لم يكن ظهور الفنان العراقي كاظم الساهر في برنامج ABtalks مع الإعلامي أنس بوخش مجرد لقاء فني جديد، بقدر ما بدا كأنه جلسة اعتراف طويلة، خرج فيها “القيصر” من صورته الهادئة فوق المسرح، ليتحدث عن الجرح، الأم، الذنب، الفقد، والزواج الذي لا يريد العودة إليه مرة أخرى.
التصريح الذي أثار تفاعلاً واسعاً كان واضحاً: كاظم الساهر لا يفكر في الزواج مجدداً. لكنه لم يقدمه كقرار، ولا كزهد في فكرة الارتباط، بل ربطه بإحساس داخلي عميق تجاه زوجته السابقة وأم ولديه، السيدة عروبة الساهر، التي ظلت حاضرة في وجدانه رغم سنوات الانفصال، ثم زاد رحيلها سنة 2022 من ثقل هذا الحضور.
“امرأة جبارة”.. الأم التي صنعت الصمت والقوة
العبارة الأكثر إنسانية في اللقاء لم تكن عن الزواج وحده، بل عن الأم. فقد وصف كاظم الساهر والدته بأنها “امرأة جبارة”، مستحضراً ما تحملته داخل بيت صعب، خصوصاً بعدما تزوج والده أربع نساء، وفق ما نقلته تقارير عربية عن الحلقة.
هنا لا يتحدث الساهر عن أم عادية في سيرة فنان، بل عن امرأة تشبه الجذر الأول لشخصيته. أمّ صنعت داخله معنى التحمل، وشاهد من خلالها كيف يمكن للمرأة أن تبقى واقفة رغم الخذلان والتعب والمسؤولية.
ومن هذه الزاوية، يصبح تصريح كاظم عن الزواج مفهوماً أكثر. فهو لا يطرح المسألة كرجل مشهور يرفض الارتباط، بل كإنسان عاش مبكراً أثر الألم على النساء القريبات منه: الأم أولاً، ثم أم أولاده لاحقاً.
لماذا قال إنه لن يتزوج مرة أخرى؟
حسب ما نقله أكثر من مصدر عن الحلقة، أكد كاظم الساهر أن فكرة الزواج مجدداً تبدو له مستحيلة، لأنه يشعر بأنه سيكون ظالماً لأي امرأة قد ترتبط به، ما دام قلبه ومشاعره ما زالا مرتبطين بأم أولاده. كما تحدث عن شعور بالذنب تجاه تجربته الأولى، وعن أثر رحيل عروبة الساهر عليه.
هذا التصريح يختلف عن التصريحات الفنية المعتادة التي تُستهلك سريعاً في العناوين. فالرجل هنا لا يعلن “اعتزال الزواج” للاستعراض، بل يقدم اعترافاً نادراً: أحياناً لا يكون الإنسان جاهزاً ليبدأ من جديد، ليس لأنه لا يؤمن بالحب، بل لأنه يخاف أن يظلم شخصاً آخر بنصف قلب.
عروبة الساهر.. حضور بعد الغياب
عروبة الساهر ليست تفصيلاً في حياة كاظم. فقد كانت زوجته السابقة وأم ولديه وسام وعمر، وأعلن الفنان العراقي وفاتها يوم 18 مارس 2022 بكلمات مقتضبة ومؤثرة، قال فيها إن والدة أولاده “في ذمة الله”، طالباً قراءة الفاتحة على روحها.
وتشير تقارير إخبارية إلى أن كاظم تزوج عروبة وهو في سن صغيرة، وأن العلاقة انتهت بالانفصال، لكنه لم يتزوج بعدها. كما ظل يربط بين فكرة الزواج مجدداً ومراعاة مشاعرها ومكانتها في حياته، وهو ما عاد ليظهر بقوة في حديثه الأخير.
في هذا المعنى، لا تبدو عروبة مجرد “زوجة سابقة”، بل ذاكرة كاملة: أم الأولاد، الشريكة الأولى، والمرأة التي بقي أثرها حاضراً حتى بعد الرحيل.
القيصر بعيداً عن المسرح
ما يلفت في هذا اللقاء أن كاظم الساهر لم يظهر بوصفه نجماً يدافع عن صورته، بل كرجل يحاول تفسير هشاشته. تحدث عن الطفولة، عن الفقر، عن فقد شقيقته “صباح” وهي طفلة صغيرة، وعن صعوبة الشهرة التي وصفها في تقارير من الحلقة بأنها تشبه السجن، لأنها تفرض على الفنان أن يبقى دائماً في مستوى صورة رسمها الجمهور.
وهنا تكمن قوة الموضوع: كاظم الساهر، الذي غنى الحب لعقود، يظهر كمن يدفع ثمن الحب في حياته الخاصة. غنى للمرأة كثيراً، لكنه في حديثه الأخير بدا كأنه يعتذر لها أيضاً: للأم التي تحملت، ولأم أولاده التي يشعر أنه لم ينصفها كما يجب، ولأي امرأة أخرى قد لا يستطيع أن يمنحها قلباً كاملاً.
عندما يتحول الاعتراف إلى درس
تصريح كاظم الساهر لا يحتاج إلى قراءة فضائحية، ولا إلى تحويل حياته الخاصة إلى مادة للتطفل. الأهم فيه أنه يفتح نقاشاً أوسع حول معنى الوفاء بعد الفقد، وحول قدرة الإنسان على الاعتراف بالذنب دون محاولة تبرير نفسه.
في زمن يكثر فيه الحديث السريع عن العلاقات والزواج والانفصال، جاء حديث الساهر مختلفاً لأنه لم يقدم نفسه ضحية، ولم يهاجم أحداً، ولم يستثمر الألم لصناعة الإثارة. قال ببساطة إن الزواج استقرار ومهم، لكنه لا يريد أن يظلم امرأة أخرى، لأن داخله لم يتحرر من ماضٍ ما زال حياً.
“امرأة جبارة” صنعت رجلاً لا ينسى
قد يكون العنوان الظاهر للقاء هو رفض كاظم الساهر الزواج مجدداً، لكن العنوان الأعمق هو صورة المرأة في ذاكرته.
الأم “الجبارة” التي تحملت حياة قاسية، وأم الأولاد التي بقيت مرتبطة بمشاعره، ترسمان معاً خلفية إنسانية لفنان بنى مجده على الغناء للمرأة، ثم جاء ليقول إن بعض النساء لا يعبرن الحياة فقط، بل يغيرن شكل القلب إلى الأبد.
حديث كاظم الساهر عن عدم الزواج مرة أخرى لا يبدو قراراً عاطفياً، بل نتيجة مسار طويل من الفقد والندم والوفاء. أما حديثه عن والدته باعتبارها “امرأة جبارة”، فيكشف أن صورة المرأة القوية لم تكن مجرد موضوع في أغانيه، بل كانت تجربة عاشها داخل بيته الأول.
وبين الأم التي حملت وجعها بصمت، وأم أولاده التي ظل حضورها أكبر من الغياب، يظهر القيصر هذه المرة لا كصوت للحب فقط، بل كرجل يعترف بأن بعض الديون العاطفية لا تسقط بالتقادم.

