كان محترماً كمدرب تكوين، لكنه لم يحصل على فرصة قيادة الفريق الأول. لذلك كان الخروج ضرورياً كي يختبر نفسه في بيئات أخرى.
وبعد ذلك، سيأتي المنعرج المغربي.
المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة.. بداية التحول الكبير
تغير مسار محمد وهبي بشكل واضح حين دخل مشروع المنتخبات المغربية. فقد أصبح قريباً من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وتولى قيادة المنتخب الوطني لأقل من 20 سنة، وهناك بدأ اسمه يخرج من دائرة التكوين الضيقة إلى دائرة النتائج الدولية.
الكاف كتبت في مارس 2026 أن وهبي اختير لخلافة وليد الركراكي في المنتخب الأول بعد مسار صنع فيه اسمه بعيداً عن الأضواء، خصوصاً داخل أكاديمية أندرلخت، قبل أن يقود المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة إلى لقب عالمي تاريخي. كما وصفته بأنه مدرب يحظى باحترام كبير في دوائر تكوين الشباب.
قبل اللقب العالمي، عاش وهبي لحظة إفريقية مهمة مع أشبال الأطلس. ففي كأس إفريقيا لأقل من 20 سنة سنة 2025، قاد المغرب إلى النهائي بعد الفوز على مصر في نصف النهائي، وهي المباراة التي قال بعدها إن الرحلة لم تنته بعد، وإن المنتخب كان يضع هدفين واضحين: التأهل إلى كأس العالم لأقل من 20 سنة والوصول إلى النهائي القاري.
وخسر المغرب النهائي الإفريقي أمام جنوب إفريقيا، لكن تلك الهزيمة لم تكسر المشروع. بل ربما جعلته أكثر نضجاً قبل الموعد العالمي.
كأس العالم لأقل من 20 سنة.. لحظة الاعتراف
في أكتوبر 2025، كتب محمد وهبي اسمه في تاريخ الكرة المغربية بعدما قاد المنتخب الوطني لأقل من 20 سنة إلى التتويج بكأس العالم في الشيلي، بعد الفوز على الأرجنتين بهدفين دون رد في النهائي.
اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية أكدت أن أشبال الأطلس توجوا يوم 19 أكتوبر 2025 في سانتياغو بأول لقب عالمي في تاريخ هذه الفئة، بعد الانتصار على الأرجنتين 2-0، وأن الفريق، تحت قيادة محمد وهبي، أظهر انضباطاً جماعياً وصلابة دفاعية وفعالية هجومية كبيرة.
لم يكن ذلك التتويج عادياً. فقد مر المغرب في تلك البطولة عبر مسار قوي، فاز خلاله على إسبانيا والبرازيل في دور المجموعات، ثم تجاوز كوريا الجنوبية في ثمن النهائي، والولايات المتحدة في ربع النهائي، وفرنسا بركلات الترجيح في نصف النهائي، قبل إسقاط الأرجنتين في النهائي.
هذه ليست نتائج منتخب صغير محظوظ. إنها بصمة مدرب يعرف كيف يبني مجموعة، كيف يدير الضغط، وكيف يجعل الشباب يلعبون بعقلية الكبار.
من الأشبال إلى الأسود
في 5 مارس 2026، أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تعيين محمد وهبي ناخباً وطنياً للمنتخب الأول، خلفاً لوليد الركراكي، ضمن ما وصفته الجامعة بخارطة طريق “المغرب 2030”. كما أكدت الجامعة تعزيز الطاقم التقني بانضمام جواو ساكرامنتو.
الجامعة لم تقدم التعيين كقرار عادي، بل كـ“انتقال استراتيجي”، يربط المنتخب الأول بالتكوين والشباب وكرة القدم النسوية، في رؤية تهدف إلى رفع معايير الأداء وتثبيت تطور الكرة المغربية. كما شددت على أن تعيين وهبي يؤكد استمرار المشروع الرياضي بقيادة مغربية، ووصفت الرجل بأنه تقني معروف داخل المسار الوطني، برهن على قدرته على بناء مجموعة وتطوير اللاعبين وترسيخ ثقافة الأداء العالي.
