فتحت طائرة ترامب القطرية فصلاً جديداً من الجدل في واشنطن، بعدما أصدرت وزارة العدل الأمريكية مذكرات استدعاء بحق أربعة صحفيين من صحيفة «نيويورك تايمز»، على خلفية تقارير تناولت مخاوف أمنية مرتبطة بالطائرة الجديدة المستخدمة ضمن أسطول النقل الرئاسي.
وطلبت مذكرات الاستدعاء، التي صدرت يوم الجمعة 10 يوليوز 2026، من الصحفيين المثول أمام هيئة محلفين فيدرالية في مانهاتن، للتحقيق في ما وُصف باحتمال خرق للقانون الجنائي الفيدرالي. وأفادت الصحيفة بأن عناصر فيدرالية سلمت بعض المذكرات للصحفيين داخل منازلهم.
وتحول الملف بذلك من نقاش حول سلامة الطائرة وتجهيزاتها الدفاعية إلى مواجهة أوسع بشأن حدود التحقيق في تسريب المعلومات المصنفة، ومدى قدرة السلطات على إجبار الصحفيين على الشهادة حول تقاريرهم ومصادرهم.
أربعة صحفيين أمام هيئة محلفين فيدرالية
شملت مذكرات الاستدعاء الصحفيين جوليان إي بارنز، وإريك ليبتون، وتايلر بايجر، وإريك شميت، الذين شاركوا في تغطية المخاوف المرتبطة بالطائرة الرئاسية الجديدة.
وصدرت المذكرات عن جاي كلايتون، المدعي العام الفيدرالي في مانهاتن، وطلبت من الصحفيين الإدلاء بشهاداتهم أمام هيئة محلفين يوم الأربعاء، وفق ما أعلنته «نيويورك تايمز».
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، جاء إصدارها بعد اجتماع في البيت الأبيض شارك فيه مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل ومسؤولون في وزارة العدل لمناقشة القضية.
وزارة العدل: الصحفيون ليسوا هدف التحقيق
دافعت وزارة العدل الأمريكية عن موقفها، مؤكدة أن التحقيق لا يستهدف الصحفيين بسبب عملهم، وإنما يركز على الأشخاص الذين يُشتبه في تسريبهم معلومات سرية تمس الأمن القومي.
وقالت الوزارة إن للصحافة دوراً مهماً داخل الولايات المتحدة، لكنها شددت في المقابل على مسؤوليتها في التحقيق مع الموظفين المؤتمنين على أسرار الدولة عندما يُشتبه في نقلهم معلومات مصنفة إلى وسائل الإعلام.
ولا تعني مذكرات الاستدعاء، في حد ذاتها، اتهام الصحفيين بارتكاب جريمة، بل تُلزمهم بالمثول للإدلاء بشهاداتهم ضمن التحقيق، في وقت لم تُكشف فيه طبيعة المعلومات التي تريد هيئة المحلفين الحصول عليها منهم.
نيويورك تايمز تتحدث عن محاولة ترهيب
من جانبها، اعتبرت «نيويورك تايمز» الخطوة تصعيداً غير عادي في تعامل إدارة ترامب مع المؤسسات الإعلامية المستقلة.
وقال محامي الصحيفة ديفيد ماكرو إن وصول عناصر فيدرالية إلى منازل صحفيين لتسليمهم مذكرات الاستدعاء ينبغي أن يثير قلق كل من يؤمن بالحماية الدستورية لحرية الصحافة.
كما انتقد نادي الصحافة الوطني ولجنة المراسلين من أجل حرية الصحافة المذكرات، معتبرين أن إجبار الصحفيين على الشهادة في قضايا مرتبطة بمصادرهم قد يترك أثراً مخيفاً داخل غرف الأخبار، ويجعل الموظفين والمبلغين أقل استعداداً للتواصل مع الصحافة.
ما قصة طائرة ترامب القطرية؟
تعود خلفية القضية إلى طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747-8 قدمتها قطر إلى الولايات المتحدة، وقبلتها وزارة الدفاع الأمريكية سنة 2025 لاستعمالها مؤقتاً ضمن أسطول النقل الرئاسي، إلى حين تسليم طائرات «إير فورس وان» الجديدة التي تصنعها بوينغ.
ورغم ارتباطها إعلامياً باسم ترامب، فقد قُدمت الطائرة رسمياً إلى الولايات المتحدة وليس إلى الرئيس بصفته الشخصية. وكانت تقارير قد قدرت قيمتها بنحو 400 مليون دولار، قبل أن تخضع لعملية تعديل وتجهيز سريعة لتلبية متطلبات النقل الرئاسي.
ودخلت الطائرة الخدمة في بداية يوليوز 2026، بعد تعديلات نفذتها شركة الدفاع الأمريكية L3Harris، شملت تجهيزات للاتصالات والحماية، وسط جدل سياسي بشأن الكلفة وسرعة إنجاز عملية التحويل.
تغيير مفاجئ للطائرة بعد قمة تركيا
تجددت التساؤلات الأمنية عندما استعمل ترامب الطائرة الجديدة في رحلته إلى تركيا لحضور قمة حلف شمال الأطلسي، لكنه غادر أنقرة نحو قاعدة ميلدنهال البريطانية على متن إحدى الطائرات الرئاسية القديمة.
وسافرت الطائرة القطرية بصورة منفصلة إلى القاعدة البريطانية، قبل أن يصعد إليها ترامب مجدداً ويستخدمها في رحلة العودة إلى الولايات المتحدة.
