لم يعد مشروع القطار فائق السرعة بين مراكش وأكادير مجرد مطلب جهوي أو حلم مؤجل لدى سكان سوس ماسة. فقد كشف وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب المنعقدة يوم الاثنين 25 ماي 2026، أن هذا الخط يشكل أحد أهم مكونات مشروع القطار فائق السرعة، مؤكدا أن الدراسة التعريفية والدراسة التطبيقية الخاصة به قد انتهتا، وأن كلفته تقدر بحوالي 55 مليار درهم.
وتحمل هذه المعطيات أهمية خاصة بالنسبة لأكادير وسوس ماسة، لأنها تنقل النقاش من مستوى التطلع العام إلى مستوى الأرقام والدراسات والكلفة. فالجهة التي ظلت لعقود خارج الربط السككي المباشر ترى في هذا المشروع فرصة تاريخية للخروج من عزلة سككية طال أمدها، وربط أكادير بمحور مراكش والدار البيضاء والرباط وطنجة.
وأكد قيوح أن هذا الشطر يتطلب دعما وتمويلا على المستوى الدولي، مشيرا إلى أن الوزارة والمكتب الوطني للسكك الحديدية يشتغلان على تعبئة شركاء دوليين، سواء من حيث التمويل أو الخبرة التقنية، لضمان إنجاز المقطع وفق المعايير المطلوبة.
وتكمن صعوبة المشروع في طبيعته الجغرافية والهندسية. فالخط سيمر عبر مناطق واسعة من الأطلس الكبير، ما يجعل إنجازه معقدا، إذ أوضح الوزير أن أكثر من 70 في المائة من الأشغال ستخصص لبناء القناطر والأنفاق. وهذا يعني أن خط مراكش–أكادير لن يكون مجرد تمديد سككي عادي، بل ورشا هندسيا ضخما يتطلب تمويلا وخبرة وتقنيات عالية.
وتشير معطيات وزارة النقل واللوجستيك إلى أن مشروع تمديد الخط فائق السرعة نحو أكادير يقوم على إنشاء خط سككي جديد بين مراكش وأكادير بطول يقارب 240 كيلومترا، ما يجعل الربط السككي السريع نحو سوس واحدا من أكبر مشاريع البنية التحتية المنتظرة في جنوب المغرب.
ومن جهة ثانية، كشف الوزير أن نسبة إنجاز الشطر الرابط بين القنيطرة ومراكش بلغت حوالي 30 في المائة، معتبرا أنها نسبة مشجعة وتعكس سير الأشغال وفق الجدولة الزمنية المحددة. كما حدد موعد تسليم القطار فائق السرعة، الذي سيصل إلى مراكش، في شتنبر 2029.
وهنا يظهر السؤال الذي يهم ساكنة أكادير وسوس ماسة: ماذا بعد وصول القطار إلى مراكش؟ فربط مراكش بالشبكة فائقة السرعة يمثل خطوة مهمة، لكن الرهان الحقيقي بالنسبة للجهة هو ألا يتوقف المشروع عند عتبة مراكش، وأن يتحول الشطر نحو أكادير إلى ورش فعلي بجدولة واضحة وتمويل مضمون.
اقتصاديا، يمكن لقطار مراكش–أكادير أن يغير موقع الجهة داخل الخريطة الوطنية للتنقل والاستثمار. فاختصار زمن السفر بين أكادير ومراكش والدار البيضاء والرباط سيجعل المدينة أقرب إلى الأسواق الوطنية والدولية، ويفتح فرصا جديدة أمام السياحة، المؤتمرات، الخدمات، الاستثمار العقاري، والصناعات المرتبطة باللوجستيك.
سياحيا، لا يمكن فصل القطار عن مستقبل أكادير كوجهة كبرى. فالمدينة تعتمد اليوم بشكل كبير على الطريق والمطار، لكن الربط السككي فائق السرعة سيمنحها منفذا جديدا نحو الزوار، سواء المغاربة أو الأجانب الذين يصلون عبر مطارات ومدن أخرى. وهذا قد يعزز التكامل بين مراكش وأكادير بدل أن تبقى المدينتان وجهتين منفصلتين في مسارات السفر.