هذه العبارات تكشف لماذا اختارت الجامعة وهبي. لم يكن الاختيار مبنياً فقط على لقب عالمي للشباب، بل على فكرة أوسع: ربط المنتخب الأول بمنظومة التكوين، وجعل المدرب الذي يعرف الجيل الجديد يقود مرحلة التحول.
فلسفة لعب تقوم على المبادرة
من الناحية الفنية، لا يقدم محمد وهبي نفسه كمدرب دفاعي كلاسيكي. الكاف وصفته بأنه ينتمي إلى جيل من المدربين الذين يفضلون المبادرة، حيث تميل فرقه إلى الضغط العالي، استرجاع الكرة بسرعة، والهجوم بإيقاع سريع. كما أشارت إلى أنه يتناوب تكتيكياً بين 4-3-3 و3-4-3، مع رغبة ثابتة في التحكم في المساحات وفرض الإيقاع.
هذه الفلسفة ظهرت في بعض مباريات المنتخب المغربي خلال كأس العالم 2026. لكن وهبي أظهر أيضاً شيئاً مهماً: المرونة. فهو لا يتعامل مع الخطة كعقيدة جامدة، بل كأداة. أمام البرازيل احتاج المغرب إلى الانضباط، أمام هولندا احتاج إلى حلول مختلفة، وأمام كندا أجرى تعديلات بين الشوطين قلبت وجه المباراة.
بعد الفوز على كندا، نقلت رويترز عن وهبي أنه غيّر موقع عز الدين أوناحي إلى دور هجومي أكثر تقدماً، للاستفادة من قدرته على كسر خطوط الخصم، وهو قرار أثمر هدفين للاعب وقاد المغرب إلى ربع النهائي. كما أشار إلى أن الطاقم استعمل التعليمات والفيديو بين الشوطين لتصحيح ما حدث في البداية الصعبة.
هذا هو المدرب الذي تكون في الأكاديميات: لا يكتفي بالصراخ، بل يقرأ، يصحح، ويبحث عن الحل داخل التفاصيل.
“الفوضى المنظمة”.. جملة تكشف طريقة التفكير
قبل مباراة كندا، تحدث وهبي عن براهيم دياز بطريقة لافتة، حين وصف دوره بأنه يمنح الفريق نوعاً من “الفوضى المنظمة”، بسبب حركته وحريته التكتيكية. رويترز نقلت عنه دعمه القوي للاعب ريال مدريد، مؤكداً أن دياز مهم للفريق ليس فقط هجومياً، بل أيضاً في العمل الدفاعي.
هذه العبارة تقول الكثير عن عقل وهبي. فهو لا يريد فريقاً آلياً يتحرك بلا خيال، ولا فريقاً فوضوياً يفقد التوازن. يريد ما بين الاثنين: تنظيم يسمح للاعب الموهوب أن يبدع، وحرية لا تكسر الجماعة.
وهذه ربما خلاصة فلسفته: النظام في خدمة الموهبة، وليس العكس.
لماذا ينجح مدرب لم يكن لاعباً محترفاً؟
في كرة القدم العربية والإفريقية، ما زال هناك اعتقاد بأن المدرب الذي لم يكن لاعباً كبيراً يفتقد شيئاً من الشرعية. محمد وهبي يكسر هذه الفكرة.
نجاحه يقول إن كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد فقط على ذاكرة اللاعب السابق. المدرب اليوم يحتاج إلى أدوات أخرى: علم التدريب، علم النفس، التربية، تحليل الفيديو، إدارة المجموعة، فهم مراحل تطور اللاعب، القدرة على التواصل، والمرونة التكتيكية.
وهبي جاء من هذه المدرسة.
مدرس تربية بدنية.
مكوّن في الأكاديميات.
حاصل على UEFA Pro.
اشتغل سنوات مع الشباب.
قاد منتخباً أقل من 20 سنة إلى لقب عالمي.
ثم وجد نفسه أمام مهمة قيادة المنتخب الأول.
هذا المسار ليس أقل قيمة من مسار اللاعب السابق. هو فقط مختلف.
