تقدم المؤشرات الرسمية صورة إيجابية عن أداء السياحة بالمغرب وجهة سوس ماسة، لكن شهادات ميدانية استقتها أكادير24 من تجار وأصحاب مشاريع سياحية وخدماتية، خصوصاً بمدينة تزنيت، تكشف جانباً آخر من المشهد: أعداد الوافدين والليالي ترتفع، بينما لا يصل الرواج بالوتيرة نفسها إلى عدد من المحلات والمشاريع الصغيرة.
دخل مهنيون شهر يوليوز وهم ينتظرون الانطلاقة الفعلية للموسم الصيفي، كما اعتادوا خلال السنوات الماضية، غير أن الحركة التجارية ظلت أبطأ من توقعاتهم. ومع مرور الأيام، تحولت عبارة «ربما غداً» إلى وصف متكرر لحالة الانتظار، في وقت يقترب فيه النصف الثاني من الشهر دون ظهور انتعاش واسع داخل عدد من الأسواق والأنشطة المحلية.
ولا تعني هذه الشهادات بالضرورة أن الأرقام الرسمية غير صحيحة، لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً: هل يصل النمو السياحي إلى مختلف مدن الجهة ومكوناتها الاقتصادية، أم يتركز داخل الفنادق الكبرى والمناطق الساحلية والدوائر الأكثر تنظيماً؟
السياحة المغربية تواصل تسجيل أرقام مرتفعة
على المستوى الوطني، سجل المغرب خلال سنة 2025 نتائج قياسية، بعدما بلغ عدد السياح الوافدين 19,8 مليون سائح، بارتفاع قدره 14 في المائة مقارنة مع 2024.
وبلغت مداخيل السياحة بالعملة الصعبة 138 مليار درهم، بزيادة نسبتها 21 في المائة، فيما سجلت مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة 43,4 مليون ليلة مبيت، بارتفاع بلغ 9 في المائة.
واستمر المنحى التصاعدي خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، إذ بلغ عدد السياح الوافدين إلى المغرب حتى نهاية ماي 7,7 ملايين سائح، بزيادة قدرها 7 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية.
وسجل شهر ماي وحده 1,7 مليون سائح، بارتفاع وصل إلى 13 في المائة مقارنة مع ماي 2025.
غير أن هذه المؤشرات الوطنية لا تقدم وحدها صورة كاملة عن الأثر التجاري داخل كل مدينة أو سوق. فالتاجر لا يقيس نجاح الموسم بعدد الوافدين عبر الحدود، بل بحجم المبيعات اليومية وعدد الزبائن وحركة الأسر داخل المحلات والمطاعم والأسواق.
سنة قوية بأكادير وتغازوت رفعت سقف التوقعات
جهوياً، سجلت وجهة أكادير وتغازوت خلال سنة 2025 أكثر من 1,5 مليون وافد سياحي، بارتفاع نسبته 9 في المائة مقارنة مع 2024.
وتجاوز عدد الليالي السياحية 6,3 ملايين ليلة، بزيادة قدرها 7,65 في المائة، فيما فاق معدل ملء مؤسسات الإيواء المصنفة 66 في المائة.
وساهمت هذه الحصيلة في رفع سقف التوقعات بالنسبة إلى صيف 2026، إذ استعد عدد من أصحاب المحلات والمشاريع الصغيرة لموسم قوي، سواء عبر رفع المخزون أو تشغيل يد عاملة إضافية أو تحسين فضاءات الاستقبال.
لكن بعض هؤلاء وجدوا أنفسهم، مع بداية يوليوز، أمام حركة أقل من المنتظر، رغم استمرار المؤشرات العامة في تسجيل منحى إيجابي.
مؤشرات إيجابية في أكادير إلى نهاية ماي
تظهر المعطيات المتعلقة بالأشهر الخمسة الأولى من 2026 أن وجهة أكادير سجلت نحو 607.894 وافداً، مقابل 570.260 وافداً خلال الفترة نفسها من 2025، و520.070 وافداً سنة 2024.