اجتماعيا، سيكون للقطار أثر مباشر على الطلبة، الموظفين، المرضى، المستثمرين الصغار، العائلات، وكل من يتنقل بانتظام بين سوس وباقي المدن. فالمشروع لا يخص السياحة فقط، بل يمس أيضا حق الجهة في ربط عصري يقلص المسافات ويحسن الولوج إلى الخدمات والفرص.
لكن حجم الأمل لا يخفي حجم الأسئلة. فالكلفة، المقدرة بحوالي 55 مليار درهم، كبيرة جدا، والحاجة إلى تمويل دولي تعني أن المشروع سيحتاج إلى مفاوضات وشراكات قوية. كما أن نسبة القناطر والأنفاق، التي تتجاوز 70 في المائة من الأشغال، تضع المشروع أمام تحديات تقنية قد تؤثر على الآجال والكلفة النهائية.
لذلك، يحتاج الرأي العام بسوس ماسة إلى وضوح أكبر حول المراحل المقبلة: متى سينتقل الشطر مراكش–أكادير من الدراسات إلى الإنجاز؟ ما مصادر التمويل المحتملة؟ ما الجدولة الزمنية التقريبية؟ وأين ستتموقع المحطات؟ وكيف سيجري ربط المشروع بباقي وسائل النقل داخل أكادير والجهة؟
هذه الأسئلة لا تقلل من أهمية الإعلان، بل تمنحه معناه الحقيقي. فالمشاريع الكبرى لا تقاس بالتصريحات فقط، بل بوضوح المسار، واستمرارية التمويل، وشفافية التواصل مع السكان والفاعلين الاقتصاديين.
وبين مطار أكادير المسيرة، والطرق الوطنية، ومشروع القطار فائق السرعة، تبدو أكادير أمام مرحلة مفصلية في تاريخ ربطها بباقي المملكة. فالمدينة لم تعد تطالب فقط بمزيد من الرحلات الجوية أو تحسين الطرق، بل تريد أن تدخل فعليا زمن الربط السككي السريع، بما يليق بمكانتها السياحية والاقتصادية وبطموحات جهة سوس ماسة.
إذا تحقق المشروع، فلن يكون قطار مراكش–أكادير مجرد خط حديدي، بل سيكون تحولا في علاقة الجهة بالزمن والمسافة. سيجعل أكادير أقرب، وسوس أكثر اندماجا، والجنوب أكثر حضورا في قلب الحركية الوطنية. أما التأخر في تحويل الدراسات إلى إنجاز، فسيبقي حلم القطار معلقا، في وقت تتحرك فيه باقي الجهات بسرعة نحو مشاريع ربط كبرى.
لهذا، يبقى السؤال الأهم بالنسبة لجمهور أكادير وسوس ماسة: هل يتحول رقم 55 مليار درهم إلى ورش حقيقي يربط أكادير بالشبكة فائقة السرعة، أم يظل المشروع في خانة الانتظار؟ الجواب ستحدده السنوات المقبلة، بين التمويل، الهندسة، والإرادة السياسية في إنصاف جهة ظلت طويلا خارج خريطة السكك.
خلاصة المقال
مشروع القطار فائق السرعة بين مراكش وأكادير يمثل رهانا استراتيجيا لسوس ماسة، لكنه يواجه تحديات تمويلية وهندسية كبيرة بسبب كلفته المرتفعة وعبوره الأطلس الكبير.
- الدراسات التعريفية والتطبيقية الخاصة بخط مراكش–أكادير انتهت، وفق وزير النقل.
- الكلفة التقديرية للمشروع تبلغ حوالي 55 مليار درهم.
- أكثر من 70 في المائة من الأشغال ستهم القناطر والأنفاق بسبب صعوبة المسار.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله