تعود مأذونيات سيارات الأجرة الصغيرة بمدينة تزنيت إلى واجهة النقاش المهني، بعدما بدأ عدد من السائقين والمهنيين يطرحون أسئلة حارقة حول من يستفيد فعلاً من هذه الرخص، ومن يشتغل يومياً في الشارع، ومن يظل في الخلف مستفيداً من مورد مرتبط بخدمة عمومية.
وحسب ما يردده مهنيون بالقطاع، فإن بعض المأذونيات أو حقوق استغلالها قد تكون مرتبطة بأشخاص لا يمارسون مهنة النقل، من بينهم، وفق هذه المعطيات المتداولة، أطباء وأساتذة وتجار وأصحاب شركات وعقارات، بل وحتى قاصرون. وهي معطيات تحتاج إلى تأكيد رسمي ووثائق دقيقة، لكنها تفتح في حد ذاتها باباً واسعاً للأسئلة حول الشفافية والإنصاف واحترام فلسفة هذه الرخص.
فإذا كانت مأذونية سيارة الأجرة الصغيرة مرتبطة، في الأصل، بخدمة نقل عمومي وبمورد مهني واجتماعي، فكيف يمكن أن تتحول، إن صحت هذه المعطيات، إلى امتياز يستفيد منه أشخاص ميسورون أو أصحاب مهن وأعمال، بينما يبقى السائق المهني في الواجهة وحده، يواجه ضغط الطريق، وارتفاع التكاليف، ومطالب الزبناء، ومصاريف الاستغلال اليومية؟
أسئلة محرجة لا يمكن تجاهلها
الأسئلة التي يطرحها مهنيو الطاكسي الصغير بتزنيت لا تستهدف الأشخاص في حد ذاتهم، بقدر ما تستهدف طريقة تدبير القطاع ومعايير الاستفادة والاستغلال.
من حق المهنيين أن يسألوا: هل كل المستفيدين يمارسون فعلاً مهنة النقل؟ هل هناك مأذونيات بيد أشخاص لهم مداخيل أخرى ومهن قارة؟ هل توجد رخص مرتبطة بتجار أو أصحاب شركات أو منعشين عقاريين؟ وهل هناك حالات لقاصرين يتم تدبير المأذونيات باسمهم عبر أولياء أو أوصياء؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً عندما يكون السائق المهني، الذي يعيش يومياً من الطاكسي، مضطراً أحياناً إلى أداء مقابل استغلال لشخص لا يقود سيارة أجرة، ولا يعيش مشاكل القطاع، ولا يتحمل مخاطره.
الرخصة لخدمة عامة.. لا لامتياز مغلق
مأذونية سيارة الأجرة ليست مجرد ورقة إدارية قابلة للاستثمار السلبي، بل ترخيص مرتبط بمرفق نقل عمومي. ولذلك، فإن أي غموض في هوية المستفيدين الحقيقيين أو في طبيعة الاستغلال يضرب ثقة المهنيين والمواطنين معاً.
فالمنطق السليم يفرض أن تكون الأولوية للسائق المهني الذي يشتغل فعلاً، لا لمن يملك مورداً آخر، أو شركة، أو تجارة، أو عقارات، ثم يستفيد فوق ذلك من مأذونية مرتبطة بقطاع اجتماعي حساس.
وإذا كانت بعض الحالات تعود إلى رخص قديمة أو إلى انتقالات عائلية أو أوضاع إرث، فإن ذلك لا يلغي ضرورة المراجعة والتحيين والافتتاح الإداري، حتى لا تستمر وضعيات غير منسجمة مع روح الإصلاحات التي أعلنتها وزارة الداخلية خلال السنوات الأخيرة.
السائق يشتغل.. وغيره يستفيد؟
جوهر الإشكال في ملف مأذونيات الطاكسي الصغير بتزنيت أن من يظهر للمواطن هو السائق، لا صاحب المأذونية.
السائق هو من يستيقظ باكراً، ويقضي يومه في الشارع، ويتحمل ثمن الوقود، والإصلاحات، والازدحام، والمخاطر، والمراقبة، وتوترات الزبناء. أما المستفيد من المأذونية، فقد يكون، حسب ما يقوله المهنيون، بعيداً تماماً عن واقع المهنة.
وهنا يطرح السؤال الأخلاقي قبل القانوني: هل يعقل أن يبقى المهني الحقيقي في وضع هش، بينما تتحول بعض المأذونيات إلى دخل إضافي لفائدة أشخاص لهم أصلاً أنشطة ومداخيل أخرى؟
المطلوب افتحاص لا اتهام
الحديث عن أطباء أو أساتذة أو تجار أو أصحاب شركات أو عقارات ضمن المستفيدين من مأذونيات الطاكسي الصغير بتزنيت يجب أن يعالج بكثير من المسؤولية. فهذه المعطيات، ما لم تنشر ضمن لوائح رسمية أو وثائق مؤكدة، تبقى في خانة ما يطرحه المهنيون من تساؤلات.
لكن في المقابل، لا يمكن الاكتفاء بالصمت. لأن الصمت يوسع الشك، والوضوح وحده يقطع الطريق على الإشاعة.
المطلوب اليوم هو افتحاص إداري شفاف يجيب عن أسئلة بسيطة: كم عدد مأذونيات الطاكسي الصغير بتزنيت؟ من يستغلها فعلياً؟ كم عدد الرخص المستغلة من طرف مهنيين؟ كم عدد الرخص المكراة أو المفوضة؟ وهل هناك فعلاً مأذونيات مرتبطة بأشخاص لا علاقة لهم بالمهنة؟
أين هي لوائح الاستغلال؟
من حق المهنيين والرأي العام المحلي أن يعرفوا كيف يتم تدبير هذا القطاع. ليس بالضرورة عبر نشر معطيات شخصية تمس الحياة الخاصة، ولكن عبر تقديم معطيات عامة ومؤشرات واضحة حول طبيعة الاستغلال.
هل توجد لجنة محلية تراقب وضعية الرخص؟ هل يتم تحيين المعطيات بانتظام؟ هل يتم التحقق من صفة المستغلين؟ هل يتم احترام أولوية السائقين المهنيين؟ وهل تطبق نفس المعايير على الجميع، أم أن هناك وضعيات خاصة بقيت خارج المراجعة؟
هذه الأسئلة، جزء من الحق في مراقبة تدبير مرفق يمس النقل اليومي للمواطنين.
تزنيت أمام اختبار الشفافية
مدينة تزنيت لا تحتاج إلى صراع بين المهنيين والسلطات، بل إلى جواب واضح يبدد الغموض. فالقطاع لا يمكن أن يستقر إذا ظل السائقون يشعرون بأنهم الحلقة الأضعف، وأن الرخص التي يفترض أن تخدم المهنة قد تكون في يد من لا يمارسها.
والأخطر أن استمرار هذا الإحساس يضرب الثقة بين المهني والإدارة، ويفتح الباب أمام الاحتقان، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الاستغلال وتراجع هامش الربح اليومي.
لذلك، فإن فتح نقاش مسؤول حول مأذونيات الطاكسي الصغير بتزنيت لم يعد خياراً، بل ضرورة.
من يستحق المأذونية؟
السؤال الحقيقي ليس: من يملك الرخصة؟
بل: من يستحق الاستفادة منها؟
هل هو السائق المهني الذي يعيش من عمله اليومي؟
أم صاحب مهنة حرة أو تجارة أو شركة أو عقارات يبحث عن دخل إضافي؟
هل هي الأسر الهشة والحالات الاجتماعية التي تحتاج إلى مورد عيش؟
أم أشخاص لهم وضع مادي ومهني مريح؟
هذه الأسئلة هي جوهر الملف. وهي التي تجعل قضية مأذونيات سيارات الأجرة الصغيرة بتزنيت أكبر من مجرد خلاف مهني محدود. إنها قضية عدالة وشفافية وربط المسؤولية بالمصلحة العامة.
لا إصلاح دون وضوح
إذا كانت الدولة قد اتجهت إلى تنظيم قطاع سيارات الأجرة وتأهيله، فإن المدخل الحقيقي لذلك يبدأ من تنقية وضعية المأذونيات، وضبط الاستغلال، وإعطاء الأولوية للمهنيين الحقيقيين.
أما أن يبقى السائق في الميدان، وغيره يستفيد من الخلف، فهذا ما يرفضه المهنيون، وما يحتاج إلى جواب رسمي صريح.
وبين ما يقوله السائقون وما قد تكشفه الوثائق، تبقى الحقيقة المطلوبة واحدة: من يستفيد فعلاً من مأذونيات الطاكسي الصغير بتزنيت؟ ومن يحمي حق المهنيين الذين يحملون القطاع فوق أكتافهم كل يوم؟