ويمثل ذلك ارتفاعاً بنسبة 6,60 في المائة مقارنة مع السنة الماضية.
كما بلغت الليالي السياحية حوالي 2,62 مليون ليلة، مقابل 2,387 مليون ليلة في 2025 و2,17 مليون ليلة سنة 2024، فيما وصل معدل الملء إلى 65,78 في المائة.
وتشير هذه الأرقام إلى بداية قوية قبل حلول موسم الصيف، لكنها تهم أساساً حركة الوافدين والليالي داخل مؤسسات الإيواء، ولا تقيس بصورة مباشرة مبيعات المحلات والمطاعم الصغيرة أو حجم الرواج داخل مدن الجهة الأخرى.
أرقام صاعدة مقابل شكايات ميدانية
| المؤشر | 2024 | 2025 | 2026 | الخلاصة |
|---|---|---|---|---|
| السياح الوافدون إلى المغرب | نحو 17,4 مليوناً وفق احتساب تقريبي انطلاقاً من نسبة النمو | 19,8 مليون سائح | 7,7 ملايين إلى نهاية ماي | الوافدون يواصلون الارتفاع وطنياً |
| مداخيل السياحة | أقل من مستوى 2025 بنسبة 21% | 138 مليار درهم | الحصيلة السنوية لم تكتمل | 2025 سجلت مستوى قياسياً |
| أكادير وتغازوت: الوافدون السنويون | أقل من 2025 بنسبة 9% | أكثر من 1,5 مليون وافد | 607.894 إلى نهاية ماي بأكادير | بداية إيجابية قبل الصيف |
| أكادير: الوافدون من يناير إلى ماي | 520.070 | 570.260 | 607.894 | ارتفاع متواصل خلال ثلاث سنوات |
| أكادير: الليالي من يناير إلى ماي | 2,17 مليون | 2,387 مليون | نحو 2,62 مليون | نمو واضح في ليالي المبيت |
| الحركة التجارية في يوليوز | رواج صيفي معتاد بحسب المهنيين | موسم قوي رفع التوقعات | شكايات من تأخر الرواج | الأثر الاقتصادي لا يصل إلى الجميع بالوتيرة نفسها |
لماذا لا يشعر جميع التجار بالانتعاش؟
قد يكمن التفسير الأول في طريقة توزيع الحركة السياحية داخل الجهة. فارتفاع عدد الوافدين والليالي السياحية داخل مؤسسات الإيواء المصنفة لا يعني تلقائياً استفادة الأسواق التقليدية والمطاعم الصغيرة ومحلات الملابس والهدايا والمشاريع العائلية بالنسب نفسها.
ويمكن أن يبقى جزء كبير من إنفاق الزوار متركزاً داخل الفنادق والمنتجعات والمناطق الشاطئية، خصوصاً أكادير وتغازوت وإيمي وادار، بينما تصل حصة محدودة منه إلى المدن الداخلية أو الأسواق البعيدة عن المسارات السياحية الرئيسية.
وهكذا تظهر الوجهة قوية في الإحصاءات، في حين يسجل بعض التجار أرقاماً ضعيفة في دفاترهم اليومية.
فالمسألة قد لا تتعلق بعدد السياح، بقدر ما ترتبط بالمكان الذي يقيمون فيه، والفضاءات التي يزورونها، وطريقة توزيع إنفاقهم خلال فترة الإقامة.
تزنيت لا تستفيد تلقائياً من رواج أكادير
تكتسي حالة تزنيت أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تزخر به المدينة من صناعة فضية وأسواق تقليدية وموروث أمازيغي ومؤهلات ثقافية وسياحية.
لكن وجود مئات الآلاف من الزوار في أكادير لا يعني بالضرورة انتقالهم إلى تزنيت، أو دخولهم أسواقها، أو شراء منتجاتها التقليدية.
ويحتاج تحويل السائح من زائر لأكادير إلى زبون داخل تزنيت إلى مسارات سياحية منظمة، ونقل واضح، وبرامج يومية، وحملات ترويج تربط بين الشاطئ والأسواق والمدن الثقافية داخل الجهة.