وقال الرئيس الأمريكي إن التغيير جرى «من أجل الأيام القديمة»، ولإتاحة الفرصة للعسكريين الأمريكيين في القاعدة البريطانية لمشاهدة الطائرة الجديدة، نافياً أن تكون مخاوف أمنية وراء القرار.
تقارير تتحدث عن قدرات دفاعية غير مكتملة
نقلت «نيويورك تايمز»، استناداً إلى مصادر لم تسمها، أن تغيير الطائرة جاء بناء على توصية أمنية، وأن الطائرة الجديدة لا تتوفر على بعض أنظمة الحماية المتقدمة الموجودة في الطائرات الرئاسية القديمة، بما فيها قدرات مرتبطة برصد الصواريخ ومواجهتها.
وأظهرت الصور المتاحة للطائرة، وفق تحليل وكالة أسوشيتد برس، غياب بعض التجهيزات الخارجية الموجودة في الطائرات القديمة، فيما أحالت القوات الجوية الأمريكية الأسئلة المتعلقة بأسباب تغيير الرحلة إلى البيت الأبيض.
وأقرت القوات الجوية بأن تسريع عملية إدخال الطائرة إلى الخدمة استدعى استبعاد بعض التعديلات الهندسية المعقدة المخطط لها في الطائرات الرئاسية المستقبلية، لكنها أكدت أن ذلك تم دون قبول أي مخاطر تتعلق بالأمن أو السلامة أو سرية الاتصالات.
روايتان متعارضتان حول سلامة الطائرة
تضع هذه المعطيات الرأي العام الأمريكي أمام روايتين مختلفتين. تقول الأولى إن تغيير الطائرة كان جزءاً من ترتيبات الرحلة وفرصة لعرضها على العسكريين الأمريكيين، وإنها تستوفي معايير السلامة الرئاسية.
أما الرواية الثانية، المستندة إلى مصادر صحفية، فتقول إن أجهزة أمنية كانت قلقة من عدم اكتمال بعض قدراتها الدفاعية، خصوصاً مع تصاعد التوترات مع إيران ووجود تهديدات محتملة ضد الرئيس الأمريكي.
ولم يصدر تقرير فني علني ونهائي يثبت وجود خلل أمني يجعل الطائرة غير صالحة للاستخدام الرئاسي. لذلك، تظل الادعاءات بشأن أسباب تغييرها محل خلاف بين الإدارة والتقارير الإعلامية.
هل يحق للسلطات استدعاء الصحفيين؟
تسمح سياسة وزارة العدل الأمريكية، التي جرى تحديثها في أبريل 2025، باستعمال مذكرات الاستدعاء والأوامر القضائية في التحقيقات المتعلقة بالتسريبات غير المصرح بها، بما فيها قضايا المعلومات المصنفة والأمن القومي.
لكن القواعد نفسها تنص على ضرورة الحصول، في معظم الحالات، على موافقة المدعي العام، وأن تكون الطلبات محددة قدر الإمكان، مع محاولة الوصول إلى المعلومات بوسائل أقل تأثيراً على العمل الصحفي متى كان ذلك ممكناً.
وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن محاولة إجبار صحفيين على الكشف عن مصادرهم أمام هيئة محلفين تظل إجراء نادراً، حتى وإن شهدت الإدارات الأمريكية السابقة تحقيقات تضمنت الحصول على سجلات اتصالات صحفيين.
تسريبات أمنية أم تضييق على الصحافة؟
من الناحية القانونية، تملك الحكومة الأمريكية حق التحقيق في تسريب معلومات سرية، خصوصاً عندما تتعلق بتدابير حماية الرئيس أو قدرات طائرة رئاسية.
لكن من الناحية الصحفية، يمثل الحفاظ على سرية المصادر ركناً أساسياً في عمل الإعلام الاستقصائي، لأن كشف هويات الموظفين الذين يتحدثون إلى الصحافة قد يمنع مستقبلاً ظهور معلومات تهم السلامة العامة والإنفاق الحكومي ومحاسبة السلطة.
ولا يمكن حسم هذا الصراع بمجرد وصف كل تسريب بأنه عمل يخدم المصلحة العامة، كما لا يجوز اعتبار كل تحقيق حكومي محاولة تلقائية لقمع الصحافة. ويتوقف التقييم على طبيعة المعلومات ومدى حساسيتها، وعلى ما إذا كانت السلطات استنفدت وسائل أخرى قبل استدعاء الصحفيين.
الطائرة تتحول إلى اختبار سياسي وقانوني
لم يعد الجدل المتعلق بالطائرة القطرية مقتصراً على كلفتها أو مصدرها أو التجهيزات التي خضعت لها، بل أصبح اختباراً للعلاقة بين إدارة ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية.
وتقول وزارة العدل إنها تسعى إلى الوصول إلى الأشخاص الذين سربوا معلومات مصنفة، بينما ترى «نيويورك تايمز» والمنظمات الإعلامية أن استدعاء صحفيين وتسليم بعضهم المذكرات داخل منازلهم يمثلان رسالة ضغط وترهيب.
وبين الروايتين، ستحدد الخطوات القضائية المقبلة ما إذا كان الصحفيون سيضطرون إلى الإدلاء بشهاداتهم، وما المعلومات التي ستطلبها هيئة المحلفين منهم، وما إذا كانت المذكرات ستصمد أمام أي طعن قانوني محتمل.



