تثير مخالفات التعمير والبناء، في عدد من المدن والجماعات المغربية، احتكاكات يومية بين المواطنين والسلطات المحلية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأوراش بناء أو إصلاح أو توسيع يشتبه في مخالفتها للقانون.
وفي قلب هذا الاحتكاك، يطرح سؤال دقيق وحساس: هل يحق لعون السلطة أن يأمر المواطن بإيقاف الأشغال؟ هل يحق له تهديده أو الدخول معه في نقاش قانوني؟ وهل يمكنه دخول الورش أو التصرف كما لو أنه مراقب تعمير أو ضابط شرطة قضائية؟
الجواب، من زاوية النصوص القانونية والتنظيمية، يحتاج إلى تمييز واضح بين عون السلطة من جهة، والقائد أو الباشا بصفتهما ضابطين للشرطة القضائية، ومراقب التعمير المخول له الصفة الضبطية من جهة أخرى.
فالمسطرة القانونية لا تقوم على الانطباعات أو التعليمات الشفوية، بل على محضر معاينة، وصفة قانونية واضحة، وأمر مكتوب، وتبليغ مضبوط، وإحالة على الجهات المختصة.
من يملك صلاحية معاينة مخالفات التعمير؟
القانون رقم 66.12، المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، جاء أساساً لترتيب الاختصاصات وإنهاء حالة التداخل التي كانت تعرفها المراقبة سابقاً. وتوضح الوثائق الرسمية الخاصة بتفعيل هذا القانون أن الدليل العملي أُعد لتمكين ضباط الشرطة القضائية، خاصة الباشا والقائد، وكذا مراقبي التعمير التابعين للوالي أو العامل أو للمفتشيات الجهوية للتعمير، المخولة لهم الصفة الضبطية، من ممارسة الصلاحيات القانونية في هذا المجال.
كما تنص نماذج الوثائق الرسمية المنشورة بالجريدة الرسمية على ضرورة التنصيص بشكل واضح على الاسم الكامل والوظيفة والصفة، مثل: قائد أو باشا بصفته ضابطاً للشرطة القضائية، أو مراقب التعمير والبناء بعمالة أو إقليم معين بصفته ضابطاً للشرطة القضائية.
هذا التحديد ليس شكلياً. فصفة محرر المحضر أو مصدر الأمر هي قلب المسطرة. ومن لا يتوفر على هذه الصفة لا يمكنه أن يتصرف كما لو كان مراقباً للتعمير أو ضابطاً للشرطة القضائية.
عون السلطة ليس مراقب تعمير
بناءً على هذه القاعدة، لا ينبغي الخلط بين عون السلطة، مثل المقدم أو الشيخ، وبين القائد أو الباشا عندما يمارس اختصاصه بصفته ضابطاً للشرطة القضائية في ميدان التعمير.
عون السلطة قد يلاحظ وجود أشغال.
قد يخبر رؤساءه.
قد ينقل معطيات أولية.
وقد يكلف بتبليغ وثيقة رسمية صادرة عن الجهة المختصة.
لكن ذلك لا يجعله صاحب سلطة قانونية لمعاينة المخالفة بنفسه، أو إصدار أمر بإيقاف الأشغال، أو تهديد المخالف، أو الدخول معه في مواجهة، أو تقديم نفسه كجهة حسم قانوني في الملف.
بمعنى أدق: عون السلطة يبلغ ولا يقرر. يخبر ولا يعاين بصفة ضبطية. ينقل الأمر المكتوب ولا يصدره من تلقاء نفسه.
إيقاف الأشغال له مسطرة وليس مجرد كلام
الدليل العملي لمراقبة وزجر مخالفات التعمير يوضح أن الأمر الفوري بإيقاف الأشغال يصدر من طرف ضابط الشرطة القضائية أو مراقب التعمير الذي عاين المخالفة، وذلك عندما تكون الأشغال المخالفة ما تزال في طور الإنجاز. كما يوضح أن إصدار الأمر يكون مباشرة بعد المعاينة وتحرير المحضر.
وهذا يعني أن عبارة “وقف الأشغال” ليست مجرد أمر شفوي يمكن لأي شخص أن يوجهه داخل الورش. إنها إجراء قانوني يرتبط بمحضر معاينة وبصفة قانونية وبأمر مكتوب يبلغ للمخالف.
كما أن الأمر الفوري بإيقاف الأشغال يبلغ إلى المخالف مرفقاً بنسخة من محضر المعاينة، وتوجه نسخ منه إلى السلطة الإدارية المحلية، ومدير الوكالة الحضرية، ورئيس مجلس الجماعة.
