في السياسة، لا تصنع الأرقام وحدها الخبر. أحيانا تكون المفارقة الكامنة خلف الرقم أقوى من النتيجة نفسها.
هذا ما أعاد إلى الواجهة النقاش الذي رافق التصويت على مشروع قانون المحاماة داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، بعدما مر النص بـ17 صوتا مؤيدا مقابل 5 أصوات معارضة.
لكن ما شد الانتباه لم يكن فقط حجم الأغلبية التي صوتت لصالح المشروع، بل طبيعة جزء مهم من المصوتين. فوفق المعطيات المتداولة، يوجد ضمن الأصوات المؤيدة 9 نواب ينتمون إلى مهنة المحاماة، مقابل محام واحد فقط ضمن الأصوات المعارضة.
هنا لم يعد السؤال محصورا في مضمون القانون وحده، بل امتد إلى سؤال أوسع وأكثر حساسية: ماذا يعني أن يصوت محامون لصالح قانون ينظم مهنتهم، في وقت يواجه فيه النص رفضا واسعا داخل الساحة المهنية نفسها؟
مفارقة أعمق من التصويت
مشروع قانون المحاماة ليس نصا تقنيا عاديا. إنه قانون يؤطر واحدة من أهم المهن المرتبطة بمنظومة العدالة، وينظم علاقة المحامي بموكله، وبهيئته، وبالقضاء، كما يمس شروط الولوج إلى المهنة، وقواعد التأديب، والحكامة، والشفافية.
لذلك، فإن هذا القانون لا يهم المحامين وحدهم. يهم المواطن الذي يبحث عن دفاع عادل. ويهم المتقاضي الذي يضع ثقته في محام. ويهم أسر الضحايا والمتهمين. ويهم المقاولات. ويهم العدالة ككل.
غير أن المفارقة تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بنواب محامين يصوتون لصالح مشروع قانون واجه اعتراضات قوية من داخل الجسم المهني نفسه.
فالمحامون في المغرب عبروا، خلال مراحل مختلفة من النقاش، عن رفضهم لعدد من مقتضيات المشروع، ورفعوا صوتهم ضدها عبر بيانات ومواقف وأشكال احتجاجية وتصعيدية. وهذا المعطى يجعل السؤال أكثر إحراجا: كيف يصوت محامون داخل البرلمان مع نص يرفضه زملاؤهم خارج البرلمان؟
السؤال لا يعني اتهاما لأحد. لكنه سؤال سياسي وأخلاقي مشروع.
حين يصوت المحامي ضد نبض الساحة المهنية
من حيث المبدأ، يملك كل نائب برلماني حقه الكامل في التصويت وفق قناعته السياسية والتشريعية. ولا يمكن القول إن البرلماني المحامي ملزم آليا بتبني موقف كل المحامين أو موقف الهيئات المهنية.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن المحامي البرلماني ليس نائبا عاديا حين يتعلق الأمر بقانون المحاماة. فهو يصوت على نص يعرف تفاصيله المهنية من الداخل، ويدرك أكثر من غيره آثار مقتضياته على الممارسة اليومية للمحامي، وعلى علاقته بالموكل، وعلى توازنات المهنة.
لذلك، عندما يختار محام داخل البرلمان التصويت لصالح قانون ترفضه قطاعات واسعة من المحامين، يصبح مطالبا، سياسيا على الأقل، بتفسير هذا الاختيار.
هل صوت من موقع قناعة تشريعية مستقلة؟
هل رأى في النص مصلحة عامة لا تراها الساحة المهنية؟
هل انضبط لاختيار حزبي؟
أم أن له قراءة مختلفة تماما لما تحتاجه المهنة والعدالة؟
كل هذه الاحتمالات واردة. لكن ما ليس مفهوما هو أن تمر هذه المفارقة دون شرح كاف للرأي العام، وللمحامين أنفسهم.
الخبرة مطلوبة.. لكن المسافة مطلوبة أيضا
لا يمكن إنكار أن وجود محامين داخل لجنة العدل والتشريع له قيمة مضافة. فالمحامي يعرف تفاصيل المهنة، ويعرف أعطابها، ومشاكل الولوج إليها، وواقع التدريب، وعلاقة المحامي بالموكل، وحساسية الأتعاب، والحسابات، والتأديب، والهيئات المهنية.
هذه الخبرة يمكن أن تكون مفيدة جدا عند مناقشة قانون مهني معقد.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الخبرة إلى كتلة تصويتية مؤثرة، خصوصا إذا كان اتجاه هذه الكتلة مخالفا للمزاج العام داخل المهنة.
فالمحامي البرلماني يوجد في وضع مزدوج: هو نائب يمثل الأمة، وفي الوقت نفسه ابن للمهنة التي سيطبق عليها القانون. وهذا الوضع لا يجعله فاقدا للحق في التصويت، لكنه يجعله في حاجة أكبر إلى الشرح والتعليل.
في السياسة، لا يكفي أن يكون التصويت قانونيا. يجب أن يكون مفهوما أيضا. فالناس لا تقرأ المؤسسات فقط بما تسمح به المساطر، بل بما يبدو عادلا ومتوازنا في نظر الرأي العام.
قانون المهنة أم قانون العدالة؟
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قانون مهني هو أن يظهر وكأنه قانون خاص بأهل المهنة وحدهم.
المحاماة، رغم خصوصيتها، ليست جزيرة معزولة. إنها جزء من منظومة العدالة. ومن حق المواطن أن يشعر بأن القانون الذي ينظمها وُضع لحماية المهنة، نعم، ولكن أيضا لحماية المتقاضي، وضمان الشفافية، وتعزيز الثقة.
لذلك، كان يفترض أن يظهر النقاش حول مشروع قانون المحاماة كحوار مجتمعي واسع، لا كملف داخلي بين الحكومة والبرلمان والهيئات المهنية فقط.
المهنة تحتاج إلى كرامة وضمانات.
والمواطن يحتاج إلى ثقة وحماية.
والعدالة تحتاج إلى محام قوي، لكنها تحتاج أيضا إلى علاقة واضحة ومنصفة بين المحامي والموكل.
التحدي الحقيقي ليس أن ينتصر طرف على آخر، بل أن ينتج قانون لا يشعر معه المواطن بأن المهنة كتبت قانونها لنفسها، ولا يشعر معه المحامي بأن قانونه مر ضد نبضه المهني.
9 محامين ضمن الأغلبية.. رقم يفرض النقاش
عندما تكون الأغلبية المؤيدة 17 صوتا، ويكون من بينها 9 محامين، فإن الرقم يتوقف عن كونه تفصيلا عاديا. إنه يعني أن أكثر من نصف الأصوات المؤيدة جاءت من نواب ينتمون إلى المهنة المعنية مباشرة بالقانون.
هذا لا يبطل التصويت. ولا يعني أن كل من صوت كان يدافع عن مصلحة شخصية أو فئوية. لكنه رقم يفرض النقاش.
ولو تعلق الأمر بقانون ينظم مهنة الطب، وكان أغلب المصوتين لصالحه أطباء، لطرح السؤال نفسه.
ولو تعلق الأمر بقانون ينظم مهنة الصحافة، وكان أغلب المصوتين صحافيين، لكان السؤال نفسه مشروعا.
ولو تعلق الأمر بقانون ينظم مهنة التوثيق أو الهندسة أو الصيدلة، لكان من الطبيعي أن يسأل المواطن: أين تنتهي الخبرة المهنية؟ وأين تبدأ المصلحة المهنية؟ وأين يقف الاصطفاف السياسي؟
هذه هي الزاوية الجوهرية في الموضوع.
المفارقة الأقوى: محامون مع قانون يرفضه محامون
القضية لا تقف عند كون محامين صوتوا على قانون المحاماة. هذه وحدها مفارقة قابلة للنقاش.
لكن المفارقة الأقوى هي أن بعض المحامين داخل البرلمان صوتوا لصالح نص أثار رفضا واسعا داخل مهنتهم. وهنا يظهر البعد الأكثر حساسية في الملف.
فالمحامي، أكثر من غيره، يعرف قيمة التعليل. يعرف أن القرار لا يكفي أن يصدر، بل يجب أن تكون له أسباب مفهومة. ويعرف أن النصوص القانونية لا تعيش فقط بمنطق الأغلبية، بل تحتاج إلى قبول وثقة وانسجام مع واقع التطبيق.
لذلك، حين يصوت محام مع قانون يحتج عليه زملاؤه، يصبح السؤال مضاعفا.