صورة جديدة للمدرب المغربي
قصة محمد وهبي ليست قصة فرد فقط. إنها صورة جديدة للمدرب المغربي. مدرب يتكون في أوروبا، يشتغل في الأكاديميات، يعود إلى المشروع الوطني، ويقود جيلاً جديداً بثقافة مختلفة.
الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ربطت تعيينه بخارطة طريق “المغرب 2030”، وبفكرة وصل المنتخب الأول بالتكوين والشباب. وهذا يعني أن وهبي ليس مجرد اختيار تقني، بل جزء من رؤية: أن يكون للكرة المغربية خط متصل من الفئات الصغرى إلى المنتخب الأول.
هذه النقطة مهمة جداً. لأن نجاح المنتخبات لا يصنع فقط في يوم المباراة. يصنع في الأكاديميات، في مراكز التكوين، في اختيارات المدربين، وفي الجرأة على منح الفرصة لمن يعرف كيف يبني.
بين الركراكي ووهبي.. استمرارية لا قطيعة
لا يمكن الحديث عن محمد وهبي دون وضعه في سياق ما سبقه. وليد الركراكي ترك إرثاً كبيراً بعد ملحمة قطر 2022. الكاف ذكرت أن الركراكي قاد المغرب إلى نصف نهائي تاريخي في كأس العالم، وهو إنجاز غيّر نظرة العالم إلى أسود الأطلس.
وهبي لم يأت ليمحو ذلك الإرث، بل ليضيف إليه. الفرق أن الركراكي بنى لحظة تاريخية بأدوات شخصية وجماعية قوية، أما وهبي فجاء من خلفية تكوينية أعمق، هدفها تحويل اللحظة إلى مسار.
هذا هو التحدي الحقيقي أمامه: ألا يكون المغرب منتخب ومضة، بل منتخب استمرارية.
ما الذي يميز شخصية وهبي؟
من خلال ما نشرته المصادر البلجيكية والدولية، يمكن رسم ملامح واضحة لشخصية محمد وهبي.
هو مدرب هادئ، لكنه صارم.
قريب من اللاعبين، لكنه لا يتساهل في العمل.
تكويني قبل أن يكون استعراضياً.
يعطي أهمية للإنسان داخل اللاعب.
ويؤمن بأن الجماعة أقوى من الفرد، دون قتل موهبة الفرد.
شهادة “BX1” عن “المكوّن قبل كل شيء” تساعد على فهم علاقته باللاعبين. وهبي لا يشتغل فقط على الخطة، بل على نمو اللاعب نفسه.
ولهذا يبدو مناسباً لجيل مغربي يضم مزيجاً من الخبرة والمواهب الصاعدة. لاعب مثل أيوب بوعدي، أو إسماعيل صيباري، أو بلال الخنوس، يحتاج إلى مدرب يفهم لغة الشباب ولا يخاف منحهم المسؤولية. وهذا بالضبط ما عاشه وهبي سنوات طويلة في الأكاديميات.
هذا، ولم يكن محمد وهبي لاعباً محترفاً، وهذه لم تعد نقطة ضعف في سيرته. بالعكس، أصبحت جزءاً من قوته. لأنه بنى نفسه من طريق آخر: التعليم، التربية البدنية، التكوين، الشهادات، والعمل الطويل مع الناشئين.
من ملاعب بروكسيل الصغيرة، إلى أكاديمية أندرلخت، إلى منتخب المغرب لأقل من 20 سنة، ثم المنتخب الأول، سار الرجل خطوة خطوة. لم تقفز به الشهرة، ولم تحمله ذاكرة الجماهير كلاعب سابق. حملته الكفاءة.
واليوم، وهو يقود المنتخب المغربي في كأس العالم، يبدو محمد وهبي أكثر من ناخب وطني. إنه عنوان لمرحلة جديدة في الكرة المغربية: مرحلة تؤمن بأن المدرب يمكن أن يصنع مجده من العلم والعمل، لا من الماضي وحده.
قد يكون محمد وهبي لم يسجل أهدافاً كلاعب.
لكن ما يفعله الآن أهم: إنه يحاول أن يصنع جيلاً يعرف كيف يسجل حضوره في التاريخ.