إذن، إذا حضر عون سلطة إلى ورش وقال للمواطن شفوياً: “أوقف الأشغال”، دون أمر مكتوب صادر عن الجهة المختصة، ودون محضر معاينة قانوني، فإن هذا لا يرقى إلى المسطرة المنصوص عليها قانوناً.
متى يمكن إغلاق الورش أو حجز المعدات؟
حتى إغلاق الورش أو حجز المعدات لا يتم بمجرد قرار شفوي أو توتر في الميدان. فحسب الدليل نفسه، إذا لم ينفذ المخالف الأمر المبلغ إليه بإيقاف الأشغال في الحال، يقوم ضابط الشرطة القضائية أو المراقب بإيقاف الأشغال الجارية وحجز المعدات والأدوات ومواد البناء، وله أيضاً أن يقوم بإغلاق الورش ووضع الأختام إن اقتضى الحال، مع إنجاز محضر تفصيلي بذلك.
كما يفرض الدليل وصف الأشياء المحجوزة، والإشارة إلى حضور المخالف أو غيابه، ووصف عملية الإغلاق، وتضمين التصريحات إن وجدت، وتوقيع المخالف أو الإشارة إلى رفضه التوقيع، وإرفاق المحضر بصور فوتوغرافية تحمل تاريخ وساعة التقاطها.
كل هذا يؤكد أن المسطرة دقيقة ومكتوبة وموثقة. ولا مكان فيها للتهديد أو الضغط أو “التفاهمات” خارج القانون.
دخول الورش أو المحل ليس مفتوحاً للجميع
من النقاط الحساسة أيضاً مسألة الدخول إلى الورش أو المحلات. فالدليل يميز بين حالات المراقبة، ويشير إلى أنه عند معاينة مخالفة داخل محل معتمر، يشترط الحصول على إذن كتابي من النيابة العامة المختصة داخل أجل لا يتعدى ثلاثة أيام قبل تفعيل مسطرة المعاينة.
وهذه القاعدة مهمة لأنها تؤكد أن ولوج الأماكن ليس مسألة عادية، حتى بالنسبة للجهات المخولة لها المراقبة. فإذا كان القانون يشترط إذناً كتابياً في بعض الحالات بالنسبة لضابط الشرطة القضائية أو مراقب التعمير، فمن باب أولى ألا يتحول عون السلطة إلى جهة تدخل أو تفتيش خارج أي إطار قانوني.
أما الورش المفتوح أو الظاهر للعموم، فقد تكون فيه المعاينة ممكنة للجهة المختصة، لكن العبرة دائماً بالصفة القانونية وبالمسطرة. عون السلطة ليس بديلاً عن مراقب التعمير، ولا عن القائد أو الباشا عندما يمارسان الصفة الضبطية.
التبليغ مهمة ممكنة.. لكنها ليست سلطة تقرير
يظهر دور عون السلطة بشكل أوضح في مرحلة التبليغ. فعندما تصدر السلطة الإدارية المحلية أمراً بالهدم مثلاً، ينص الدليل على أن تبليغ الأمر للمخالف يمكن أن يتم مقابل وصل بالتسلم عن طريق عون سلطة أو عن طريق مفوض قضائي.
هذا يعني أن عون السلطة قد يدخل المسطرة كـ مبلغ لوثيقة صادرة عن جهة مختصة. لكنه لا يتحول بسبب التبليغ إلى صاحب قرار أو جهة معاينة أو سلطة تهديد.
الفرق كبير بين أن يحمل عون السلطة وثيقة رسمية للتبليغ، وبين أن يصدر بنفسه أمراً شفوياً أو يدخل في نقاش مع المواطن حول قانونية الأشغال.
في الحالة الأولى، هو ينفذ تبليغاً.
في الحالة الثانية، قد يكون بصدد تجاوز اختصاصه.
ماذا يفعل المواطن إذا حضر عون سلطة إلى الورش؟
المواطن، من جهته، ليس فوق القانون. فإذا كان الورش مخالفاً، فالمسطرة ستأخذ مجراها. لكن من حقه أن يطلب التعامل معه وفق القانون، لا وفق الضغط الشفوي.
يمكنه أن يسأل بهدوء: هل هناك محضر معاينة؟
هل هناك أمر مكتوب بإيقاف الأشغال؟
من الجهة التي أصدرته؟
ما صفة الشخص الذي عاين المخالفة؟
هل التبليغ يتم مقابل وصل؟
هذه الأسئلة ليست تحدياً للسلطة، بل هي جزء من الحق في مسطرة واضحة.
وفي المقابل، لا ينبغي للمواطن أن يعرقل عون السلطة إذا كان يقوم بتبليغ وثيقة رسمية، أو أن يدخل معه في مشادات. فالطريق السليم هو تسلم الوثيقة عند الاقتضاء، أو تسجيل الامتناع وفق القانون، ثم استعمال مسارات الطعن أو التسوية أو الاستشارة القانونية.
مخالفة التعمير لا تبرر تجاوز القانون
هناك من قد يقول إن البناء العشوائي خطر، وإن السرعة مطلوبة لوقف المخالفات. هذا صحيح من حيث المبدأ. لكن خطورة مخالفات التعمير لا تعني فتح الباب أمام كل شخص لكي يهدد أو يأمر أو يقتحم أو يحاور باسم القانون.
القانون وضع مسطرة دقيقة لأنه يريد محاربة المخالفات، وفي الوقت نفسه حماية الإدارة والمواطن من العبث. فالمحضر غير السليم قد يضعف الملف. والأمر الشفوي قد يفتح باب النزاع. والتدخل خارج الاختصاص قد يحول قضية تعمير إلى شكاية ضد تجاوز السلطة.
لذلك، فإن احترام المسطرة يخدم الدولة قبل المواطن.
ويخدم العمران قبل المخالف.
ويحمي رجال السلطة وأعوانها من سوء الفهم والاحتكاك.
القائد أو الباشا ليسا كعون السلطة
من المهم التأكيد على نقطة دقيقة: عندما نتحدث عن عدم أحقية عون السلطة في إصدار الأمر بإيقاف الأشغال، فنحن لا نقصد القائد أو الباشا عندما يتدخلان بصفتهما القانونية.
الدليل الرسمي يذكر صراحة ضباط الشرطة القضائية، ومنهم القائد أو الباشا، إلى جانب مراقبي التعمير المخول لهم الصفة الضبطية، باعتبارهم معنيين بإعمال صلاحيات المراقبة والزجر في مجال التعمير.
إذن، الخلط بين “رجل السلطة” و“عون السلطة” هو مصدر كثير من سوء الفهم. القائد أو الباشا قد يملكان صلاحيات قانونية عندما يتصرفان بصفتهما ضباط شرطة قضائية ووفق المسطرة. أما عون السلطة، فدوره الإداري والميداني لا يرقى إلى إصدار قرارات زجرية في مخالفات التعمير.
من التبليغ إلى الشطط.. أين الخط الأحمر؟
الخط الأحمر يبدأ عندما يتحول عون السلطة من ناقل معلومة أو مبلغ وثيقة إلى طرف يقرر ويفسر ويهدد.
لا يحق له أن يقول للمواطن، من تلقاء نفسه، إن الأشغال مخالفة بصورة نهائية.
لا يحق له أن يصدر أمراً شفوياً بإيقاف الورش.
لا يحق له أن يهدد بالحجز أو الهدم دون وثيقة.
لا يحق له أن يفتح نقاشاً طويلاً حول القانون وكأنه جهة مختصة.
ولا يحق له دخول محل معتمر أو ورش مغلق خارج الإطار القانوني.
ما يمكنه فعله هو التبليغ، الإخبار، نقل المعطيات، أو مرافقة الجهة المختصة في حدود ما يسمح به القانون والتعليمات الإدارية.
هذا، والقاعدة القانونية في مخالفات التعمير واضحة: الأمر الفوري بإيقاف الأشغال يصدر عن ضابط الشرطة القضائية أو مراقب التعمير الذي عاين المخالفة، عندما تكون الأشغال المخالفة ما تزال جارية، ويكون ذلك مرتبطاً بمحضر معاينة وتبليغ رسمي.
أما عون السلطة، فليس مراقب تعمير، وليس ضابط شرطة قضائية، ولا يملك من تلقاء نفسه صلاحية إصدار أوامر بإيقاف الأشغال أو تهديد المواطن أو دخول الورش خارج المسطرة. دوره، عندما يحضر في الملف، ينحصر غالباً في الإخبار أو التبليغ أو تنفيذ ما يطلب منه إدارياً في حدود القانون.
محاربة مخالفات التعمير ضرورية لحماية المدن والقرى من الفوضى. لكن هذه المحاربة لا تكون إلا بالقانون: محضر، صفة، أمر مكتوب، تبليغ، إحالة، ثم مساطر الطعن أو التنفيذ.
فالدولة القوية لا تحتاج إلى تهديد شفوي.
تحتاج إلى مسطرة قانونية واضحة.
والمواطن الجاد لا يرفض تطبيق القانون، لكنه من حقه أن يطلب: من يأمرني يجب أن تكون له الصفة، وما يبلغني يجب أن يكون مكتوباً، وما ينسب إلي يجب أن يثبت بمحضر.