هل رأى ما لم يره باقي المحامين؟
هل اختار المصلحة العامة كما يقدرها هو، ولو خالفت موقف المهنة؟
هل غلب الانتماء السياسي على الانتماء المهني؟
أم أن الساحة المهنية نفسها ليست على موقف واحد كما يبدو في الخطاب العام؟
هذه أسئلة لا تحمل أحكاما جاهزة، لكنها تحتاج إلى أجوبة واضحة.
معارضة محدودة داخل أهل المهنة
المفارقة الثانية أن المعارضة داخل النواب المحامين بدت محدودة جدا، وفق المعطيات المتداولة حول التصويت. فمحام واحد فقط كان ضمن الأصوات المعارضة، مقابل 9 محامين ضمن الأصوات المؤيدة.
هذا الرقم يفتح بدوره سؤالا آخر: هل يعكس التصويت توافقا مهنيا واسعا حول النص داخل البرلمان؟ أم يعكس اصطفافا سياسيا داخل اللجنة؟ أم أن الأمر مزيج بين الحساب الحزبي والانتماء المهني وقراءة مختلفة للمشروع؟
في كل الأحوال، النتيجة تترك انطباعا يحتاج إلى تفسير. فالقوانين التي تهم العدالة لا يكفي أن تمر بالأغلبية، بل يجب أن تقنع أيضا بأنها مرت بمنطق المصلحة العامة.
الغياب بدوره رسالة
المعطى الآخر اللافت هو غياب 10 محامين أعضاء باللجنة عن اجتماع التصويت، وفق المعطيات المتداولة.
والغياب هنا لا يقل أهمية عن التصويت، لأنه يطرح بدوره سؤال المسؤولية السياسية.
عندما يكون القانون مرتبطا بمهنة النائب نفسه، فإن الحضور أو الغياب يكتسب معنى إضافيا. فمن حضر وصوت ترك موقفا واضحا. ومن غاب ترك فراغا في لحظة حساسة.
هل كان الغياب لأسباب موضوعية؟
هل كان تجنبا لحرج التصويت؟
هل كان مجرد مصادفة عادية داخل عمل لجنة برلمانية؟
لا يمكن الجزم دون معطيات إضافية، لكن سياسيا، الغياب في مثل هذه اللحظات يصبح جزءا من المشهد، لا هامشا خارج الصورة.
أين المواطن في هذه المعادلة؟
وسط الحديث عن المحامين، واللجنة، والتصويت، قد يغيب الطرف الأهم: المواطن.
المواطن لا يهتم كثيرا بالتوازنات الداخلية للمهنة. ما يهمه هو أن يجد محاميا واضح العلاقة معه، وأن تكون الأتعاب مفهومة، وحقوقه محفوظة، وأن توجد آليات شفافة عند النزاع، وأن يشعر بأن القانون لا يحمي طرفا واحدا على حساب الطرف الآخر.
لذلك، فإن أي قانون للمحاماة يجب أن يُقرأ من زاويتين معا: زاوية المهنة، وزاوية المتقاضي.
إذا غلبت زاوية المهنة وحدها، قد يخرج القانون قويا في عين أصحابه، ضعيفا في عين المجتمع.
وإذا غلبت زاوية المواطن وحدها دون فهم تعقيدات المهنة، قد ينتج قانون شعبوي لا يصلح الواقع.
المطلوب هو التوازن. وهذا التوازن لا يصنعه التصويت العددي فقط، بل تصنعه الثقة في مسار إعداد القانون.
الحرج ليس في التصويت.. بل في الصورة
قد يقول البعض إن البرلماني المحامي منتخب من المواطنين وله الحق الكامل في التصويت. وهذا صحيح. لا يمكن حرمان نائب من التصويت فقط لأنه ينتمي إلى مهنة معينة.
لكن السياسة لا تعيش بالحق القانوني وحده. تعيش أيضا بالثقة.
وكلما تعلق الأمر بقانون يمس مهنة النائب مباشرة، كان من الأفضل أن تكون هناك شفافية أكبر، وتفسير أكبر، وربما نقاش أخلاقي أعمق حول تدبير مثل هذه الحالات.
ليس المطلوب إقصاء أهل المهنة من التشريع. فذلك سيكون خطأ.
لكن المطلوب ألا يظهر التشريع وكأنه محصور داخل أهل المهنة، أو كأنه مر ضد موقف واسع داخلها دون تعليل كاف.
هناك فرق بين أن يستمع البرلمان إلى المحامين، وبين أن يبدو قانون المحاماة وكأنه مر بأصوات محامين ضد اعتراض محامين آخرين.
قانون حساس في لحظة حساسة
يأتي مشروع قانون المحاماة في سياق وطني تتزايد فيه الأسئلة حول إصلاح العدالة، وتحديث المهن القانونية، وتعزيز الثقة في المؤسسات. لذلك، فإن كل تفصيل في مساره يصبح محملا بالدلالات.
النقاش حول هذا القانون ليس نقاشا تقنيا فقط. إنه نقاش حول صورة العدالة، وموقع المحامي داخل المجتمع، والعلاقة بين المهنة والسلطة التشريعية.
ولهذا، كان رقم التصويت لافتا. لأن الناس لم تر فقط قانونا يمر، بل رأت مفارقة سياسية ومهنية: محامون يصوتون مع قانون يرفضه جزء واسع من زملائهم.
هل كان يمكن تفادي الجدل؟
كان يمكن تخفيف الجدل لو رافق التصويت تواصل أوضح.
كان ممكنا، مثلا، أن يقدم النواب المحامون شرحا علنيا لأسباب دعمهم للنص، وأن يوضحوا لماذا اعتبروا أن المشروع يخدم العدالة والمتقاضي والمهنة، رغم الاعتراضات الصادرة من داخل الجسم المهني.
وكان ممكنا أيضا إبراز مواقف النواب غير المحامين داخل اللجنة، حتى لا يبدو النقاش محصورا في أهل الاختصاص.
الشفافية هنا ليست ترفا. إنها جزء من بناء الثقة.
فالمواطن لا يطلب من النائب أن يخفي مهنته، ولا يطلب من المحامي البرلماني أن يصوت آليا كما تريد هيئته أو زملاؤه. لكنه يطلب أن يفهم لماذا اختار موقفا معاكسا لما يبدو أنه صوت واسع داخل المهنة.
بين إصلاح المهنة وحماية الثقة
قد يتضمن مشروع قانون المحاماة مقتضيات مهمة. وقد يكون جزء منه ضروريا لتحديث المهنة وتنظيمها بشكل أفضل. لكن قوة أي إصلاح لا تقاس فقط بما يكتبه النص، بل أيضا بما يتركه مساره من انطباع لدى الرأي العام.
إذا خرج القانون مثقلا بسؤال “من صوّت؟”، فإن ذلك يعني أن النص يحتاج إلى شرح سياسي أكبر.
وإذا شعر المواطن بأن القانون صيغ داخل دائرة مهنية ضيقة، أو أن جزءا من أهل المهنة داخل البرلمان صادقوا عليه رغم رفض واسع خارجه، فإن الثقة تتأثر حتى لو كان في النص جوانب إيجابية.
إصلاح المحاماة يجب أن يكون إصلاحا للمهنة ولعلاقة المواطن بالعدالة في الوقت نفسه. لا يمكن فصل الاثنين.
هذا، وحين يصوت أهل المهنة على قانون مهنتهم، يصبح السؤال أكبر من نتيجة التصويت. وحين يصوت بعضهم لصالح نص يرفضه قطاع واسع من زملائهم، يصبح السؤال أكثر حساسية.
17 صوتا لصالح مشروع قانون المحاماة.
9 من المؤيدين محامون.
5 أصوات معارضة.
محام واحد فقط ضمن المعارضين.
و10 محامين غابوا عن لحظة التصويت.
هذه الأرقام لا تسمح بإصدار أحكام جاهزة، لكنها تفرض نقاشا ضروريا حول المسافة بين التشريع والمصلحة المهنية، وحول موقع المحامي البرلماني عندما يجد نفسه أمام نص يهم مهنته ويثير اعتراضا واسعا داخلها.
ليس المطلوب أن يغيب المحامون عن التشريع. فخبرتهم ضرورية.
لكن المطلوب أن يشرحوا أكثر، وأن يوضحوا أكثر، وأن يثبتوا أن تصويتهم صدر من موقع المصلحة العامة، لا من موقع الاصطفاف السياسي أو القطيعة مع نبض المهنة.
لأن قانون المحاماة، في النهاية، ليس قانون المحامين وحدهم. إنه قانون يمس العدالة، والثقة، وحق المواطن في دفاع واضح ومنصف.