وتحدثت حصيلة الشركة الجهوية للتنمية السياحية لسنة 2025 عن مشاريع مرتبطة بتأهيل مواقع ومسارات في إيموزار وأملن وتيوت وتافراوت وتيزنيت وطاطا، إلى جانب أكادير أوفلا والمدينة القديمة ومراكز الاستعلام.
لكن تأهيل الموقع لا يكفي وحده، إذا لم يصاحبه توجيه فعلي للزوار نحو المدن والأسواق والمشاريع التي يفترض أن تستفيد من الحركة السياحية.
ارتفاع كلفة التنقل يضغط على ميزانية الأسر
لا يمكن قراءة ضعف الرواج التجاري بعيداً عن القدرة الشرائية، خصوصاً بالنسبة إلى السياحة الداخلية التي تعتمد عليها مدن الجهة بصورة كبيرة خلال يوليوز وغشت.
وسجل مؤشر الأسعار عند الاستهلاك في ماي 2026 ارتفاعاً سنوياً بلغ 1,2 في المائة، بينما ارتفعت أسعار المنتجات غير الغذائية بنسبة 2,6 في المائة.
وسجل قطاع النقل ارتفاعاً سنوياً بلغ 8,1 في المائة، وهو معطى مؤثر بصورة مباشرة على تكلفة السفر والتنقل وقضاء العطلة.
وقد تصل الأسرة فعلاً إلى الوجهة السياحية، لكنها تخفض مدة الإقامة أو تقلص الإنفاق على المطاعم والتسوق والأنشطة، وتفضل الإقامة العائلية أو إعداد الطعام داخل المنزل.
وهذا يعني أن وجود حركة بشرية داخل المدينة لا يتحول دائماً إلى مبيعات مرتفعة داخل المحلات.
سلوك السائح تغير والحجوزات أصبحت أكثر تأخراً
لم تعد السياحة الداخلية مضمونة بالطريقة نفسها التي عرفتها بعض المواسم السابقة، إذ أصبح السائح المغربي أكثر حساسية للأسعار وأكثر ميلاً إلى المقارنة والحجز في اللحظات الأخيرة.
وتحدثت معطيات مهنية عن توفر أكادير على طاقة استقبال تقارب 31.402 سريراً، مع ارتفاع الطاقة الإيوائية بنسبة 4 في المائة خلال 2026.
لكن توسيع العرض لا يعني أن الرواج سيتوزع تلقائياً على جميع مدن الجهة. كما أن تأخر الحجوزات واختصار مدة الإقامة والبحث عن بدائل أقل تكلفة قد يجعل الأسابيع الأولى من يوليوز أضعف تجارياً مما توقعه المهنيون.
«ربما غداً».. انتظار يكشف قلق المهنيين
لا ترتبط شكايات التجار فقط بانخفاض المبيعات، بل بخيبة أمل ناتجة عن التوقعات المرتفعة التي سبقت الموسم.
استعد عدد منهم اعتماداً على نتائج 2025 والخطاب المتفائل بشأن انتعاش السياحة، لكن مرور الأيام دون ارتفاع واضح في الحركة جعلهم يؤجلون توقعاتهم من نهاية أسبوع إلى أخرى.
«ربما غداً، ربما بعد وصول المزيد من مغاربة العالم، وربما مع دخول العطلة الجماعية»، عبارات تعكس حالة انتظار أكثر مما تعكس موسماً بدأ فعلياً.
ولا تمثل هذه الشهادات بديلاً عن الإحصاءات، لكنها تقدم مؤشراً يومياً على ما يجري داخل المحلات والمطاعم والمقاهي والفنادق الصغيرة ووكالات الخدمات.
لا تناقض بين الأرقام الرسمية وشكايات التجار
قد تكون الأرقام الرسمية صحيحة، وقد تكون شكايات المهنيين صحيحة أيضاً.
فمؤشرات الوافدين والليالي تقيس حجم الحركة السياحية داخل نطاق معين، بينما تقيس المبيعات اليومية قدرة هذه الحركة على الوصول إلى النسيج التجاري المحلي.
وقد تكون الفنادق ممتلئة، لكن الأسواق أقل نشاطاً. وقد تنمو مؤشرات أكادير وتغازوت، دون أن تحقق تزنيت أو تارودانت أو باقي المدن الأثر نفسه.
لذلك، فإن القضية لا تتعلق بالاختيار بين روايتين متعارضتين، بل بفهم الفجوة بين نمو السياحة وتوزيع عائداتها.
غياب أرقام يوليوز يمنع إصدار حكم نهائي
إلى حدود المرحلة الحالية، لا تتوفر أرقام رسمية نهائية ومفصلة حول أداء شهر يوليوز 2026 بجهة سوس ماسة، خصوصاً على مستوى التجارة المحلية والمدن الواقعة خارج محور أكادير وتغازوت.
ولهذا، لا يمكن الجزم من الآن بفشل الموسم الصيفي أو نجاحه بصورة كاملة.
لكن غياب بيانات فورية ودقيقة يجعل المهنيين يعتمدون على مؤشراتهم الخاصة، مثل المبيعات والحجوزات وعدد الطاولات المشغولة وحركة الزبائن داخل الأسواق.
وقد يشكل هذا الإحساس الميداني إنذاراً مبكراً يستحق المتابعة، بدل انتظار نهاية الموسم لإصدار تقارير لا تسمح بأي تدخل سريع.
بين الرواج الفندقي والرواج التجاري
يحتاج تقييم الموسم إلى التمييز بين الرواج الفندقي والرواج التجاري.
الأول تقيسه الليالي ونسب الملء والحجوزات، بينما يقاس الثاني بالمبيعات والإنفاق داخل المدينة واستفادة المطاعم والأسواق والحرفيين ومقدمي الخدمات.
وقد يتحسن المؤشر الأول بينما يبقى الثاني محدوداً. لذلك، لا ينبغي قياس نجاح السياحة فقط بعدد الوافدين، بل أيضاً بحجم القيمة التي تتركها داخل الاقتصاد المحلي ومدى توزيعها على المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
كيف يصل الرواج إلى باقي مدن الجهة؟
يحتاج المهنيون، في هذه المرحلة، إلى إجراءات عملية تتجاوز الخطاب العام المتفائل، من بينها تكثيف التنشيط الثقافي والفني، وإطلاق حملات ترويج داخلية، وتنظيم مسارات تربط أكادير بتزنيت وتافراوت وتارودانت وأكلو وإيموزار.
كما تحتاج الجهة إلى بيانات أدق حول سلوك السائح: مدة إقامته، وحجم إنفاقه، ونوع الإيواء الذي يختاره، والمدن التي يزورها، ونسبة مشترياته من المنتجات المحلية.
فنجاح السياحة لا يكتمل بوصول الزائر إلى المطار أو الفندق، بل عندما تتحول إقامته إلى نشاط اقتصادي يستفيد منه الحرفي والتاجر والمطعم وصاحب المشروع الصغير.
السياحة تنمو.. لكن من يستفيد؟
تكشف بداية صيف 2026 في سوس ماسة عن مفارقة تحتاج إلى قراءة هادئة. فالمؤشرات الوطنية والجهوية تسجل نمواً واضحاً، بينما يتحدث عدد من المهنيين عن تأخر الرواج وضعف المبيعات، خصوصاً في تزنيت ومدن أخرى خارج المحاور السياحية الكبرى.
وقد تكون الحقيقة بين الطرفين: السياحة تنمو، لكن عائداتها لا تتوزع بالتساوي. وقد يرتفع عدد الوافدين، بينما يتراجع متوسط الإنفاق أو يتركز داخل فضاءات محددة.
لذلك، لم يعد السؤال الرئيسي هو: هل جاء السياح؟
السؤال الأهم هو: أين ينفق السياح أموالهم؟ ومن يستفيد من نمو القطاع؟ وكيف يتحول ارتفاع المؤشرات إلى حركة اقتصادية يومية يشعر بها التاجر والحرفي وصاحب المشروع الصغير؟



